ما بعد خطاب الملك في الأردن

لميس أندوني

لم يكن خطاب العاهل الأردني عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب واضح وقوي، وإن كان كذلك. بل أيضاً تضمّن إدانة مطلقة للحكومة الإسرائيلية وجرّدها من أي ذريعة كانت لارتكابها حرب إبادة مستمرّة في غزّة وعملية توسع استيطاني ممنهج بغرض التهجيرالقسري في الضفة الغربية. ولعل أهم ما في الخطاب دعوة الأمم المتحدة إلى تطبيق عقوبات على إسرائيل، لجرائمها، ولأن طموحاتها التوسعية تتجاوز أرض فلسطين.

ما فعله الملك من على منبر الأمم المتحدة “تحريض” لتطبيق القانون الدولي والإنساني ومواثيق الأمم المتحدة نفسها، أي احترام القوانين الدولية وفرض العدالة الإنسانية والحقوقية. في كلمات نارية تأتي من رأس دولة ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ 1994، معاهدة لم تحترم إسرائيل بنودها ولا سيادة الأردن، بل تهدّده بخطر وجودي لتنفيذ تهجير قسري، وهو كما قال الملك “جريمة حرب”، والتوسّع عبر حدوده وتهديد موارده الطبيعية وأمنه وأمانه. وهنا يجب أن تكون هناك عبر ودروس وتفكير لما يترتب فعله. صحيحٌ أن الخطاب وثيقة تعلن أن إسرائيل لا تزال عدواً استراتيجياً للأردن والمنطقة، بل وتشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أفهمت ذلك الدول أم لم تفهم، الأهم سؤال ما هي الدروس؟ وما العمل؟

أولاً: كلمات الملك درسٌ لمن يعتقد أن الوصول إلى معاهدات تنجي أي دولة أو نظام عربي من التهديدات الإسرائيلية، فالمشروع الكولونيالي الصهيوني لم يعد يحتمل التأجيل، من وجهة القائمين عليه، بل على المنطقة والعالم الرضوخ له. فهو ليس مبنياً على قوانين دولية، بل على أساطير توراتية تعتبر فلسطين وهضبة الجولان السورية، ولا ندري أي أرض ومنطقة أخرى في الدول المحيطة بالكيان الصهيوني، تعتبرها إسرائيل ملكية لها.

ثانياً: نكرّر التذكير هنا بأن الاتفاقيات الاقتصادية، وبخاصة في مجال الطاقة، لا تجعل من أي دولة عربية شريكة لإسرائيل في توزيع الموارد الطبيعية، بل تربط اقتصاد الدول العربية الموقعة، ومنها الأردن، بقرار إسرائيل التي تعتبر الموارد التي تسرقها من الشعب الفلسطيني ملكاً لها، وترى موارد الدول العربية الأخرى أيضاً ملكاً لها، فهذه الدول، كما أثبتت جميع الاتفاقيات الموقعة، يجب أن تشارك مواردها مع إسرائيل تحت شعار “ما لنا (ما سرقناه من الفلسطينيين) لنا وما لكم أيضاً لنا”.

من الضروري عدم الانسياق إلى وهم يعتمد على أن سقوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعني سقوط مخطط الاستيطان التوسعي الإحلالي أو التهجير القسري

يتذكّر الأردنيون هذا الكلام في الذكرى العاشرة على توقيع استيراد الغاز، المسروق من الشعب الفلسطيني، وهي اتفاقية كانت ضرورية لأميركا وإسرائيل، لجعل الأخيرة دولة مصدّرة للغاز إلى أوروبا بديلاً من روسيا وإيران وقطر. يومها احتج الأردنيون، ومزارعو قرى الشمال في الأردن، إذ دفع مرور أنابيب خط الغاز الحكومة الأردنية إلى اصدار قرارات استملاك تجبر المزارعين على بيع أجزاء من أراضيهم، حتى يتسنّى مدّ الخط، ما عنى تدمير جزء من المساحة المثمرة للأرض وسط شعور بالمهانة شهدتُه بعيني في زيارة مطولة لقرى الشمال في حينها. كانت هناك صدمة بين مُلاك الأراضي الزراعية، فأغلبهم لا يملكون مساحات كبيرة، ويعتمدون عليها في تأمين مستقبلهم، وراعتهم فكرة أن يكون هذا لمصلحة إسرائيل، خصوصاً أن منهم من خدموا في الجيش وأجهزة الأمن الأردنيين سنوات طويلة. أصبحت إسرائيل بالفعل دولة مصدّرة للغاز، وأصبح الأردن يعتمد، في جزءٍ من الطاقة، على دولة لديها طموحات توسّعية وتهدّد أمنه، فلا معاهدة سلام تحمي، أو تكبح جماح إسرائيل.

ثالثاً: من الضروري عدم الانسياق إلى وهم يعتمد على أن سقوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعني سقوط مخطط الاستيطان التوسعي الإحلالي أو التهجير القسري. قد يكون نتنياهو، كما رأيناه على منبر الأمم المتحدة، مهزوزاً، مغالياً في تطرّف مفرداته، لكنه ووزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن إيتمار بن غفير، وهما من قيادات المستوطنين الأكثر توحشاً، جميعهم يمثلون جوهر المشروع الكولونيالي العنصري الإحلالي، فلا يمكن استمرار المشروع دون إبادة جزء من الفلسطينيين ومحاصرتهم وطردهم من بلادهم. وعليه، المتمنّى أن لا يهدأ هذا الغضب الرسمي الذي شوهد في الأمم المتحدة في حال سقوط حكومة نتنياهو، وإن كنا سنفرح نحن والملايين في العالم بفشل المذكور في الاستمرار في حكومة إسرائيل، لكن هذا لن يعني تغيير السياسات والمخططات الصهيونية، فالمشروع ماضٍ إلى التحقّق، وقرار لجنة إسرائيلية بشطب الكتل الانتخابية العربية المشتركة في انتخابات الكنيست خطوة نحو إلغاء الشعب الفلسطيني، يجب أن لا نغفلها.

رابعاً: على ما تقدّم، يجب التفكير جدّياً، مبدئياً في تجميد الاتفاقيات، فتهديدات إسرائيل خرق لها. لماذا لا يستعين الأردن بأهم خبراء القانون من أردنيين وعرب وعالميين؟ اللحظة مؤاتية بعد مشهد نيويورك الثائر داخلياً وعالمياً على إسرائيل؟ لماذا لا تبدأ المشاورات؟ سيهبّ عشرات الخبراء لمساندة الأردن، إذ إنها لحظة تاريخية لا بد من استغلالها.

يعتمد الأردن، في جزءٍ من الطاقة، على دولة لديها طموحات توسّعية وتهدّد أمنه، فلا معاهدة سلام تحمي، أو تكبح جماح إسرائيل

خامساً: لا يستطيع الأردن مواكبة الخط الذي أعلنه الملك في نيويورك دون العودة إلى الجبهة الداخلية، خصوصاً أن جميع القوى الأردنية من معارضة وموالاة أيدت بقوة الخطاب، وترى فيه نافذة، بل باباً واسعاً لوضع أسس وحدة وطنية ومشروع استراتيجية للدفاع عن الأردن وفلسطين، بل الأمن القومي العربي، وكل مواطن أردني ينشد أمنه وأمانه. وقد أصبح ضرورياً تشكيل لجنة و/ أو جبهة ذات رؤية وطنية، لكن هذا لن يكون كافياً دون إشاعة الحريات وإطلاق الموقوفين المطالبين بالإصلاح أو معارضي المعاهدة مع إسرائيل، فخطاب الملك يلبي تطلعاتهم، بل هم أقرب إلى مضمون الخطاب من نخبٍ انتهازيةٍ تتاجر بخطابات الموالاة من أجل المناصب والمواقع.

لماذا لا يصبح الخطاب جزءاً من مسودة برنامج وطني يتيح المشاركة الواسعة للأردنيين الخائفين على وطنهم ومستقبلهم؟

ويختتم المقال في نهايته ببديهيات، من الضروري تأكيدها؛ فلا يمكن حماية أي دولة دون جبهة وطنية متماسكة تؤسَّس على مفهوم المواطنة والحرّيات وضمان السيادة الوطنية. وفي حالة الأردن، العدو متغطرس ووحشي كما رأى العالم بأكمله في قطاع غزّة والضفة الغربية ولبنان وفي تمدده داخل سورية، والنأي بالنفس لم يحمِ أحداً.

لا نتحدث عن ضرورة حدوث مواجهة عسكرية، بل عن موقف موحد على أساس حماية الحقوق الوطنية الأردنية، وهذا يتطلب لُحمة وطنية تشترط وقف الحملات العنصرية المصطنعة، أو مدفوعة بخوف في غير مكانه نتيجة لتحريض يشيع الخوف والكراهية لضعضعة الجبهة الداخلية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى