في الذكرى الحادية عشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا: سقوط نظام بشار الأسد لا يُنهي مسؤولية روسيا عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنيًا على يد القوات الروسية بينهم 2061 طفلًا و984 سيدة

تحل اليوم الذكرى الحادية عشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، والتي تُعد الذكرى الثانية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ومع سقوط النظام السابق الذي تدخلت روسيا عسكريًا دعمًا له، بقيت الآثار الإنسانية والقانونية لذلك التدخل حاضرة في حياة آلاف العائلات التي فقدت أفرادًا منها، وفي المجتمعات التي تضررت منازلها ومرافقها وسبل كسب عيشها. وترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ تغيّر السلطة في سوريا لا يُنهي مسؤولية روسيا عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها، ولا الالتزامات المترتبة عليها في جبر الضرر.

بدأ التدخل العسكري الروسي في 30 أيلول/سبتمبر 2015 دعمًا لقوات نظام الأسد. وسبقه دعم سياسي قدمته روسيا للنظام في مجلس الأمن، إذ استخدمت الفيتو 18 مرة لمنع اعتماد مشاريع قرارات تتعلق بسوريا، من بينها مشروع القرار S/2014/348 القاضي بإحالة الحالة في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية في أيار/مايو 2014. وأصدرت الشبكة تقارير عن أثر الفيتو الروسي في زيادة معاناة الشعب السوري. كما وثقنا خلال سنوات التدخل، هجمات نفذتها القوات الروسية أدت إلى مقتل آلاف المدنيين، وطالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقًا، واستُخدمت في بعضها ذخائر عنقودية في مناطق مأهولة بالسكان.

https://docs.un.org/S/2014/348

https://snhr.org/arabic/2019/04/16/11059/

https://snhr.org/blog/2019/04/16/53566/

وعلى مدى الأعوام العشرة الأولى من هذا التدخل، دأبت الشبكة على إصدار تقارير سنوية في 30 أيلول/سبتمبر من كل عام، حدّثت فيه حصيلة الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية. ويعرض هذا البيان الحصيلة الموثقة حتى تاريخه للفترة الممتدة منذ بدء التدخل حتى سقوط النظام السابق.

https://snhr.org/arabic/tag/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D9%8A-%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA/

https://snhr.org/blog/tag/annual-report-for-russian-forces-most-notable-violations/

الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين والأعيان المدنية

وفقًا لقاعدة بيانات الشبكة، تسببت القوات الروسية، بين 30 أيلول/سبتمبر 2015 و8 كانون الأول/ديسمبر 2024، في مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنيًا، بينهم 2061 طفلًا و984 سيدة (أنثى بالغة). ومن بين الضحايا ما لا يقل عن 70 من الكوادر الطبية، بينهم 12 سيدة، و24 من الكوادر الإعلامية. كما ارتكبت هذه القوات ما لا يقل عن 363 مجزرة، وفق تعريف الشبكة المعتمد للمجزرة[1].

ووثقت الشبكة ما لا يقل عن 1262 حادثة اعتداء نفذتها القوات الروسية وطالت مراكز حيوية مدنية، من بينها:

  • 224 حادثة اعتداء على مدارس.
  • 217 حادثة اعتداء على منشآت طبية.
  • 61 حادثة اعتداء على أسواق.

تستند الشبكة في إسناد هذه الهجمات إلى القوات الروسية إلى منهجيتها المعتمدة في التمييز بين عمليات الطيران الروسي وعمليات طيران النظام السابق، وهي منهجية مفصلة في تقاريرها السنوية السابقة.

وخلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية في تقريرها A/HRC/43/57 المؤرخ في 28 كانون الثاني/يناير 2020، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمشاركة طائرات روسية في هجومين وقعا في محافظة إدلب عام 2019:

  • هجوم على سوق في معرة النعمان في 22 تموز/يوليو.
  • هجوم على تجمّع للنازحين قرب بلدة حاس في 16 آب/أغسطس.

ووجدت اللجنة أنَّ سلاح الجو الروسي لم يوجّه الهجومين إلى هدف عسكري محدد، وأنَّهما يرقيان إلى جريمة الحرب المتمثلة في شن هجمات عشوائية في مناطق مدنية.

وقد ساهمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في توثيق العديد من الحوادث التي وردت في تقرير لجنة التحقيق الدولية.

تشير هذه الحصائل إلى نمط منهجي يؤكد عدم احترام القوات الروسية لقاعدة التمييز وحظر الهجمات العشوائية. ويستند ذلك إلى تكرار الهجمات التي طالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقًا، وإلى استخدام ذخائر عنقودية في مناطق مأهولة بالسكان. كما يستدعي هذا النمط تدقيقًا في مدى الالتزام بقاعدتي التناسب واتخاذ الاحتياطات في الهجوم.

يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان:

“إنَّ سقوط نظام الأسد الذي تدخلت روسيا لحمايته لا ينهي مسؤوليتها عن الهجمات التي نفذتها قواتها. فما زالت آلاف العائلات السورية تنتظر اعترافًا بما لحق بها وجبرًا للضرر، ولا يصح أن تُبنى العلاقة المقبلة بين سوريا وروسيا على تجاوز هذه الحقوق”.

 

المسؤولية عن أفعال القوات الروسية وجبر الضرر

وفقًا للقواعد المستقرة لمسؤولية الدول، تلتزم الدولة بجبر الضرر الناجم عن أفعالها غير المشروعة دوليًا جبرًا كاملًا، بما في ذلك الأفعال المنسوبة إلى قواتها المسلحة. ويبقى هذا الالتزام قائمًا بصرف النظر عن انتهاء العمليات العسكرية أو تغيّر السلطة في سوريا.

وتؤكد المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 60/147 حق ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني في الانتصاف الفعال والجبر المناسب. ويشمل الجبر رد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.

وترى الشبكة أنَّ أي مسار مستقبلي للعلاقات بين الدولة السورية وروسيا، وأي مشاركة روسية في جهود التعافي وإعادة الإعمار، ينبغي أن يرتبط بثلاثة أمور:

  • اعتراف روسيا بمسؤوليتها.
  • تعاونها مع آليات المساءلة.
  • مساهمتها في جبر الضرر.

كما ينبغي ألا تؤدي أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية ثنائية إلى الانتقاص من حقوق الضحايا في الحقيقة والانتصاف والجبر.

التزامات روسيا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب

إلى جانب مسؤوليتها عن أفعال قواتها، تترتب على روسيا التزامات مستقلة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي تعدّ روسيا وسوريا دولتين طرفين فيها. وتتعلق هذه الالتزامات بالأشخاص الموجودين على إقليمها ممن يُدعى ارتكابهم الجرائم المشار إليها في المادة 4 من الاتفاقية، وهي أفعال التعذيب، ومحاولة ارتكابه، والتواطؤ أو المشاركة فيه.

وتلزم الاتفاقية الدولة الطرف بما يلي:

  • تقرير ولايتها القضائية على هذه الجرائم إذا كان الشخص المعني موجودًا في إقليم خاضع لولايتها ولم تسلّمه إلى إحدى الدول المنصوص عليها في المادة 5(1) من الاتفاقية، وفق المادة 5(2).
  • اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وجود الشخص، وإجراء تحقيق أولي في الوقائع، متى رأت، بعد فحص المعلومات المتاحة لها، أنَّ الظروف تبرر ذلك، وفق المادة 6.
  • عرض القضية على سلطاتها المختصة بقصد الملاحقة إذا لم تسلّمه، وفق المادة 7.

وقد قضت محكمة العدل الدولية في قضية بلجيكا ضد السنغال عام 2012 بأنَّ الالتزام بعرض القضية على السلطات المختصة لا يتوقف على وجود طلب تسليم سابق.

وتوجد بشأن بشار الأسد معلومات موثقة وادعاءات علنية ومحددة تتعلق بأفعال تعذيب. ويضاف إلى ذلك ما وثقته الشبكة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة من تعذيب واسع النطاق في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السابق. وفي ضوء ذلك، يثير وجوده على الأراضي الروسية مسألة امتثال روسيا للالتزامات المترتبة عليها بموجب المواد 5(2) و6 و7 من الاتفاقية.

وبحسب ما أمكن للشبكة التحقق منه من المصادر العلنية، لم تعلن السلطات الروسية إجراء تحقيق أولي في هذه الوقائع أو إحالة قضية بشار الأسد إلى سلطاتها المختصة بقصد الملاحقة. وفي مقابلة نشرتها وزارة الخارجية الروسية في 29 كانون الثاني/يناير 2026، سُئل وزير الخارجية سيرغي لافروف عن المطالبات بمحاكمة الأسد، فقال إنَّ هذه المسألة لم تُطرح منذ فترة طويلة، وإنَّ روسيا أتاحت له اللجوء لأسباب إنسانية بحتة.

الاستنتاجات القانونية

  1. تشير أنماط الهجمات الموثقة والمنسوبة إلى القوات الروسية في سوريا إلى وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى بعض الوقائع الموثقة، بحسب ظروف كل واقعة، إلى جرائم حرب. ويتسق ذلك مع ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن هجمات محددة نُسبت إلى الطيران الروسي.
  2. تظل روسيا ملزمة بجبر الضرر الناجم عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها جبرًا كاملًا، ويبقى للضحايا الحق في انتصاف فعال وجبر مناسب.
  3. لا يؤثر انتهاء العمليات العسكرية أو تغيّر الظروف السياسية في سوريا في حقوق الضحايا والمتضررين، ولا في إمكان مساءلة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية المرتكبة.

التوصيات

أولًا: إلى الحكومة الروسية

  1. الاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى القوات الروسية خلال تدخلها العسكري في سوريا.
  2. حفظ سجلات الطلعات الجوية والاستهداف المتعلقة بالهجمات التي أوقعت ضحايا مدنيين، وإتاحتها للآليات التحقيقية والقضائية المختصة، والتعاون مع:
    • الآلية الدولية المحايدة والمستقلة.
    • لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية.
    • الجهات الوطنية السورية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية.
  3. إنشاء آليات فعالة لجبر الأضرار البشرية والمادية والمعنوية الناجمة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها، بمشاركة ممثلي الضحايا في تصميمها.
  4. المساهمة في إعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية التي يثبت تضررها نتيجة أفعال غير مشروعة دوليًا منسوبة إلى القوات الروسية، بوصف إعادة التأهيل أحد أشكال الجبر الممكنة بحسب طبيعة الضرر.
  5. إعمال التزاماتها بموجب المواد 5(2) و6 و7 من اتفاقية مناهضة التعذيب تجاه الأشخاص الموجودين على أراضيها ممن يُدعى ارتكابهم الجرائم المشار إليها في المادة 4، ومنهم بشار الأسد في ضوء المعلومات والادعاءات العلنية المشار إليها أعلاه، ويشمل ذلك:
    • إجراء تحقيق أولي في الوقائع.
    • عرض القضايا على السلطات المختصة بقصد الملاحقة إذا لم يُسلَّم الأشخاص المعنيون.
    • التعاون، وفقًا للقانون والالتزامات الدولية المنطبقة، بما في ذلك المادة 9 من الاتفاقية، مع طلبات المساعدة القضائية المشروعة ذات الصلة.
  6. الإفصاح بشفافية عن أي إجراءات تحقيق أو إحالة اتخذتها السلطات الروسية المختصة في هذا الشأن.

ثانيًا: إلى الحكومة السورية

  1. ضمان ألا تنتقص أي تسوية مع روسيا من الحقوق الفردية للضحايا في الانتصاف والجبر، وإشراك ممثلي الضحايا في تصميم أي آلية جبر مرتبطة بالانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية.
  2. توسيع ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ضمن الإطار التشريعي المنظم لعملها، بما يضمن شمول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأجنبية التي دعمت النظام السابق، ومنها القوات الروسية.
  3. مطالبة الحكومة الروسية رسميًا بالوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الضحايا السوريين، بما في ذلك التزامات جبر الضرر والتعاون القضائي.
  4. دعم جهود حفظ الأدلة والتوثيق، والتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة في التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية.

ثالثًا: إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي

  1. مواصلة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنسوبة إلى جميع الأطراف، بما فيها القوات الروسية، وحفظها وتحليلها في إطار ولايتها.
  2. دعم برامج جبر الضرر في سوريا التي تشمل ضحايا جميع الأطراف، وتضع حقوق الضحايا وكشف الحقيقة وضمانات عدم التكرار في صدارة مسار العدالة الانتقالية.

دمشق، 30 أيلول/سبتمبر 2026

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

[1]منهجية عمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان المعتمدة

https://snhr.org/arabic/wp-content/uploads/sites/2/2026/06/A260603A.pdf

https://snhr.org/wp-content/uploads/2026/07/A260603E.pdf

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى