قراءة في المجموعة القصصية: الجنزير

  عبد المجيد عرفة

تمثيلات القمع وتحولات الاقتلاع: قراءة في المجموعة القصصية «الجنزير» لعبد القادر الجاسم

عبد القادر الجاسم، «الجنزير»

نرد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠٢٦، ١٥٢ صفحة.

تتيح المجموعة القصصية «الجنزير» لعبد القادر الجاسم، التي تضم ثلاثين قصة، قراءة جوانب من التجربة السورية عبر مواقف يومية تتقاطع فيها السلطة والخوف والذاكرة واللجوء. وبعد قراءة روايتيه «الهيلعي» و«سبدلّا» والكتابة عنهما، تأتي هذه المجموعة لتفتح مجالًا لتأمل اشتغاله على القصة القصيرة، وقدرتها على تكثيف التحولات الاجتماعية والنفسية في واقعة محدودة أو علاقة عابرة أو تفصيل يبدو مألوفًا.

وتتجلى خصوصية تجربة الجاسم، كما تكشفها النماذج التي تتناولها هذه القراءة، في تحويل الموقف اليومي إلى بؤرة دلالية تتجاوز حدوده المباشرة. فالواقعة تستمد قيمتها القصصية من قدرتها على إظهار ما يستتر خلف الاعتياد: علاقات الهيمنة، وآليات الإذلال، وهشاشة الأمان، والتناقض بين الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه والسلوك الذي يمارسه تجاه الآخرين. ومن هنا، يتأسس الأثر النقدي لهذه القصص على إعادة النظر في المألوف، والكشف عن عنف قد يتحول، بفعل التكرار، إلى جزء مقبول من الحياة اليومية.

الجنزير: من التفصيل المادي إلى دلالة السلطة

تقدم قصة «الحاجز»، التي تفتتح المجموعة، مدخلًا إلى عالم المجموعة القصصية. فوجود ثلاثة حواجز ضمن حيز محدود في منطقة واحدة يدفع إلى التساؤل عن وظيفة هذا التكاثر، ولا سيما حين يبدو مفتقرًا إلى ضرورة عسكرية واضحة. هكذا يمكن قراءة الحاجز بوصفه ممارسة لإنتاج الخضوع؛ إذ يعيد تذكير العابر بأن حركته ووقته وسلامته خاضعة لإرادة من يملك سلطة إيقافه.

وتنتقل بؤرة الاهتمام إلى «الجنزير»، ذلك العنصر المادي البسيط الذي ينظّم العبور ويمنعه. ويكتسب هذا التفصيل كثافته الرمزية من اتصاله بتجربة المواطن الذي يتحول مروره في المكان إلى مناسبة محتملة للاستجواب والإهانة والابتزاز. وبذلك تغدو السلسلة الحديدية تمثيلًا محسوسًا لعلاقة غير متكافئة بين سلطة تملك المنع وفرض الأمر وفرد يُطالَب على الدوام بإثبات أحقيته في المرور أو ممارسة أدنى حقوقه.

ويتيح اتخاذ «الجنزير» عنوانًا للمجموعة توسيع هذه الدلالة؛ فالقيد الذي يظهر ماديًا في القصة الافتتاحية يمكن أن يصبح مفتاحًا لقراءة صور أخرى من التقييد في القصص، فنحن إزاء قيود أخرى، قيد الخوف، والطاعة المفروضة، وهشاشة الموقع الاجتماعي، والتمييز الذي يلاحق الإنسان خارج وطنه.

أما انتظار صدأ الجنزير، فيفتح النهاية على احتمال تآكل ما يبدو راسخًا. فالحديد، بما يوحي به من صلابة، يحمل قابلية الفناء أيضًا، وهو ما يمنح الصورة طاقة تتجاوز وصف الحاجز إلى تخيل زواله. وقد يستحضر القارئ، من موقعه الزمني اللاحق، الصلة بين هذه الصورة وتحولات الواقع السياسي؛ غير أن التمييز يظل ضروريًا بين أفق الانتظار داخل القصة والمعرفة اللاحقة التي يدخل بها القارئ إليها. فقيمة النهاية الفنية تتصل بقدرتها على إبقاء إمكان التحرر حاضرًا في قلب تجربة القمع.

ذاكرة العسكرة والتدريب على الطاعة

تعود قصص أخرى إلى مرحلة سابقة على الثورة، مستحضرة معسكرات التدريب الجامعي وما يحيط بها من أوامر وممارسات وعلاقات تراتبية. وتكشف هذه العودة عن امتداد زمني لتجربة القمع؛ إذ تتيح قراءة بعض مظاهر العنف اللاحق في ضوء أنماط من التنشئة كانت تجعل الامتثال معيارًا للسلوك المقبول.

