
يشكل تعديل وزارة الخزانة الأميركية الأخير للوائح “حكومات قائمة الإرهاب”، وإلغاء المادة التي كانت تتضمن ترخيصاً عاماً خاصاً بسوريا، أحدث خطوة تنظيمية في مسار تفكيك منظومة القيود الأميركية التي أحاطت بالاقتصاد السوري لعقود. وتكتسب الخطوة أهميتها من أنها جاءت بعد شهر من إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، لتنتقل واشنطن من اتخاذ القرار السياسي والقانوني إلى تنظيف النصوص التنظيمية التي فقدت سبب وجودها، ضمن مسار بدأ برفع العقوبات الشاملة، ثم إلغاء قانون “قيصر”، وصولاً إلى إنهاء تصنيف الدولة الراعية للإرهاب وتعديل اللوائح المتصلة به.
وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “OFAC”، في 24 أيلول الجاري، تعديل لوائح العقوبات الخاصة بحكومات الدول المدرجة على قائمة الإرهاب، موضحاً أنه أزال مادة تنظيمية تتضمن ترخيصاً عاماً خاصاً بسوريا بعد أن أصبح الترخيص غير ضروري نتيجة إلغاء التصنيف الأميركي للبلاد دولة راعية للإرهاب. ويخص التعديل المادة 596.505 من الجزء 596 من اللوائح الفيدرالية، ولا يمثل حزمة جديدة لرفع العقوبات بقدر ما يمثل مواءمة النص التنظيمي مع الوضع القانوني الذي دخل حيز التنفيذ في 24 آب الماضي.
ويكشف هذا التفصيل القانوني طبيعة المرحلة التي وصلت إليها عملية رفع القيود؛ فالعقوبات الاقتصادية الشاملة التي كان يديرها “OFAC” ضمن برنامج العقوبات السورية انتهت اعتباراً من الأول من تموز 2025، ثم أزيلت “لوائح العقوبات السورية” من مدونة القوانين الفيدرالية في آب من العام نفسه، وأُلغي قانون “قيصر” في 18 كانون الأول 2025، قبل أن تلغي وزارة الخارجية الأميركية في 24 آب 2026 تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب. وما يجري حالياً هو استكمال إزالة الآثار التنظيمية المرتبطة بهذه القرارات من البنية القانونية الأميركية.
مسار بدأ من الرياض
بدأ التحول الأميركي العلني في 13 أيار 2025، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب في الرياض عزمه رفع العقوبات عن سوريا، قبل أن تشرع المؤسسات الأميركية في تحويل الإعلان إلى إجراءات تنفيذية وقانونية. وفي 23 أيار أصدرت واشنطن الترخيص العام رقم 25 وقدمت إعفاءً من عقوبات “قيصر”، ثم أصدر ترامب في 30 حزيران الأمر التنفيذي رقم 14312، الذي أنهى برنامج العقوبات الشاملة على سوريا اعتباراً من اليوم التالي وألغى ستة أوامر تنفيذية شكلت الأساس القانوني لهذا البرنامج.
ورحبت سوريا في 24 أيار 2025 بالخطوات الأميركية التي شملت الإعفاء من العقوبات الإلزامية بموجب قانون “قيصر” والترخيص العام رقم 25، ووصفتها بأنها “خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح للتخفيف من المعاناة الإنسانية والاقتصادية في البلاد”. وقالت وزارة الخارجية والمغتربين حينها إن سوريا “تمد يدها لكل من يرغب في التعاون على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”، مؤكدة إيمانها بالحوار والدبلوماسية أساساً لبناء علاقات متوازنة.
وبعد إلغاء برنامج العقوبات الشاملة، انتقلت الإجراءات الأميركية إلى ملفات أكثر تحديداً. وفي 18 كانون الأول 2025 أُلغي قانون “قيصر” تشريعياً، بما أزال مخاطر العقوبات الإلزامية التي كان يمكن فرضها على جهات أجنبية تتعامل مع الحكومة السورية أو قطاعات سورية، خاصة الطاقة والبنية التحتية. ثم أبلغ الرئيس ترامب الكونغرس، في 8 تموز 2026، بدء إجراءات إنهاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، قبل أن يصبح القرار نافذاً في 24 آب بعد استكمال الإجراءات القانونية.
ويعني هذا التسلسل أن تعديل 24 أيلول ليس نقطة البداية في تحرير التعامل مع سوريا، ولا يفتح وحده قطاعاً كان مغلقاً حتى اليوم السابق، إنما يزيل جزءاً آخر من البنية التنظيمية التي كانت تقوم على وضع قانوني انتهى بالفعل. وهو تمييز أساسي لفهم القرار، لأن الولايات المتحدة لم تعد تفرض عقوبات اقتصادية شاملة على سوريا أو على الحكومة السورية، مع استمرار عقوبات موجهة إلى شخصيات وكيانات محددة، بينها بشار الأسد ومقربون منه، ومتورطون في انتهاكات حقوق الإنسان وتجارة الكبتاغون وأنشطة الانتشار، وتنظيمات إرهابية وجهات مرتبطة بإيران.
47 عاماً من التصنيف
جاء إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في 24 آب ليغلق مرحلة استمرت قرابة 47 عاماً منذ إدراج البلاد على القائمة عام 1979. وأكدت الخزانة الأميركية أن سوريا، بعد إلغاء التصنيف، لم تعد خاضعة للمحظورات المنصوص عليها في “لوائح حكومات قائمة الإرهاب” أو القيود القانونية ذات الصلة، وهو ما جعل الترخيص السوري الخاص في المادة 596.505 عديم الحاجة التنظيمية وأدى إلى حذفه في التعديل الأخير.
ورأى حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أن رفع الاسم من القائمة يمثل “خطوة تاريخية وبداية مرحلة جديدة”، مشيراً إلى أن القرار يفتح آفاقاً اقتصادية ومالية، ويمنح سوريا فرصة للعودة إلى موقعها الطبيعي في منظومة الاقتصاد والمال العالمية. وأضاف أن المصرف يعمل على بناء نظام مالي حديث ومنفتح وموثوق، قادر على التعامل مع المرحلة الجديدة والاستفادة من الفرص التي تتيحها.
وزير المالية محمد يسر برنية وصف القرار بأنه نجاح كبير للدبلوماسية السورية واعتبره باباً لتعزيز ارتباط سوريا بالنظام الاقتصادي والمالي العالمي واستقطاب الاستثمار والتكنولوجيا ودعم التنمية، مشيراً في الوقت نفسه إلى ما يفرضه ذلك على دمشق من مسؤوليات تتصل بالإصلاح الاقتصادي والمالي وبناء المؤسسات.
وعلى الجانب الأميركي، قال وزير الخارجية ماركو روبيو عند إلغاء التصنيف إن الخطوة تزيل عقبة رئيسية أمام استثمارات القطاع الخاص وتدعم تعافي الاقتصاد السوري وإعادة دمجه في الاقتصاد العالمي. ووصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك القرار بمحطة في انتقال العلاقة “من العزلة إلى الشراكة”، معتبراً أنه يضيف أساساً لعلاقة تقوم على المصالح والأمن والازدهار المشتركين.
من القرار السياسي إلى الاقتصاد
لم يبق التحول محصوراً في القرارات القانونية؛ ففي منتصف أيلول الجاري اختتمت غرفة التجارة الأميركية أول بعثة أعمال بهذا الحجم إلى دمشق، بمشاركة 50 شركة أميركية وأكثر من 80 مندوباً، وعقد الوفد اجتماعات مع مسؤولين سوريين في قطاعات المالية والاقتصاد والاتصالات والصحة والسياحة والنقل والأشغال والطاقة والاستثمار والمصرف المركزي. ويقدم هذا التحرك مؤشراً عملياً على انتقال العلاقات الاقتصادية من مرحلة اختبار إمكان التعامل إلى مرحلة استكشاف الفرص بصورة مؤسساتية.
وسبق هذا التحرك تخفيف للقيود الأميركية على الصادرات المدنية، ففي 28 آب 2025 خفف مكتب الصناعة والأمن في وزارة التجارة متطلبات الترخيص الخاصة بسوريا، وسمح بصورة عامة بتصدير سلع وبرمجيات وتقنيات أميركية ذات استخدام مدني، إلى جانب أجهزة الاتصالات وبعض المواد المتعلقة بالطيران المدني، كما سهّل النظر في تراخيص قطاعات الاتصالات والصرف الصحي وتوليد الكهرباء والطيران. واستمرت القيود على عدد من السلع مزدوجة الاستخدام وعلى التعامل مع جهات خاضعة للعقوبات.
ويعني ذلك أن البيئة القانونية أصبحت أكثر قابلية لعودة الشركات والتحويلات والاستثمار، من دون أن يؤدي رفع العقوبات تلقائياً إلى تدفق رؤوس الأموال أو عودة العلاقات المصرفية بصورة فورية. فالمصارف والشركات الدولية تعتمد أيضاً على تقييم المخاطر والامتثال ومكافحة غسل الأموال واستقرار النظام المالي وتوافر الضمانات القانونية، وهي ملفات ترتبط بقدرة المؤسسات السورية على بناء الثقة التشغيلية إلى جانب انتهاء القيود الرسمية.
وتظهر أهمية هذا الجانب في انتقال سوريا تدريجياً إلى استعادة قنوات مالية دولية، ففي آب الماضي دخلت خدمات قبول المدفوعات الدولية عبر “ماستر كارد” مرحلة التشغيل الفعلي بالتعاون بين مصرف سوريا المركزي ومجموعة QNB سوريا، في وقت تعمل فيه دمشق على تحديث أنظمة الدفع والبنية المصرفية واستعادة علاقات المراسلة مع المؤسسات الخارجية.
الثقة السياسية تسبق رأس المال
يرتبط الانفتاح الاقتصادي أيضاً بمسار أوسع من التعاون السياسي والمؤسساتي، فقد شهدت العلاقات بين دمشق وواشنطن لقاءات متتالية بين الرئيسين أحمد الشرع ودونالد ترامب، بدأت في الرياض في أيار 2025، ثم وصلت إلى لقاء البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني من العام نفسه، قبل اجتماعهما مجدداً في أنقرة في 8 تموز 2026. ويعكس تتابع اللقاءات تحول الاتصال السياسي المباشر إلى قناة مستمرة بين الحكومتين.
وفي مسار موازٍ، أسهم تعاون دمشق مع المؤسسات الدولية في ملفات موروثة من عهد النظام المخلوع في تقديم مؤشرات إضافية على تغير طبيعة العلاقة الخارجية. ففي الملف النووي، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الحكومة السورية الجديدة وافقت على التعاون بشفافية لمعالجة القضايا المتعلقة بالأنشطة النووية السابقة، كما أشاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، خلال مؤتمر الوكالة في أيلول الجاري، بالإجراءات السورية المتعلقة بالتقارير والتعاون والشفافية.
ولا تقتصر دلالة هذه الملفات على بعدها الفني، إذ تشكل معايير الامتثال والشفافية والتعاون مع المؤسسات الدولية عنصراً مهماً في حسابات الدول والشركات والمصارف عند اتخاذ قرارات التعامل والاستثمار. وكلما انخفضت المخاطر القانونية والسياسية، اتسعت قدرة الاقتصاد السوري على استعادة الروابط التي تعطلت بفعل سنوات العقوبات والعزلة.
تقاطع المصالح الأمنية
يبقى الأمن أحد المحاور الأساسية في إعادة صياغة العلاقة السورية-الأميركية، فالسياسة الأميركية المعلنة تربط دعم سوريا المستقرة والموحدة بمنع تحول أراضيها إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية، واستمرار مكافحة “داعش” والجماعات المرتبطة به. وفي الجانب السوري، ترتبط هذه الملفات بالسعي إلى استعادة سلطة مؤسسات الدولة على كامل الأراضي وإنهاء التشكيلات المسلحة والملفات الأمنية الموروثة. وقد حافظ الأمر التنفيذي الأميركي الذي أنهى العقوبات الشاملة على صلاحيات استهداف التنظيمات الإرهابية ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار المخدرات والجهات المهددة للاستقرار.
المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو قال لـ”الثورة السورية” إن تعديل الخزانة سيترك أثراً إيجابياً في العلاقات مع سوريا الجديدة، معتبراً أن المسار المقبل سيكون سياسياً بصورة متزايدة بعد تفكيك الجانب القانوني من منظومة العقوبات، وأن الإجراءات الأميركية تتيح مساحة أوسع لبناء العلاقات على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وأضاف سعدو أن تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع واشنطن ينعكس على حسابات دول وشركات بقيت مترددة في الانخراط بالسوق السورية، مشيراً إلى أن تقليص المخاطر القانونية الأميركية يمكن أن يساعد على توسيع قنوات الاستثمار والتمويل، وخاصة في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية.
وبحسب سعدو، فإن الإجراءات الأخيرة يمكن أن تفتح مزيداً من القنوات المالية والاستثمارية التي يحتاجها الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي، مع ارتباط نتائجها بقدرة البلاد على ترسيخ الاستقرار وتطوير مؤسساتها المالية والقانونية.
مواءمة أخيرة لا رفع جديد للعقوبات
تكمن الدقة في قراءة تعديل 24 أيلول في الفصل بين أثره التنظيمي وأثره السياسي، فالمادة التي ألغتها الخزانة كانت ترخيصاً عاماً يتيح معاملات مع سوريا ضمن منظومة كانت تحظرها أصلاً. وبعد إلغاء تصنيف الدولة الراعية للإرهاب زال الحظر الذي كان يستدعي وجود هذا الترخيص، فأصبح الإبقاء عليه بلا وظيفة قانونية. ولهذا حذفت الخزانة المادة 596.505 واحتفظت بمكانها محجوزاً في اللوائح.
بهذا المعنى، لا يضيف التعديل قطاعاً اقتصادياً جديداً إلى قائمة القطاعات المسموح التعامل معها، بل يؤكد وصول مسار رفع القيود إلى مرحلة يجري فيها تفكيك الآثار القانونية المتبقية للنظام القديم للعقوبات. وهو تطور يحمل رسالة مهمة للشركات والمؤسسات المالية، لأن إزالة النصوص غير الضرورية تقلل التعقيد القانوني وتوضح بصورة أكبر الإطار الذي يحكم التعامل مع سوريا.
وتدخل العلاقات السورية-الأميركية بذلك مرحلة تختلف في بنيتها عن العقود السابقة: لم تعد سوريا خاضعة لعقوبات أميركية اقتصادية شاملة، ولم يعد قانون “قيصر” قائماً، وانتهى تصنيفها دولة راعية للإرهاب، مع استمرار منظومة عقوبات محددة تستهدف أشخاصاً وكيانات وأنشطة بعينها. وبين رفع القيود وبناء قنوات التجارة والتمويل والاستثمار تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً، تنتقل فيها المسؤولية من إزالة الحواجز القانونية إلى تحويل الانفتاح السياسي إلى علاقات مالية ومؤسساتية مستقرة وقابلة للاستمرار.
المصدر: الثورة السورية






