
ما تعرفت على أي كردي سوري وأصبح بيننا علاقة تسمح له بالكلام في زمن القهر إلا سمعت منه مر الشكاوى لمظلوميات الكرد، ليس فقط من ممارسات السلطة السورية والحكومة التركية.. بل تصل إلى كل الدول الاسلامية التي يعتبرونها تخاذلت اتجاه قضيتهم او الاعتراف بحقهم في ان يكون لهم دولة.. هذا من أوسع دائرة لتصل الى أصغر الدوائر في المجتمع المحلي والممارسات اليومية التي يرون فيها تجاوزات دائمة بسبب العرق بالأخص ممن يسمونهم فلاحي الغمر.. وهم اهالي القرى التي هجرت بسبب غمر ارضهم تحت بحيرة سد الفرات.. وكثيرون من الاخوة الكرد حتى المثقفين منهم يعتبرون مشروع سد الفرات مجرد مؤامرة لتبرير مشروع الحزام العربي..
إن أزمة المظلومية التاريخية لدى الأخوة الكرد كبيرة لدرجة أنه من الصعب مناقشتها في عجالة أو حلها في وقت قصير..
لكن لو خرجنا من إطار المظلوميات المتعلقة بالعقيدة او العرق سنرى أن معظم المحافظات التي أكثرية سكانها من العرب السنة أيضا لديها مظلوميات مختلفة،
فمع بداية الثورة و منذ الذكرى الاولى و الاختلاف على تاريخ البداية في ١٥ او ١٨ آذار اظهرت إلى السطح حجم ما تشعر به محافظة درعا و حوران من مظلومية و كانت صادمة لي لأنها لم تكن آراء فردية بل كانت إحساسا عاما في الجنوب و بعبارات قوية لا تتناسب أبدا مع حجم التعاطف و المناصرة التي نالتها منذ انطلاق الثورة، و ذلك أيضا ما كشف عن مظلومية اخرى اخف وطأة شعر بها جزء من الحمويين الذين اعتبروا ان انهم خذلوا في احداث ٦٤ وأحداث ٨٢ الدامية..
كذلك هناك شعور أعلى بالمظلومية في محافظة دير الزور و المحافظات الشرقية لم تكن احداث جديدة عرطوز فقط احدى النوافذ التي سمحت بتسرب بعض ما يدور تحت الأرض التي تحتوي معظم ثروات سورية الطبيعية.. و قد سمعت من الكثير من الاصدقاء الديرية مر الشكوى من التهميش الاقتصادي للمحافظات الشرقية.. لدرجة أن بعض المتطرفين يعتبرونها نهبا من قبل المركز لثروتهم دون اي عائد عليهم…
خلال فترة الثورة سمعت الكثير من الشكوى جراء التهميش الاعلامي لدور مدينة الدير و ما حولها و لحجم الدمار الذي اصابها و يعتبرون انه لم يتم التركيز عليه كما كان الأمر بالنسبة لحمص و حلب بشكل متحيز.
حتى في حلب الشهباء هناك تيار ليس قليل يعتبر ان مدينتهم ظلمت تاريخيا و لم تنل ما تستحق من تمثيل سياسي و دعم اقتصادي و خدمي بما يوازي الدور الذي تقوم به في الاقتصاد السوري و بما يتناسب مع حجمها السكاني و الجغرافي.. و إن يكن هذا ليس شعورا عاما او عميق الاثر كما هو في المحافظات الطرفية..
و لكن حقيقة أن أغرب مظلومية سمعت بها و بشكل مباشر هي أيضا من الدمشقيين أنفسهم، فرغم الفوائد الاقتصادية الكبيرة و تركيز الخدمات و الفعاليات السياسية و الثقافية و الاعلامية في العاصمة فإن هناك تيار واسع ضمن الشوام يعتبرون أن ذلك أدى إلى تدفق هجرات داخلية كبيرة نحوها سببت بتحطيم البنية الاجتماعية الشامية و جوها المحافظ و نمطها التقليدي في الحياة.. كما ادت الى غلاء فاحش في الاسعار بالأخص العقارات و ضغط كبير على الخدمات ادى لهبوط حاد في مستواها.. حتى أن بعضهم يعتبر أن المهاجرين قد أفسدوا حتى اللهجة الشامية التي اصبحت في السائد هجين غريب عن اللهجة الاصل.. الكثيرون من الشوام يعتبرون أنهم ظلموا نتيجة لقبولهم بحمل مسؤولية المشروع الوطني السوري منذ الاستقلال الاول ١٩١٨ بما جره على مدينتهم من احداث وتغيرات وأزمات…
أنا فقط أتساءل من هو الظالم ومن هو المظلوم في سورية؟!
بالأخص بعد زوال نظام البعث الذي كان من السهل والمنطقي تحميله كل الأوزار، لكن الآن علينا مواجهة الحقائق كما هي، وإزالة فتائل الانفجار التي تزرعها المظلوميات المزعومة قبل فوات الاوان، فالشعور بالمظلومية هو بداية أي فتنة أو انفجار.