يمكن النظر إلى معسكر التدريب الجامعي في هذا السياق، بوصفه فضاءً لتدريب الإنسان على الخضوع،  وتتجلى المفارقة بين الخطاب المعلن، الذي يربط التدريب بالإعداد للدفاع والمواجهة، وبين ممارسة يومية قد تجعل إذلال المتدرب غاية قائمة بذاتها. وبذلك تنتقل المسألة من وصف خشونة الحياة العسكرية إلى مساءلة علاقة تربوية وسياسية تُضعف حق السؤال والمراجعة.

في المقابل، تكتسب محاولات الطلاب تحويل بعض مواقف التدريب إلى لعب أو سخرية دلالة تتجاوز التسلية. فالسخرية تحدّ من رهبة السلطة، وتمنح الخاضعين لها هامشًا لاستعادة المبادرة، ولو بصورة عابرة. ولا يعني ذلك إلغاء أثر القمع، لكنه يكشف أن الطاعة الظاهرة لا تستوعب دائمًا موقف الفرد الداخلي.

ومع ما قد توحي به هذه القصص من اتصال بخبرة معيشة، يبقى الفصل بين المؤلف وشخصياته ورواته شرطًا لقراءة دقيقة؛ فلا يكفي التقارب مع الواقع لإثبات الطابع السيرذاتي، كما أن تحديد زمن كتابة القصص يحتاج إلى معطيات مستقلة عن زمن أحداثها.

اللجوء وإعادة إنتاج التراتب

يمتد المجال المكاني للمجموعة إلى تركيا، حيث تتناول بعض القصص أحوال السوريين في اللجوء، وما يواجهونه من أحكام مسبقة وممارسات تمييزية. ويظهر اللجوء هنا تجربة تعيد ترتيب علاقة الفرد بمحيطه، وتضعه أمام تفاوت في الاعتراف والفرص والقدرة على الدفاع عن نفسه.

وتبرز في هذا المحور واقعة المدير السوري الحاصل على الجنسية الذي يعامل مدرسًا سوريًا غير مجنّس معاملة تمييزية. وتستمد هذه الواقعة أهميتها من كشفها أن الاشتراك في الأصل والخبرة لا يضمن التضامن بالضرورة؛ فقد يتحول الامتياز القانوني والاجتماعي إلى وسيلة لإنتاج مسافة بين أشخاص جمعتهم تجربة متقاربة.

وبهذا المعنى، تطرح القصة سؤالًا عن قابلية الإنسان لإعادة إنتاج علاقات الإذلال حين يتغير موقعه داخلها. فالمعاناة السابقة لا تمنح حصانة أخلاقية تلقائية، وقد يستخدم الفرد ما اكتسبه من سلطة لتأكيد تفوقه على من ظلوا في موقع أضعف. وتتصل هذه الدلالة بمحور القمع في المجموعة، مع انتقاله من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى العلاقات المهنية والاجتماعية.

وبحكم تجربة اللجوء التي تجمعني بالكاتب، أجد في هذه المواقف ما يتقاطع مع خبرات معيشة. غير أن هذا التقاطع لا يجعل الشهادة الشخصية أساسًا لتعميم الأحكام على المجتمع التركي، كما لا يجعل القصص مسحًا شاملًا لعلاقته بالسوريين. فالواقع يتسع للتضامن والإقصاء معًا، وتختلف المواقف باختلاف الأفراد والبيئات والظروف. وتبقى القيمة النقدية للنص مرتبطة بكيفية كشفه آلية التمييز في الموقف الذي يختاره، بعيدًا عن اختزال مجتمع كامل في سلوك بعض أفراده، أو رد مواقفه جميعًا إلى اصطفاف سياسي واحد.

وحدة السؤال وتعدد التجارب

تسمح هذه المحاور بقراءة «الجنزير» بوصفها مساءلة لصور تقييد الإنسان عبر مراحل وأمكنة مختلفة: في معسكر التدريب، وعند الحاجز، وفي ظل الحرب، وفي فضاء اللجوء. وهذه الصلة لا تعني التسوية بين أشكال القمع أو إغفال تفاوتها، وإنما تلفت إلى تكرر السؤال عن الكرامة وحدود الاختيار داخل علاقات غير متكافئة.

وتنبع أهمية المجموعة، في حدود النماذج التي تناولتها هذه القراءة، من قدرتها على منح التفاصيل اليومية قابلية للكشف والتأويل. فالجنزير، والأمر العسكري، والموقف التمييزي، تصبح مداخل لفهم خبرة أوسع من الخوف والاقتلاع ومقاومة الإذلال. وبذلك يضيف عبد القادر الجاسم إلى تجربته الروائية اشتغالًا قصصيًا يستثمر محدودية الموقف واتساع دلالته، ويضع القارئ أمام ما يتركه العنف في السلوك والعلاقات وتصور الإنسان لذاته وللآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى