
سجلت المالية العامة السورية في النصف الأول من 2026 عجزًا يقارب مليار دولار، بعد وصول الإيرادات إلى نحو 2.7 مليار دولار والإنفاق إلى 3.7 مليارات، وفق تقرير وزارة المالية الصادر نهاية آب/أغسطس. وزادت الإيرادات بنسبة 111 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقفز الإنفاق 331 في المئة مدفوعًا بزيادة الرواتب وتكاليف السلع والخدمات وارتفاع أسعار الواردات، لتصبح سرعة نمو الالتزامات إحدى القضايا الرئيسية التي سترافق إعداد موازنة 2027.
وتكتسب الأرقام دلالة سياسية تتجاوز الحساب المحاسبي للعجز، فالموازنة تحدد عمليًا حجم الموارد التي تستطيع المؤسسات العامة جمعها والقطاعات التي تحصل على الأولوية وطريقة توزيع الأعباء على المجتمع. ويضع اتساع الإنفاق سوريا أمام ملف يرتبط ببنية المالية العامة نفسها، خاصة أن البنك الدولي يقدر الإيرادات العامة بأقل من 5 في المئة من الناتج المحلي بعد أن كانت تقترب من 20 في المئة قبل عام 2011، مع تراجع حصيلة الضرائب والنفط وضعف الإيرادات الجمركية.
قاعدة الإيرادات ما تزال ضيقة
تكشف نسبة تنفيذ الموازنة جانبًا آخر من الصورة، فقد تحققت خلال الأشهر الستة الأولى نحو 31 في المئة من الإيرادات السنوية المقدرة، وسُجل نحو 35 في المئة من النفقات المعتمدة. وتتوقع وزارة المالية زيادة موارد النفط والغاز والتحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية خلال النصف الثاني، بالتزامن مع ارتفاع إضافي في الإنفاق بفعل الأجور والمشروعات الاستثمارية.
وتستخدم أدبيات المالية العامة مفهوم “الحيز المالي” لوصف قدرة الدولة على زيادة الإنفاق مع الحفاظ على قدرة مستقرة على التمويل. ويتشكل هذا الحيز من الإيرادات المنتظمة وكفاءة الجباية ونوعية الإنفاق وحجم الالتزامات المستقبلية. وتصبح الإيرادات المؤقتة، مثل رسوم التراخيص أو الإيرادات الاستثنائية، أقل قدرة على تمويل رواتب ونفقات مستمرة تحتاج إلى موارد تتكرر سنويًا.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في أحدث تقييم له إلى ارتفاع ملموس في الإيرادات الضريبية والجمركية وإيرادات المحروقات، ودعا إلى بناء موازنة 2027 على تقديرات محافظة للإيرادات والتمويل وضبط نمو الإنفاق الجاري، مع تعزيز إدارة المالية العامة والرقابة على العمليات خارج الموازنة والالتزامات المحتملة والضمانات الحكومية.
مخاطر الالتزامات الدائمة
يرى ريتشارد ألن، الخبير الدولي والمستشار المستقل في إدارة المالية العامة، في حديثه لموقع “تلفزيون سوريا” أن الاقتصادات الخارجة من الصراعات تحتاج إلى قراءة العجز من خلال نوعية الالتزام الذي يولده الإنفاق، لأن زيادة الأجور أو الدعم تخلق التزامات تتكرر في السنوات اللاحقة وتحتاج إلى مصادر إيراد مستقرة. ويشير إلى أهمية إدخال هذه الالتزامات ضمن إطار مالي متوسط الأجل يسمح بتقدير أثر القرارات الحالية في موازنات السنوات المقبلة.
ويضيف ألن أن جودة إدارة المالية العامة تعتمد على ربط الإنفاق بأهداف محددة ومراجعة نتائجه بصورة دورية، مع إظهار الضمانات والديون والالتزامات خارج الموازنة ضمن التقارير المالية. ويساعد هذا النوع من الإفصاح في تكوين صورة أدق عن الوضع المالي ويمنع تراكم التزامات يصعب رصدها عبر رقم العجز السنوي وحده.
الأسعار تضيف ضغطا جديدا
ازدادت حساسية الملف خلال الشهر الجاري بعد رفع أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر الديزل بنحو 40 في المئة وتوسعت الزيادات لتشمل البنزين والغاز، وأرجعت وزارة الطاقة القرار إلى ارتفاع تكاليف الشراء الخارجي والاعتماد على الواردات وتعطل مصفاة بانياس. وأدت الزيادات إلى احتجاجات في عدة مناطق يوم الإثنين الفائت 14 من أيلول/سبتمبر، في مؤشر على أثر قرارات تقليص الكلفة المالية في مستوى المعيشة وقدرة الأسر على تحمل أسعار الطاقة والنقل.
وتفسر نظرية “القيود الموازنية” هذا النوع من القرارات عبر محدودية قدرة الخزينة على تمويل أسعار تقل عن كلفة الاستيراد، في حين يرتبط أثرها الاجتماعي بطريقة توزيع العبء وتعويض الفئات الأكثر هشاشة. ولهذا تكتسب شبكة الحماية الاجتماعية أهمية مالية مباشرة، لأن إصلاح الأسعار يغيّر بنية الإنفاق الأسري ويرفع كلفة قطاعات أخرى عبر النقل والإنتاج.
استدامة الإيرادات
ويعتبر محمد رمضان، الاقتصادي والمستشار المالي، خلال تصريحات خاصة لموقع “تلفزيون سوريا” أن قراءة ارتفاع الإيرادات تحتاج إلى تفكيك مصادرها ومعرفة وزن الموارد المتكررة فيها، لأن الاستقرار المالي يرتبط بقدرة النظام الضريبي والجمارك والقطاعات الإنتاجية على توفير تدفقات مستمرة.
ويشير إلى أن الإيرادات الاستثنائية تمنح الخزينة مرونة مؤقتة، في حين تحتاج الالتزامات المرتبطة بالرواتب والخدمات إلى قاعدة أوسع وأكثر انتظامًا. كذلك يلفت رمضان إلى أن زيادة الإنفاق يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي عندما تذهب إلى البنية الأساسية والخدمات التي ترفع الإنتاجية، وتكتسب الموازنة قيمة أكبر عندما توضح حصة الإنفاق الاستثماري ومردوده الاقتصادي ومصادر تمويله.
كما يرى أن الاستثمارات الخارجية تستطيع تخفيف الضغط على الموارد العامة من خلال توسيع النشاط والإيرادات اللاحقة، مع ضرورة الفصل المحاسبي الواضح بين الاستثمار الذي يولد موردًا جديدًا والتمويل الذي يرتب التزامًا على الخزينة.
ويأتي ذلك مع تكثيف الاتصالات الاستثمارية الخارجية، وآخرها اجتماعات الرابع عشر من أيلول مع وفد اقتصادي أميركي ضمت وزارة المالية والمصرف المركزي وهيئة الاستثمار، في وقت يستمر فيه البحث عن تمويل طويل الأجل لمشروعات التعافي.
في المحصلة، ستحدد موازنة 2027 الاتجاه الأوضح للسياسة المالية السورية، خصوصًا في طريقة تقدير الإيرادات وترتيب الإنفاق الجاري والاستثماري وإظهار مصادر التمويل. ويضع عجز النصف الأول المسألة في مستوى مؤسسي أوسع يتعلق بقدرة المالية العامة على بناء موارد منتظمة تواكب الالتزامات المتزايدة وتمنح التعافي قاعدة مالية قابلة للاستمرار.
المصدر: تلفزيون سوريا






