حيدر إبراهيم علي فقيد السودان … المثقّف الشجاع

طارق الشيخ

توقف قلب حيدر إبراهيم علي عن الخفقان، ففقد السودان أحد أبنائه النجباء ومثقفاً شجاعاً كرّس حياته لنشر الوعي. توقف قلب مفكر ثوري خاض معاركه بالقلم والفكر، ووطنياً مخلصاً، توقف قلبه بعيداً عن الأرض التي أحبها والشعب الذي وهبه حياته حاملاً مشاعل التنوير أستاذاً جامعياً ومساجلاً وناشراً.

عرفتُ كتاباته، وكنتُ أحد مجيزيها للنشر في صحيفة الميدان السودانية قبل أن أتعرف على شخصه. نشرنا له أول كتبه في مقالات في الصحيفة في الثمانينيات، والتي عرفه من خلالها القرّاء في السودان على نحو واسع، بعنوان “أزمة الإسلام السياسي.. الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً”، ونشرها فيما بعد في كتابٍ كان باكورة إنتاج مركز الدراسات السودانية في القاهرة عام 1991. وفيما بعد، تعرفت عليه وازدادت علاقتي معه في القاهرة بعد تأسيس المركز الذي باشر خطوات تأسيسه الأولى صلاح الزين وصديقه عثمان عامر. وهما من أشرفا على أصدار الأعداد الأولى من مجلة الدراسات السودانية وتوزيعها في القاهرة. ومن غرفه وصالة صغيرة فى شارع شامبليون في القاهرة إلى مكتب يعج بالحضور السوداني والعربي بمختلف أطيافه السياسية والدبلوماسية والثقافية والفنية.

للكاتب والأستاذ الجامعي والسوسيولوجي حيدر إبراهيم علي الفضل في إطلاق أكبر مشروع ثقافي تنويري سوداني، حرّك كوامن الكتابة والتأليف والترجمة لدى قطاع واسع من السودانيين، كما لم يحدث من قبل في تاريخ بلدهم. وقد كان المركز أكثر من مجرّد دار تُعنى بنشر الكتاب السوداني في أحد أهم مراكز المعرفة في العالم العربي، وإنما كان ملتقىً سودانيّاً ثقافيّاً سياسيّاً بامتياز. واذا كانت القاهرة في حقبة التسعينيات مقرّاً لنشاط سوداني سياسي واسع، يقوده التجمع الوطني الديمقراطي، فإن المركز الذي أطلقه حيدر كان يقدّم الثقافة السودانية التزاماً مرتبطاً بالشعب وطموحاته، ويمثل الفعل السياسي في أفضل تجلياته الفكرية التي أطلق عنانها المركز، ما جعله قبلة لمن أراد أن يستزيد معرفة بتفاصيل العقل السوداني وعصارة ما ينتجه.

أفكاره هادئة متّزنة علمية، واضحة، ناقدة وقاسية بلا إسفاف

أمضى حيدر سنوات رائعة، كما كان يصفها، في ألمانيا التي درس فيها، واهتم بالحركة المتمرّدة، وشدّته الحركة الفكرية وروادها في مدرسة فرانكفورت التي تعدّ من أهم المدارس الفلسفية والاجتماعية في القرن العشرين. وشدّته مجادلات أدورنو وهوركهايمر وهابرماس، وأثرت في شخصيته جدليّاً مثيراً في جرأته على اجتراح الأفكار والدفاع عنها في مواجهة التغيّرات السياسية والاجتماعية في السودان. وناقش بمعرفة عميقة الأفكار التي كان من المبادرين إليها في أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن الماضي الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، والتي أطلقت عنان أفكار لاهوت التحرير وكنيسة الفقراء من البرازيل إلى نيكاراغاوا التي كان حاديها أحد أهم شعراء القارة الأميركية القس أرنستو كاردينال والذي أطلق عليه القس الأحمر. وكتب عدة مقالات عن لاهوت التحرير في صحيفة الميدان، ثم أصدر كتاباً ضمنها بعنوان “لاهوت التحرير… الدين والثورة في العالم الثالث”، واكتسبت تلك المقالات أهمية في الحياة الثقافية السودانية، اذ تزامنت مع مقالاته السابقة عن الجبهة الإسلامية.

ومن القاهرة، انطلق نشاط حيدر ليتصل مع حوارات التسعينيات عن العلاقة بين القومية العربية والحركات الإسلامية في العالم العربي، ومنها الندوة التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وجمعت ربما أول مرّة بين مفكرين عرب قوميين وثوريين وقيادات إسلامية. كان حضوره فاعلاً ناقداً لافتاً.

ظلّ حيدر إبراهيم علي وفياً لمبادئه وانحيازه لشعبه، حريصاً على استمرار مشروعه التنويري واحداً من أهم منجزات الثقافة السودانية المعاصرة

يلفت حيدر النظر في كل ما تناوله في كتاباته عن الإسلام السياسي والجبهة الإسلامية في السودان أن أفكاره هادئة متّزنة علمية، واضحة، ناقدة وقاسية بلا إسفاف. كان في طليعة المبادرين إلى التحذير من الهاوية التي يدفع الإسلاميون السودان إليها. وفي جسارة مبكّرة، وضع إصبعه على الداء والجرح العميق الذي أحدثه الإسلاميون في المجتمع السوداني، ماضياً بشجاعة في مقارعة الفكر الذي هدّد القيم الاجتماعية السوية في البلاد، فلم يهب أو يهادن في استقامة منافحاً الفكر الذي أوصل السودان إلى ما هو عليه اليوم من تشتت في مهاجر ومن تصحّر في الفكر. من أبرز مواقفه دعوته قادة المعارضة السودانية في القاهرة في التسعينيات إلى عودة جماعية لمنازلة علنية لحكم الإسلاميين في السودان، ووقف التدهور المريع في البلاد.

عقب ثورة ديسمبر (2018)، عاد حيدر إلى السودان بعد سنوات قضاها في المنفى، واعتبر انتصار الثورة الاستقلال الحقيقي للسودان. وكتب مقاله “شعب الشعب وشعب العسكر.. حمدوك: التاريخ يدقّ بابك للمرة الثانية والأخيرة فلا تخذله مجدّداً”. ووجه في المقال انتقاداً لاذعاً لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك “ليس من المقبول ولا المنطقي أن يكون لرئيس وزراء هذا السند الشعبي وهذا التفويض، ومع ذلك يطرح المبادرات ويضع لها الآليات الفاشلة”. ويضيف: “للأسف، يتنازل حمدوك عن سلطاته وصلاحياته مجّاناً، فقد تنازل عن ملف السلام ثم عن ملف الاقتصاد”. وواصل نقده العنيف لحمدوك في عدة مواقف، محذّراً من مغبة ضياع ثورة الشعب: “هذه فرصة لن تتكرّر، وضياعها يعني ضياع تاريخك الشخصي ومصير الوطن، لذلك هذه المرّة أقول لك خذ الكتاب بقوة”.

وبسبب موقفه الصريح من الحكم والسياسة في بلده، ظل حيدر إبراهيم علي مطارداً، شأن غيره من قادة الفكر في السودان، فعاش معظم سنوات حياته متنقلاً بين الإمارات والمغرب ومصر التي أطلق فيها مشروعه الضخم وبقي فيها حتى وفاته. وظلّ يعبر عن فكره ومواقفه في مؤلفاتٍ وكتبٍ ومقالاتٍ عديدة كانت السلطات في الخرطوم تمنعها وتحظر كتبه. وظلّ وفياً لمبادئه وانحيازه لشعبه، حريصاً على استمرار مشروعه التنويري، واحداً من أهم منجزات الثقافة السودانية المعاصرة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى