العقوبات البريطانية: أبعد من مجرد الرمزية؟

شادي لويس

بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تعود لندن لتفرض سلسلة من العقوبات على المستوطنات الإسرائيلية. تتجاوز القرارات البريطانية مجرد حظر سلع المستوطنات وخدماتها، فالقرار شمل حظر أي استثمارات أو خدمات بناء أو تمويل هناك. والأهم، وصف وزير الخارجية إيد ميليباند ما يحدث في الضفة الغربية بـ”التطهير العرقي”. وأضاف إلى ذلك، أنه بالرغم من إقرار الحكومات البريطانية المتتابعة بعدم قانونية المستوطنات، إلا أنها لم تسبغ صفة اللاقانونية على الاحتلال نفسه. تتخذ الحكومة البريطانية خطوات غير مسبوقة، وتعتبر الاحتلال خارج إطار القانون الدولي. وبعد رفض الحكومة السابقة لـ30 رخصة لتصدير أسلحة بموجب حظر على السلاح الممكن استخدامه في الحرب في غزة، تضيف لندن طبقة أخرى من المحظورات، بحيث تمنع تصدير الأسلحة الممكن استخدامها لدعم الاحتلال القائم في الأراضي الفلسطينية.

في إعلانه عن العقوبات، أشار ميليباند إلى أصولة اليهودية، وإلى دعمه الراسخ لدولة إسرائيل، وكذلك إلى العلاقات القوية بين البلدين. يفرق الوزير البريطاني في كلمته بين المجتمع الإسرائيلي وبين الحكومة الحالية، ملقياً باللوم على الأخيرة. وفي ذلك، يؤطر جريمة الاستيطان وكأنها أزمة طارئة ولا تتعلق ببنية الدولة الإسرائيلية القائمة على ثنائية التطهير العرقي والاستيطان الاستعماري. ويتجاهل عقوداً من التوسع الاستيطاني، الذي تواصل مع تغير الحكومات الإسرائيلية يميناً ويساراً، وإن تفاوتت وتيرته. ضمناً، يناقض ميليباند نفسه، حين يقول إن حجم الاستيطان في الأربعة أعوام الماضية تجاوز حجمه في العقدين السابقين. وذلك بمثابة الاعتراف بأن الاستيطان ليس مسألة تتعلق بحكومة إسرائيلية بعينها، بل عقيدة مؤسسة للدولة نفسها وسياسة تتجاوز الخلافات الحزبية.

علاوة على ذلك، تظل العقوبات البريطانية ذات طبيعية رمزية. يصعب التمييز بين منتجات المستوطنات وبقية المنتجات الإسرائيلية من دون الاعتماد على شفافية إسرائيلية. ولذا، سيواجه تطبيق القرار تعقيدات عملية، يجعل منه قراراً صورياً أو قابل للتطبيق بشكل جزئي فقط. التقديرات تضع الواردات البريطانية من مستوطنات في الضفة في حدود 51 مليون دولار، وهو رقم شديد التواضع مقارنة بحجم الاقتصاد الإسرائيلي بناتج إجمالي هو 720 مليار دولار سنوياً، وكذلك مقارنة بحجم التبادل التجاري بين البلدين، بقيمة حوالى ستة مليارات دولار. أما فيما يخص حظر تصدير السلاح المتعلق بالمساهمة في الاحتلال، فهو لا يتجاوز بدوره الخطوة الرمزية، حيث تمثل الواردات البريطانية حوالى 1% فقط من واردات السلاح الإسرائيلية، وحين يتعلق الأمر بالجانب الأكثر أهمية من الصادرات البريطانية العسكرية والمتعلق بطائرات F35، فكانت الحكومة البريطانية السابقة قد أصدرت استثناء للبرنامج عالي التقنية من الحظر المفروض على إسرائيل، وهو الاستثناء المتوقع استمراره.

تتعلق حزمة العقوبات البريطانية بحسابات السياسة الداخلية لحزب العمال الحاكم، حيث يحاول رئيس الوزراء الجديد، أندي بورنهام إعادة توحيد كتلة اليسار التصويتية، وتعويض نزيف الأصوات التي فقدها سلفه كير ستارمر لصالح الخضر والمستقلين، بسبب مواقف الحزب من الحرب في غزة. وتأتي تلك العقوبات المحدودة كنوع من التحايل على المطالبات المتصاعدة بالمقاطعة الشاملة لإسرائيل.

لكن لا يجب أن يدفعنا ذلك لاعتبار الخطوات البريطانية مجرد مناورة رمزية بحسابات داخلية صرفة. تشير حدة ردود الفعل الأميركية والإسرائيلية على الدلالات الجدية لتلك الخطوات. الجانب الأهم من قرار الحكومة البريطانية هو صدوره في سياق تنسيق يشمل 12 دولة أعلنت حظراً على منتجات المستوطنات. ذلك القرار الجماعي يعزز العزلة الإسرائيلية على الساحة الدولية، ويرسخ صورتها كدولة مارقة يرتبط اسمها في نشرت الأخبار بالعقوبات. علاوة على ذلك، تعد حزمة العقوبات المنسقة خروجاً على خط السياسية الأميركية الخارجية من جانب حلفاء واشنطن الأوثق. وهي ظاهرة أصبحت متكررة مؤخراً في ظل السلوكيات المتخبطة والعدوانية لإدارة ترامب.

ما زال الدور الممكن أن تلعبه “القوى المتوسطة” محدوداً، لكنه تغيرٌ لاتجاه الريح في الاتجاه الصحيح. أما ارتباط القرارات البريطانية بالحسابات الداخلية، فلا يجب أن يبخس من قيمتها، بل على العكس، يشير إلى أن مقاومة الساسة الغربيين لرغبات الناخبين قد تنجح لبعض الوقت لكن لا يمكنها الاستمرار إلى الأبد.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى