تقرير عن انتهاكات إسرائيل… كأنّه وحده المحاسبة

   دلال البزري

   

هي المرّة الرابعة التي يعرض فيها طارق متري تقريره، بصفته نائب رئيس الوزراء اللبناني، يرى من الأهمية إعادة الكلام عنه في المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات، فرع بيروت. النشاط نفسه، أي العرض، نظّمت من أجله مواعيد مع الدبلوماسيين، مع البرلمان اللبناني، مع الأمم المتحدة… ليحطّ رحاله أخيراً في المركز المعرفي المرموق.

والتقرير خطير. يوثق الجرائم الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، من قتل ودمار، يذكر وعود قادة إسرائيل بـ”تحويل لبنان إلى غزة أخرى”. يؤكد ضرورة الحفاظ على الذاكرة الوطنية، وعدم تكرار أخطاء الحرب الأهلية التي أُهمِلت وقائعها. يبرز دور “اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني” التي أعدّت التقرير. يطلق نداء لـ”المجتمع المدني”، ليسلم أبحاثه عن الموضوع إلى الحكومة، فيثري بذلك الملف الرسمي. يدعو إلى توحيد جهود التوثيق، موضحاً أن العمل جارٍ على إنشاء مركز مخصَّص لهذه المهمة، إذ إن الغرض النهائي لهذا التوثيق “ملاحقة إسرائيل قضائياً”. ولكنه يختم بأن من المستحيل الآن ملاحقة إسرائيل، محيلاً هذه المهمّة على المهاجرين اللبنانيين في أوروبا، ليلجؤوا إلى محاكم بعض دولها من أجل ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قضائياً.

لم يخرج طارق متري عن خط رئيس الجمهورية ولا خط رئيس الوزراء. الأول، جوزاف عون، يدين إسرائيل مراراً، اعتداءاتها “المنهجية” في الجنوب، وتدميرها بناه التحتية، واحتلالها له، والمنطقة العازلة… إلخ. بينما الثاني، نواف سلام، لا ينفك أيضاً عن إدانة إسرائيل. وعن الدعوة إلى “وضع نهاية لجولات التصعيد”. وأنه يجب متابعة توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية، وحملها إلى الأمم المتحدة… إلخ.

 تعرقل إسرائيل المفاوضات بتدميرها الجنوب اللبناني، والوسيط الأميركي فرض اتفاق إطار “يحترمه” المفاوض اللبناني في الشق المتعلق به، ولا يحترمه الإسرائيلي في ما يخصّه

خلاصة القول إن طارق متري غير “منشقّ” عن الحكومة أو “متمرِِّد” عليها، كما ألفنا مع حكومات سابقة. وهو، في هذا التقرير، يلقي الضوء على الخط الرسمي للحكومة القائم على تناقض صارخ لا يمكن تجاهله. وقوامه أن هذا “الخط” يثابر على إدانة إسرائيل بلهجة شديدة، شبه روتينية، يوثق انتهاكاتها، ينشر ما وثّقه ممثلوها على الملأ، في الخارج والداخل، يقيم من أجل هذا التوثيق المراكز والمبنى… ولكنه لردع كل هذه الجرائم التي يدينها وينشرها، لا يملك سوى “المفاوضات” و”الضغط الدبلوماسي”، أي القوة غير العسكرية بوجه قوة عسكرية، ولا حتى قانونية. أي إننا أمام حالة نموذجية من التناقض بين القول والفعل، بين الإدانة اللفظية الشديدة والتروّي (وضبط النفس).

وطارق متري ليس مسؤولاً وحده عن هذا التناقض. من بين أسبابه أن لبنان ليس عضواً في محكمة الجنايات الدولية، ولا بالطبع إسرائيل التي تشن حملات متقطعة ضدها. وهو لا يتابع هذه النقطة لأن أسباباً أخرى تقف في وجه المحاسبة الجدية لإسرائيل. والسبب الأعمق والأوضح لهذا التناقض يكمن في الخيار السياسي الذي أوصل قادة لبنان الحاليين إلى السلطة. خيار المفاوضات بوسيط أميركي. الأولوية لمفاوضات طموحة ترنو إلى انسحاب الإسرائيليين من الجنوب، وتسلّم الجيش الأراضي التي ينسحبون منها، بنزع سلاح المليشيات، وإعادة الإعمار والبحث عن ترتيبات مستدامة.

ولكن، كما هو بائن ومعروف، إسرائيل تعرقل هذه المفاوضات بتدميرها الجنوب، والوسيط الأميركي فرض اتفاق إطار “يحترمه” المفاوض اللبناني في الشق المتعلق به، ولا يحترمه الإسرائيلي في ما يخصّه، فهو اتفاق هدنة لا تمتثل له إسرائيل، إذ تواصل عملياتها. لكن لبنان يتقيَّد بالمادة 13 منه: “يلتزم لبنان وإسرائيل باتخاذ تدابير بحسن نية تُظهر نيّات إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”. أي عليه الامتناع عن أي إجراء قضائي ضد إسرائيل.

لا يفوّت حزب الله فرصة إعلامية إلا ويشن حملة من أجل سلاحه

والأميركيون لا يطيقون ذكر محكمة العدل الدولية. في الأساس، لم يوقعوا على معاهدة روما التي يُنضم بموجبها إلى المحكمة. وهم الآن يشنّون حملة عليها. آخر فصولها لوزير الخارجية ماركو روبيو الذي أعلن “حملة صليبية ضدها”، وأنه يريد “تفكيكها لبنة لبنة…”. وعمل واشنطن جار على معاقبة قضاتها والضغط على الدول الأعضاء فيها والبحث عن تشكيل ائتلاف معادٍ لها. وغرضها من ذلك كله إلغاء مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت وإغلاق التحقيقات بالجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية. فهل يعقل ان نطلب من “الوسيط” الأميركي تسهيل مهمّة التحقيقات القضائية في لبنان؟ يعني لبنان أعز على قلبه من فلسطين؟

يطمئن رئيس الوزراء اللبناني الجميع بأن تعليق المحاكمة القضائية مؤقّتٌ ريثما… من دون أن يحدّد الـ”ريثما” هذه. والأرجح أنه بترويجه هذه الفكرة، يعبّر عن شوقه إلى عمله السابق في المحكمة الدولية. فقبل سنة من تكليفه رئاسة الوزراء، وكان آنذاك رئيساً لهذه المحكمة، أصدر رأياً قانونياً استشارياً بخصوص انتهاكات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يرفض فيه الفصل بين التفاوض وتطبيق العدالة، ويقول حرفياً: “أنا مقتنع بأن مساراً تفاوضياً يخلو من الاعتبارات القانونية والإنصاف سيحمل في طياته بذور نزاعات مستقبلية”، وبأنه مقتنع بأن أي مفاوضات “لا يمكن أن تنجح إذا كان القانون الدولي والعدالة حجر الزاوية فيها”. ثم انقلبت الآية عنده، بعدما كلف برئاسة الوزراء. فالأراضي الفلسطينية شيء ولبنان شيء آخر. كما أن رئاسة المحكمة شيء ورئاسة مجلس الوزراء شيء آخر. فصار يرافع ضد المحاكمة، ويقول من بين ما يقول: “مسار التفاوض الذي اخترناه هو الطريق الأسرع والأقل كلفة على لبنان واللبنانيين”. أو: “لم يكن التفاوض الخيار الوحيد المُتاح، ولكنه كان الخيار الأفضل (…) أو أن نذهب إلى المحاكم الدولية التي تستغرق سنوات، فيما نخسر في أثنائها المزيد”.

نحن أمام منظومة واحدة تجمع مختلفين في السياسة، ومشتركين في قيم ومعايير أخلاقية واحدة… قوامها الفصل بين القول والفعل

وحزب الله ليس منسجماً مع نفسه أكثر من رئيس الوزراء، فهو لا يفوّت فرصة إعلامية إلا ويشن حملة من أجل سلاحه. مسؤولوه، نوابه، أمينه العام، لا يملّون من “حماية السلاح” ومن تجييش بيئته بتعبيرات مختلفة، أي محاولة للنيْل من هذا السلاح هي عنده نيل لقدس الأقداس… إلى آخر المعزوفة… ولكنه أمام تقرير طارق متري، ينخفض وجوده وصوته. يرسل نائبيْن فقط إلى البرلمان حيث تكلم متري عن تقريره. لا يقاطعه، بل يزايد عليه بتسجيل خروقات إسرائيل. ولكنه لا يشنّ حملة من أجل متابعته في محكمة العدل الدولية. ولا يسحب وزراءه من الحكومة، ولا ينذرها، احتجاجاً على نكوصها وتقاعسها القضائي. خلاصة القول إن حزب الله يعبّئ ويحرض دفاعاً عن سلاحه، ويضعف صوته ويخفت عندما يتعلق الأمر بملاحقة إسرائيل قضائياً.

لماذا؟… الجواب عند طارق متري نفسه. إذ يجيب عن السؤال نفسه لصحيفة فرنسية (لوموند)، أن حزب الله “متوجِّس من المحكمة الدولية لأنه يخشى أن تطاوله هو أيضاً الاتهامات”. هذا لا يعني أنه يرفض توثيق الجرائم الإسرائيلية. إنما يريدها مثل الحكومة اللبنانية، وبالتناقض نفسه: أي توثيق لهذه الجرائم، من دون آليات قضائية دولية صلاحياتها التدقيق في ممارسات حزب الله أيضاً.

مرّة أخرى: نحن أمام منظومة واحدة تجمع مختلفين في السياسة، ومشتركين في قيم ومعايير أخلاقية واحدة. قوامها الفصل بين القول والفعل، وأصلها تناقض بين الرغبة في لعب دور وعدم امتلاك مؤهلاته.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى