سبتة ومليلية… كلفة الاحتلال وشروط التحرير

     علي أنوزلا     

ربما كانت أكثر الأفكار إثارة التي خرجت من أزمة سبتة، التي اشتدت أخيراً، تلك التي عبّر عنها خبير اقتصادي إسباني في صحيفة لاراثون، عندما تحدث عن حتمية عودة سبتة ومليلية إلى المغرب في المستقبل، داعياً الإسبان إلى الاستعداد لهذه الحتمية. قد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، أقرب إلى نبوءة سياسية منه إلى تحليل واقعي، خصوصاً أن الموقف الرسمي الإسباني لا يزال حاسماً في التشبث بالمدينتين، كما أن أغلب مكونات المجتمع السياسي الإسباني لا ترى في التخلي عنهما خياراً مطروحاً في الأفق. غير أن أهمية التصريح لا تكمن بالضرورة في احتمال تحققه، وإنما في السؤال الذي يفتحه بشأن مستقبل الوجود الإسباني في شمال أفريقيا، ليس فقط من زاوية السيادة والتاريخ، وإنما أيضاً من زاوية الكلفة والجدوى والمصالح الاستراتيجية. فأزمة سبتة التي انفجرت في نهاية يوليو/ تموز الماضي بدأت بصورة مختلفة تماماً. كان المشهد في بدايته أقرب إلى أزمة هجرة وانفجار اجتماعي، بعدما حاول آلاف المغاربة الهروب جماعياً إلى المدينة، قبل أن تتحول الواقعة سريعاً إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية ودبلوماسية بين الرباط ومدريد. ثم اتسع النقاش ليشمل علاقة المدينتين بالاتحاد الأوروبي، وطبيعة الحدود الخارجية لإسبانيا، وموقع المغرب في المعادلة الأمنية للمتوسّط، وصولاً إلى سؤال الكلفة التي تتحملها إسبانيا للحفاظ على وجودها في مدينتين تقعان جغرافياً في شمال أفريقيا وتحاطان بالمجال المغربي.

هذه الكلفة نفسها التي تحدث عنها تقرير لصحيفة إل باييس الإسبانية، تحت عنوان “الفاتورة الاقتصادية” لأزمة سبتة لم يختزلها في الجانب المالي فقط، وإنما في الجوانب الأخرى الأكثر تعقيداً، لأن سبتة ليست مدينة عادية، بما أنها جيب تحتله إسبانيا في شمال أفريقيا، وهي تمثل إلى جانب مليلية الحدود البرّية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارّة السمراء، وكلتا المدينتين تحتاجان إلى ترتيبات مالية وأمنية وعسكرية واقتصادية خاصة لضمان استمرار الحياة فيها، فالكلفة الأهم ليست مالية أو اقتصادية أصلاً، بل جيوسياسية، لأن وجود مدينتين تحت الإدارة الإسبانية داخل المجال الجغرافي المغربي يجعل العلاقات بين البلدين مرتبطة بملف قابل للانفجار، ويجعل الحدود مع المغرب جزءاً من الأمن الداخلي الإسباني والأوروبي في الوقت نفسه. وكل أزمة هجرة أو توتر دبلوماسي أو خلاف حول الحدود والتجارة والأمن يعيد التذكير بأن سبتة ومليلية ليستا مجرّد ملف تاريخي، وإنما واقع جغرافي وسياسي شديد الخصوصية.

ومع هذا، من الخطأ تحويل هذا النقاش إلى استنتاج مفاده أن إسبانيا تستعد للتنازل عن المدينتين، فالموقف الرسمي لا يزال متمسكاً بالسيادة، والرأي العام الإسباني لا يظهر وجود تيار واسع يؤيد انتقالها إلى المغرب، فيما دفعت أزمة الهجرة أخيراً قطاعات سياسية إسبانية إلى مزيد من التشدّد في حماية المدينتين وتعزيز الحدود. لذلك لا يعني الحديث عن الكلفة داخل إسبانيا بالضرورة الحديث عن التخلي، وإنما عن سؤال استدامة وضع جغرافي وسياسي شديد التعقيد. وهذا تطور مهم لأنه ينقل النقاش من سؤال “هل سبتة ومليلية إسبانيتان؟” إلى سؤال آخر أكثر براغماتية: ما تكلفة استمرار احتلالهما على الدولة الإسبانية، في ظل اقتصاد محلي هش، وأمن حدودي مكلف، وضغط هجرة، وتوتر دائم مع المغرب؟

المغرب الذي يطالب باستعادة مدنه المحتلة، مواطنوه أنفسهم يحاولون الهروب إليها

وفي المقابل، تكشف الأزمة نفسها عن مفارقة مغربية أكثر عمقاً. ففي وقتٍ يمكن فيه داخل إسبانيا أن يتحول النقاش حول المدينتين إلى حساب للكلفة والاستدامة والأمن والمصالح، لا يزال النقاش داخل المغرب حولهما محكوماً بدرجة كبيرة بمنطق التاريخ والذاكرة الوطنية؛ تستعاد مغربيتهما في الخطاب السياسي، وتستحضر جذورهما التاريخية، بينما تظل الدولة في تعاملها العملي مع الأزمات المرتبطة بهما أقرب إلى المقاربة الأمنية والصمت الرسمي منها إلى طرح تصوّر استراتيجي متكامل لما تعنيه فعلاً إرادة استرجاعهما.

وهنا المفارقة الحقيقية بين كلفة الاحتلال وشروط التحرير، فإسبانيا تدفع كلفة باهظة للحفاظ على احتلالها، لكن المغرب، إذا كانت لديه فعلاً إرادة استعادة أراضيه، لا يستطيع أن يكتفي بانتظار ارتفاع الكلفة الإسبانية وتغير الموقف السياسي في مدريد. عليه أن يبني شروط الاستعادة نفسها، من اقتصاد وإدارة ومؤسسات وحقوق، والأهم الإجابة عن السؤال المتعلق بما سيجعل سكان المدينتين المحتلتين يرون في الانضمام إلى المغرب مستقبلاً أفضل من استمرار ارتباطهم بإسبانيا وأوروبا.

هنا تفرض أزمة يوليو نفسها باعتبارها أكثر من مجرد حادث هجرة جماعية، لأن مشهد آلاف المغاربة وهم يحاولون الهروب من بلدهم يقدم مفارقة سياسية صعبة التجاهل، مفادها أن المغرب الذي يطالب باستعادة مدنه المحتلة، مواطنوه أنفسهم يحاولون الهروب إليها، بحثاً عن واقع يرونه أفضل داخلها حتى وهي تحت الاحتلال! وليس من الضروري اختزال هذه الهجرة في الفقر والبطالة، فهناك عوامل أمنية ونفسية وسياسية وحقوقية، الأمر الذي يجعل من الصعب تجاهل أن جزءاً من جاذبية سبتة يرتبط بما تمثله من أمن وحرية وعدالة وفرص وحياة داخل فضاء لا يوفره لهم بلدهم الأصلي.

مشهد آلاف المغاربة وهم يحاولون الهروب من بلدهم يقدم مفارقة سياسية صعبة التجاهل

وهذا يجعل الديمقراطية والحقوق والحريات جزءاً من شروط التحرير، لا مسألة منفصلة عنها، فسبتة تتمتع بحكم ذاتي ومؤسّسات منتخبة، وتنتمي إلى فضاء قانوني واقتصادي أوروبي يوفر لسكانها مستوى من الحريات والحقوق والفرص. وإذا وصل الأمر يوماً إلى طرح مستقبل المدينة على أساس إرادة سكانها، فإن استحضار التاريخ لن يكون كافياً لإقناعهم بالمغرب، لذلك إذا كانت الرباط جادّة في استعادة سبتة ومليلية فهي تحتاج، أولاً إلى أن يصبح البلد أكثر جاذبية لمواطنيه، فيه اقتصاد ينتج فرصاً حقيقية للعمل، ومؤسّسات أكثر فعالية وديمقراطية، وعدالة اجتماعية أكبر، وحرّيات أوسع، وقضاء أكثر استقلالاً، وتعليم قادر على إنتاج الفرص بدل إعادة إنتاج الإقصاء، فالدولة التي يبحث مواطنوها عن أبواب للخروج منها كلما سنحت الفرصة من الصعب عليها إقناع سكّان مدينتين تعيشان داخل فضاءٍ حر بأن مستقبلهم الأفضل يوجد داخلها.

قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن عودة سبتة ومليلية إلى المغرب، وقد يكون الخبير الإسباني الذي دعا إلى الاستعداد لهذه الحتمية مخطئاً، كما قد تبقى المدينتان إسبانيتين عقوداً طويلة، لكن دخول سؤال الكلفة والاستدامة إلى النقاش الإسباني ينبغي أن يدفع المغرب إلى طرح سؤال موازٍ حول شروط الاستعادة، فالتاريخ يمنح شرعية المطالبة، لكنه لا يمنح القدرة على تحقيقها، والتحرير لا يبدأ من الحدود وإنما من الداخل، ببناء دولة يريد مواطنوها البقاء فيها، ويمكن لسكان سبتة ومليلية، إذا أصبح الاختيار مطروحاً يوماً، أن يروا فيها مستقبلاً يطمحون إليه لا مجرد ماضٍ يحنون إليه.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى