
تبدو المسافة بين اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل وقصف إسرائيل في الشهر الفائت (أغسطس/ آب) قاعدة أبو الظهور العسكرية في إدلب بعيدة جغرافيّاً وسياسيّاً، غير أن الحدثين يلتقيان عند تحوّل أكثر عمقاً يتعلق بالطريقة التي يعاد من خلالها تعريف السيادة السورية في النظام الإقليمي الجديد، فبوغوتا منحت في 10 أغسطس اعترافاً دبلوماسيّاً بالسيادة الإسرائيلية على أرض سورية محتلة، لتصبح الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة التي تتبنّى هذا الموقف. بينما أظهرت ضربة أبو الظهور بعد أيام أن التصوّر الإسرائيلي للأمن السوري تجاوز منذ وقت طويل حدود الجولان والمنطقة الجنوبية، وأصبح يمتد إلى طبيعة البنية العسكرية التي تستطيع دمشق تطويرها في شمال البلاد، وهو تطوّر يضع الاتفاقية الأمنية التي جرى التفاوض عليها في الشهور الماضية أمام ملفٍّ يتجاوز مضمون بنوده تعريف الدولة نفسها وحدود سلطتها على أرضها وعلاقاتها الدفاعية.
يقدّم مفهوم التفاوض غير المتكافئ مدخلاً مناسباً لفهم هذه الحالة، لأن الاتفاقات بين أطراف متفاوتة في القوة العسكرية والسياسية تتأثر بالوقائع السابقة على التفاوض وبقدرة كل طرف على فرض مرجعيته للمخاطر والحدود والأمن. وفي الحالة السورية، تدخل إسرائيل المفاوضات وهي تحتل الجولان منذ عام 1967، وتحظى منذ 2019 باعتراف أميركي بسيادتها عليه، وتسيطر منذ سقوط نظام بشار الأسد على مواقع إضافية في الجنوب وجبل الشيخ، وتحتفظ بقدرة عسكرية تسمح لها بضرب أهداف سورية تمتد جغرافيًا حتى إدلب. لذلك يبدأ التفاوض أصلاً من ميزان قوة يمنح أحد طرفيه قدرة أكبر على تعريف ما يعتبره تهديداً وما يعتبره ترتيباً أمنيّاً مشروعاً.
وتزداد المفارقة مع الدور الأميركي، فواشنطن تمثل الراعي الأساسي للمفاوضات السورية الإسرائيلية، وهي الجهة نفسها التي غيرت في عهد دونالد ترامب الموقف الأميركي التقليدي تجاه الجولان واعترفت عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية عليه، ثم أبقت هذا الاعتراف ضمن سياستها الرسمية. وفي 24 أغسطس/ آب الماضي، أنهت الإدارة الأميركية رسميّاً تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب، وأزالت هيئة تحرير الشام من قائمة الكيانات المصنّفة ضمن العقوبات المرتبطة بالإرهاب، وهو مكسب سياسي واقتصادي بالغ الأهمية لدمشق، لكنه جاء من قوة دولية سبق أن حسمت موقفها في إحدى أكثر قضايا السيادة السورية حساسية لصالح إسرائيل. وتسبّب هذه المعادلة ما يمكن وصفه باختلال الوساطة، إذ يحتفظ الوسيط بدور مركزي في إدارة التفاهمات وفض الخلافات وتحديد الضمانات، بينما يحمل موقفاً مسبقاً من قضية تقع في قلب النزاع نفسه، وعندما تصبح شرعية السلطة الانتقالية الخارجية ورفع العقوبات وإعادة الاندماج الدولي مرتبطة بدرجة مرتفعة بالعلاقة مع واشنطن، تتسع قدرة الراعي على التأثير في سقف الخيارات المتاحة أمام دمشق، وينتقل التفاوض تدريجيّاً من البحث في الحقوق السيادية المجردة إلى إدارة ما يمكن استعادته ضمن ميزان القوة القائم. وتساعد تجربة اتفاق فصل القوات السوري الإسرائيلي لعام 1974 على إظهار الفارق بين مرحلتين مختلفتين، فقد جاء الاتفاق بعد حرب أكتوبر (1973) ضمن بيئة دولية حافظت على الوضع القانوني للجولان أرضا سورية محتلة، وحدد مناطق الفصل والانتشار وأوجد قوة أممية للمراقبة، ثم بقيت قضية السيادة خارج نطاق التسوية الأمنية المؤقتة، أما الترتيبات المتداولة اليوم فتجري بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال وبعد اعتراف أميركي بالضم وبعد توسع ميداني إسرائيلي جديد، وهو ما يجعل نقطة البداية نفسها أكثر اختلالاً من تلك التي أنتجت اتفاق 1974.
تحول في تعريف المجال الأمني الإسرائيلي، لأن قاعدة تتبع إداريّاً لمحافظة إدلب أصبحت موضع اعتراض عسكري إسرائيلي
ومن هذه الزاوية، تحمل قاعدة أبو الظهور أهمية تتجاوز الغارات الثماني التي أصابت مدرّجها، ومنشآتها في 18 أغسطس، فإسرائيل برّرت العملية بالقول إن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار عسكري تركي في القاعدة، بما يخالف وضعاً أمنيّاً قالت إنه متفق عليه، بينما أكدت تركيا غياب أي انتشار لقواتها في الموقع. ومع ذلك تكشف الواقعة عن تحول في تعريف المجال الأمني الإسرائيلي، لأن قاعدة تتبع إداريّاً لمحافظة إدلب أصبحت موضع اعتراض عسكري إسرائيلي يستند إلى طبيعة التعاون الذي يمكن أن تقيمه دمشق فوق أراضيها.
وهنا يقترب هذا النموذج من مفهوم السيادة الوظيفية، حيث تستمر الدولة في امتلاك الشخصية القانونية والحدود المعترف بها، بينما تتعرّض وظائف محدّدة من سيادتها لقيود مصدرها موازين القوة وترتيبات الأمن، فيصبح انتشار الجيش ونوعية التسليح ومواقع الرادارات وشكل الشراكات الدفاعية موضوعاتٍ يملك طرفٌ خارجيٌّ قدرة عملية على الاعتراض عليها، ومع تراكم هذه القيود تنتقل الاتفاقية الأمنية من أداة لتنظيم الحدود إلى إطارٍ يمكن أن يؤثر في كيفية مزاولة الدولة وظائفها العسكرية.
كما أن المسألة تكتسب حساسية إضافية بفعل الطبيعة الانتقالية للسلطة القائمة في دمشق، فالمرحلة الانتقالية تستمد وظيفتها السياسية من إدارة التحول وإعادة بناء المؤسّسات وتهيئة قواعد أكثر استقراراً للشرعية، بينما تمسّ الاتفاقات الأمنية الطويلة الأمد ملفات تتصل بالأرض والدفاع والعلاقات الخارجية وموقع الجيش داخل الدولة، وهي موضوعاتٌ يفترض أن تستند إلى قاعدة تمثيلية ومؤسّسية تتناسب مع حجم آثارها المستقبلية، لأن الشرعية الانتقالية تختلف من حيث الوظيفة عن الشرعية الدستورية المستقرّة، وكل التزام يمتد أثره إلى ما بعد المرحلة الحالية يرفع الحاجة إلى تفويض سياسي أوسع وقدرة أكبر على المراجعة والمساءلة.
تحتاج سورية إلى استعادة خط ما قبل التوسع الإسرائيلي أخيراً، بينما تسعى إسرائيل إلى إدخال احتياجاتها الأمنية الجديدة في صيغة الترتيبات المقبلة
فيما تحضر كولومبيا ضمن هذا السياق مؤشّراً على إمكان انتقال الاعتراف الأميركي من حالة استثنائية إلى سابقة قابلة للتكرار، فقد بنت الحكومة الكولومبية قرارها على الأهمية الأمنية للجولان بالنسبة إلى إسرائيل، وهو تبريرٌ يكتسب خطورة مفاهيمية لأن الأمن يتحوّل من حاجة تخضع للقانون الدولي إلى أساس لإعادة تعريف السيادة على الأرض، وإذا اتسعت دائرة الدول التي تتبنى هذا المنطق يصبح الاحتلال، مع مرور الزمن، أكثر قدرة على إنتاج اعترافاتٍ سياسيةٍ جديدة، بينما يفقد الموقف السوري جزءاً من رأسماله الدبلوماسي بفعل تراكم الأمر الواقع.
يعيد هذا طرح دور الزمن في النزاعات الممتدة، فالوقائع التي تستمر سنوات طويلة تكتسب مؤسّسات ومصالح وخطابات قانونية وسياسية تدافع عنها، وقد أظهرت تجارب دولية متعدّدة أن الاحتلالات الممتدة تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى بنية سياسية ثم إلى مطالب بالاعتراف، وهو ما حدث تاريخيّاً في حالات ضم أراض بالقوة قبل أن تعيد التحوّلات الدولية فتح ملفاتها كما يحدث أخيراً في ملف جزر فوكلاند (أو مالفيناس) بين الأرجنتين وبريطانيا والولايات المتحدة. لذلك يشكل الزمن مورداً استراتيجيّاً للطرف القادر على تثبيت الوقائع، وتصبح سياسة إدارة الأزمة من دون حماية المرجعية السيادية معرّضة لأن تتحوّل إلى قبول تدريجي بشروط أنتجتها القوة.
أما إعلان تعثر التفاهمات السورية الإسرائيلية مؤخرًا، بالتزامن مع تمسك إسرائيل بجبل الشيخ والمواقع التي دخلتها بعد “8 ديسمبر” (2024)، فيؤكد أن الخلاف الحقيقي يتعلق بتحديد الوضع الذي سيعتبر نقطة مرجعية لأي اتفاق، فدمشق تحتاج إلى استعادة خط ما قبل التوسع الإسرائيلي أخيراً، بينما تسعى إسرائيل إلى إدخال احتياجاتها الأمنية الجديدة في صيغة الترتيبات المقبلة، ومن ثم يصبح النزاع متعلقاً بالحدود التي تستطيع إسرائيل فرضها لمفهوم أمنها داخل الأراضي السورية وبالقدرة التي تملكها دمشق على منع تحويل الوجود العسكري الحالي مرجعية تفاوضية دائمة.
تحمل قاعدة أبو الظهور أهمية تتجاوز الغارات الثماني التي أصابت مدرجها ومنشآتها
تظهر هنا إشكالية أوسع في السياسة الخارجية للسلطة الانتقالية السورية، إذ تراهن دمشق على الانفتاح الأميركي باعتباره طريقاً إلى رفع القيود الاقتصادية والحصول على الشرعية الدولية وإعادة الإعمار، وتمنح واشنطن في المقابل موقعاً بالغ التأثير في ملفاتها الإقليمية الحساسة، فيما تثبت قضية الجولان أن المصالح الأميركية مع إسرائيل تستطيع الوصول إلى مستوى يتعارض مباشرة مع التصور السوري للسيادة. ولهذا تحتاج أي سياسة خارجية رشيدة إلى التمييز بين الاستفادة من الوساطة الأميركية وتحويلها إلى المرجعية الوحيدة التي تحدّد الممكن السياسي.
كما أن الأمن السوري نفسه يحتاج إلى تعريف ينبع من مصلحة الدولة والمجتمع، لأن الأمن في الدراسات الاستراتيجية يتجاوز حماية النظام السياسي إلى حماية الإقليم والسكان والمؤسسات والقدرة على اتخاذ القرار، وعندما تصبح حماية الاستقرار مرتبطة بقيود خارجية واسعة على خيارات الدفاع والسيادة فإن الدولة تدخل ما يعرف بمأزق الأمن غير المتكافئ، حيث تحصل على انخفاض مؤقت في مستوى التهديد مقابل قبول قواعد تحد من قدرتها المستقبلية على إعادة بناء عناصر قوتها.
ومن هنا تتلاقى المسارات بين الاعتراف الكولومبي والقصف الإسرائيلي على القاعدة العسكرية في إدلب؛ داخل الاتفاقية الأمنية الإسرائيلية مع دمشق، فالأول يكشف انتقال الاحتلال من واقع عسكري إلى اعتراف دبلوماسي لدى دولة جديدة، والثاني يُظهر توسع المجال الذي تريد إسرائيل إخضاعه لتعريفها الخاص للأمن. أما الاتفاقية فتشكل النقطة التي يمكن أن تتحول عندها هذه الوقائع إلى ترتيباتٍ أكثر استقراراً، وهو ما يجعل مضمونها السياسي والدستوري أهم بكثير من مجرّد نجاح التفاوض أو انهياره.
المصدر: العربي الجديد






