
لم تكن الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات في سوريا مجرد تعديل جديد في نشرة الأسعار، إذ إن ذلك، بالنسبة إلى أسرة فلسطينية تعيش أصلًا بدخل محدود، قد يعني أن الزيادة ستكون بمنزلة إعادة توزيع ما تبقى من ميزانيتها بين الطعام والدواء والإيجار والمواصلات، وقريبًا التدفئة عندما يدخل فصل الشتاء.
فالمشكلة بالنسبة إلى كثير من الأسر لم تعد ارتفاع سعر مادة بعينها، وإنما سؤالًا أكثر قسوة: أي الاحتياجات الأساسية يمكن تأجيلها عندما لا يكفي الدخل لتغطيتها جميعًا؟
هل تُعطى الأولوية للطعام؟ أم للإيجار؟ أم للدواء؟ أم للمواصلات الضرورية للوصول إلى العمل أو المدرسة والجامعة؟ وماذا سيحدث مع اقتراب الشتاء ودخول التدفئة مجددًا في حسابات ميزانية الأسرة؟
لقد دخلت في سورية، في 13 أيلول/سبتمبر 2026، نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية، ارتفع بموجبها سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية وفق العملة الجديدة، أي بزيادة تبلغ 40%، في حين ارتفع سعر بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، كما ارتفع سعر الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة.
وقالت وزارة الطاقة السورية إن تعديل الأسعار مؤقت، وربطته بارتفاع تكاليف المشتقات النفطية عالميًا وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بالتزامن مع أعمال الصيانة الشاملة في مصفاة بانياس.
لكن انعكاسات هذه الزيادات لا تتوقف عند الأسر التي تشتري الوقود بصورة مباشرة، فالمحروقات تدخل في تكاليف النقل والإنتاج وتوزيع السلع وتشغيل العديد من الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل ارتفاعها مرشحًا بقوة للانتقال، وبصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أسعار سلع وخدمات أخرى.
بالنسبة إلى العامل الذي يتنقل يوميًا، قد تظهر الزيادة في أجرة المواصلات، وبالنسبة إلى الأسرة قد تظهر في كلفة وصول المواد الغذائية والسلع إليها، في حين يضيف اقتراب فصل الشتاء عبئًا آخر يتعلق بالتدفئة، وهكذا يصبح الوقود عاملًا مضاعفًا للأزمة، لا بندًا منفصلًا عنها.
تشير تقارير الأونروا إلى أن عدم القدرة على تحمّل تكاليف الإيجار في أثناء النزوح كان من الدوافع الرئيسية لعودة بعض اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية..
تأتي هذه التطورات في وقت تكشف فيه بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عن مستوى بالغ الخطورة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
وبحسب ورقة حقائق للأونروا لعام 2026، تخدم الوكالة نحو 418 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا، فيما يعيش أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر، ولا يزال نحو 30% في حالة نزوح مطوّل.
أما المؤشر الأكثر إثارة للقلق فهو الأمن الغذائي، فقد ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا من 56% عام 2023 إلى 63% عام 2024، ثم إلى 92% عام 2025، أي أكثر من 384 ألف شخص وفق تقديرات الوكالة.
وهذا التطور لا يعكس مجرد ارتفاع في أسعار الطعام، وإنما يكشف اتساع الفجوة بين ما تحتاجه الأسرة وما تستطيع بالفعل دفع ثمنه، فعندما يصبح الغذاء نفسه غير مضمون لدى الغالبية، فإن أي زيادة جديدة في تكاليف النقل أو الطاقة أو السكن أو العلاج تعني ضغطًا إضافيًا على ميزانية لا تحتمل أصلًا مزيدًا من النفقات.
ميزانية الأولويات القسرية
بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود، لا تُدار الميزانية وفق الاحتياجات بقدر ما تُدار وفق الأولويات القسرية، فالإيجار لا يمكن تجاهله بالنسبة إلى الأسر النازحة أو التي لا تملك مسكنًا صالحًا للسكن، وفي المقابل لا يمكن الاستغناء عن الغذاء.
وتشير تقارير الأونروا إلى أن عدم القدرة على تحمّل تكاليف الإيجار أثناء النزوح كان من الدوافع الرئيسية لعودة بعض اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية، حتى في حالات بقيت فيها المنازل متضررة والبنية التحتية والخدمات الأساسية محدودة.
وتظهر هذه المعضلة بصورة خاصة في مناطق شهدت دمارًا واسعًا، مثل مخيمات اليرموك ودرعا وحندرات، حيث لا تقتصر قضية العودة على فتح الطرق أو السماح للسكان بالرجوع، وإنما ترتبط بقدرتهم على ترميم مساكنهم والوصول إلى المياه والكهرباء والخدمات وتأمين مصدر للدخل.
وبذلك يجد بعض الفلسطينيين أنفسهم أمام خيارين كلاهما مكلف: دفع إيجار مرتفع خارج مناطقهم الأصلية، أو العودة إلى مساكن ومناطق تحتاج بدورها إلى نفقات كبيرة حتى تصبح قابلة للحياة.
وإلى جانب الغذاء والسكن، يأتي العلاج والأدوية كأحد أكثر بنود الإنفاق حساسية، وتشير هنا بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 12.8 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدات صحية، في ظل نظام صحي ما يزال تحت ضغط شديد، وارتفاع تكاليف الرعاية التي يتحملها الأفراد، ونقص الكوادر واستمرار الاحتياجات الصحية الواسعة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى الأسر التي تضم مرضى بأمراض مزمنة أو كبارًا في السن، حيث يتحول شراء الدواء من نفقة طارئة إلى التزام شهري ثابت، وهنا تصبح خيارات الأسرة أكثر صعوبة. فالدواء لا يمكن دائمًا استبداله ببديل أرخص، وتأجيل العلاج قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية، وما يرافق ذلك من تكاليف أكبر لاحقًا.
وهكذا تدخل الأسرة في مفاضلة لم يكن ينبغي أن تكون مطروحة أصلًا: هل يُشترى الغذاء كاملًا هذا الشهر، أم الدواء؟
قد تبدو المواصلات أقل أهمية عند مقارنتها بالغذاء أو الدواء، لكنها بالنسبة إلى آلاف الأسر مرتبطة مباشرة بمصدر الدخل، فالعامل يحتاج إلى الوصول إلى مكان عمله، والطالب إلى مدرسته أو جامعته، والمريض إلى المركز الصحي أو المستشفى.
وعندما ترتفع كلفة التنقل بينما يبقى الدخل محدودًا، قد يصل الأمر إلى مفارقة يصبح فيها الوصول إلى العمل نفسه مكلفًا بالنسبة إلى العامل، خصوصًا لمن يحتاج إلى أكثر من وسيلة نقل يوميًا، ولذلك فإن أثر زيادة أسعار الوقود لا يُقاس فقط بالمبلغ الإضافي الذي تدفعه الأسرة مقابل المواصلات، بل أيضًا بنسبة ما تستهلكه هذه المواصلات من دخلها المحدود.
والشتاء لم يبدأ بعد
تأتي زيادة سعر المازوت وقارورة الغاز قبل دخول فصل الشتاء، ما يفتح مبكرًا ملف التدفئة في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، وبالنسبة إلى الأسر الأكثر هشاشة، لا يعني ارتفاع سعر مادة التدفئة زيادة في فاتورة الطاقة فحسب، وإنما قد يعني تقليل ساعات التدفئة، أو حصرها في غرفة واحدة، أو البحث عن بدائل أقل كلفة.
ويصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي تضم أطفالًا أو مسنين أو مرضى، أو التي تعيش في مساكن متضررة أو غير معزولة بصورة مناسبة، ومن هنا، فإن أثر الأسعار الجديدة قد لا يظهر بكامل ثقله الآن، وإنما خلال الأشهر المقبلة مع انخفاض درجات الحرارة وارتفاع الحاجة إلى وسائل التدفئة.
وخلف الغذاء والوقود والإيجار والمواصلات والعلاج والتدفئة، يبقى سؤال ربما يكون الأكثر أهمية:
كم يبلغ دخل الأسرة أصلًا؟
فارتفاع الأسعار يصبح أكثر خطورة عندما لا ترافقه زيادة حقيقية في قدرة الأسر على الكسب، ولهذا لا يمكن اختزال الأزمة المعيشية لفلسطينيي سوريا في أسعار المواد وحدها، إذ إن هناك ثمة عوامل أخرى متمثلة بفرص العمل، واستقرار الدخل، والقدرة على إطلاق المشاريع الصغيرة، واستعادة النشاط الاقتصادي داخل المخيمات والتجمعات، ونسب الفقر والبطالة؛ كلها عوامل تحدد في النهاية قدرة الأسر على الصمود.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة الفقر ومعالجة أسبابه، فالمساعدة الغذائية أو النقدية تستطيع سد جزء من احتياجات الأسرة لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع وحدها توفير استقرار اقتصادي طويل الأجل إذا بقي رب الأسرة بلا عمل، أو كان دخله أقل بكثير من نفقاته الأساسية، وفي هذا السياق، هذا ما كانت مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية «مرصد» قد أشارت له في تعقيب رقابي نشرته في تموز/يوليو 2025، أفاد بأن المساعدات النقدية المقدمة للاجئين الفلسطينيين في سوريا توقفت منذ أكثر من عام، ووصفت المساعدات العينية بأنها محدودة جدًا، في وقت لا تكفي فيه دخول كثير من الأسر لتغطية احتياجات أساسية، من بينها الدواء والنقل، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة المساعدات، من حيث انتظامها وحجمها ونطاق المستفيدين منها، على سد الفجوة المتزايدة بين دخل الأسرة ونفقاتها الأساسية.
الأرقام الاقتصادية ضرورية لفهم حجم الأزمة، لكنها لا تخبر وحدها كيف تتخذ الأسرة قراراتها اليومية، ولا تجيب على كل الأسئلة..
الأرقام لا تخبرنا كل شيء
تقدم شهادات ميدانية حديثة مؤشرًا على حجم الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. ففي مخيم النيرب بحلب، قدّر لاجئ فلسطيني في حديث إلى موقع «بوابة اللاجئين الفلسطينيين» في تموز/يوليو 2026 أن الأسرة المكونة من أربعة أو خمسة أفراد تحتاج إلى دخل لا يقل عن 500 دولار شهريًا لتأمين مستوى معيشي متوسط بعيد عن الرفاهية، مشيرًا إلى أن راتبًا يبلغ مليوني ليرة سورية لا يغطي، وفق تقديره، حتى نصف احتياجات الأسرة.
وبالطبع، الأرقام الاقتصادية ضرورية لفهم حجم الأزمة، لكنها لا تخبر وحدها كيف تتخذ الأسرة قراراتها اليومية، ولا تجيب على كل الأسئلة: كم أسرة خفّضت عدد وجباتها؟ وكم مريضًا يؤجل شراء دوائه؟ وكم النسبة المئوية من دخل العامل تستهلكه المواصلات؟ وكيف تستعد الأسر للشتاء بعد الزيادة الجديدة في أسعار الوقود والمحروقات؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى الاستماع مباشرة إلى السكان، ليس لجمع أرقام إضافية فحسب، بل لتحويل تجربتهم اليومية إلى معطيات يمكن من خلالها تحديد الأولويات، ومساءلة الجهات المعنية، والدفع باتجاه استجابات تستند إلى الاحتياجات الفعلية للسكان.
وفي واقع يعيش فيه أكثر من 90% من فلسطينيي سوريا تحت خط الفقر، ويعاني 92% منهم انعدام الأمن الغذائي، قد لا يكون السؤال الحقيقي: أي الاحتياجات أثقل على الأسرة؟
بل: كيف يمكن للأسرة أن تؤمّنها جميعًا عندما لم يعد دخلها يكفي أيًّا منها؟
المصدر: تلفزيون سوريا






