
في حُمّى الصراعات البشرية الخفية والعلنية، ومع تصاعد الصراعات الدولية وتنافس القوى الكبرى على مناطق النفوذ وإخضاع الدول الضعيفة لإرادتها، وفي ظل النزاعات الحدودية والصراعات الداخلية على السلطة والانقسامات الإثنية والمذهبية وسرديات المظلومية الاجتماعية والسياسية، تتعرض مفاهيم الوطن والمواطن والهوية الوطنية والمواطنة لتحولات عميقة، تتأثر بطبيعة الدولة ونظام الحكم ومستوى الوعي المجتمعي.
فالوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، والدولة ليست مجرد سلطة تفرض قوانينها على السكان. وإذا كان انتماء المواطن إلى وطنه يرتب له حقوقًا وواجبات ومشاركة في الحياة العامة، فإن الانتماء الوطني في معناه الأعمق هو شعور بالحرية والكرامة والإنسانية، وإحساس بأن الوطن فضاء للحقوق والمساواة والمشاركة، لا ساحة للخوف والخضوع.
ومن هنا، فإن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الشعارات والهتافات، ولا بمقدار الولاء للسلطة، وإنما بمدى ارتباط المواطن بوطنه وتمسّكه بحريته وكرامته وحقوقه، واستعداده للدفاع عن الدولة والمجتمع والقانون، لا عن الحاكم أو جماعته أو سلطته.
ولعلّ طغيان الحديث عن الوطنية في بلادنا يكشف عن أزمة عميقة في مفهوم الانتماء الوطني، وعن عدم اكتمال الانتقال من الانتماءات الأولية إلى مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. فما زالت فكرة الوطن بوصفه وطنًا نهائيًا لجميع مواطنيه، بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو القومية أو المنطقة أو العشيرة أو الموقف السياسي، لم تترسخ بما يكفي في الوعي الجمعي.
وقد ساهمت نشأة دول المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من ترتيبات وتقسيمات دولية، في تعقيد هذه المسألة، حين لم تترافق الدولة الجديدة مع بناء حقيقي لمفهوم المواطنة والدولة/الأمة. لكن المشكلة لا تكمن في الحدود وحدها، بل في عجز السلطات والنخب السياسية عن بناء دولة مواطنة حديثة تجعل الانتماء الوطني إطارًا جامعًا يتجاوز الهويات ما قبل الوطنية، ويضمن لجميع المواطنين حقوقًا متساوية وكرامة ومشاركة.
وفي الأنظمة الاستبدادية تبلغ أزمة الوطنية ذروتها؛ إذ يجري اختزال الوطن في السلطة، والسلطة في الحاكم، والوطنية في الولاء له. وهنا يتحول مفهوم الوطنية من رابطة جامعة إلى أداة للإقصاء والتخوين؛ فالحاكم يُقدَّم باعتباره تجسيدًا للوطن، فيصبح نقده نقدًا للوطن، ومعارضته خيانة، ورفض سياساته خروجًا على الجماعة الوطنية.
وهكذا تنتج الأنظمة الاستبدادية تعريفها الخاص للمواطن الصالح: من يوالي السلطة ويصفق لها وينصاع لأوامرها ويقبل روايتها، بينما يُدفع المعارض والناقد إلى خانة العمالة والخيانة والتآمر. وتتحول الوطنية إلى امتياز تمنحه السلطة وتسحبه، بدل أن تكون حقًا أصيلًا لكل مواطن، وتتحول الدولة من إطار جامع إلى أداة للتمييز بين الموالين والمعارضين، فتمنح أنصارها المناصب والامتيازات، وتلاحق خصومها بالإقصاء والاعتقال، وقد يصل الأمر إلى القتل والتصفية.
والأخطر أن الاستبداد لا يكتفي بمصادرة السياسة، بل يصادر وعي المواطن بذاته وبوطنه؛ فيسعى إلى إنتاج مواطن منزوع الإرادة، مستلب المشاعر، لا يرى في الوطن إلا السلطة، ولا يعرف من الوطنية إلا الطاعة، ولا يتصور من المواطنة إلا الواجبات. وفي ظل هذه المعادلة يصبح الحياد جريمة، والنقد خيانة، والمعارضة مؤامرة، بينما تُقدَّم السلطة باعتبارها فوق المساءلة، والأقدر على التفكير نيابة عن المجتمع وتحديد مصالحه ومستقبله.
لكن تدمير المواطنة لا ينتج مواطنًا وطنيًا، بل يدفع الفرد إلى البحث عن حماية بديلة خارج إطار الدولة. وعندما يفقد ثقته بالدولة ومؤسساتها، يعود إلى الهويات الأقرب إليه: الطائفة والعشيرة والقومية والمناطقية والجهوية وغيرها من هويات ما قبل الدولة.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر: الاستبداد يضعف المواطنة، وضعف المواطنة يقوّي الهويات الفرعية، وقوة الهويات الفرعية تعمّق الانقسام، والانقسام يمنح السلطة ذريعة جديدة لمزيد من السيطرة والإقصاء. وهكذا يصبح الاستبداد أحد أهم العوامل التي تُضعف الوحدة الوطنية التي يدّعي حمايتها.
إن الوطنية التي تحتاج إلى التخوين والقمع لإثبات وجودها ليست وطنية راسخة، والوطن الذي لا يتسع للاختلاف ليس وطنًا مكتمل المواطنة. فالوطنية الحقيقية تنشأ عندما يشعر الإنسان أن الوطن وطنه، وأن الدولة دولته، وأن القانون يحميه، وأن كرامته مصونة، وأن اختلافه السياسي لا يسقط عنه حقه في المواطنة.
ومن هنا، فإن بناء الهوية الوطنية الجامعة في سورية لا يكون بإعادة إنتاج خطاب الوطنية المزيف، ولا باستبدال ولاء بآخر، وإنما ببناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات؛ دولة المساواة في الحقوق والواجبات، والحرية السياسية، والعدالة، والمشاركة، واحترام التعدد والاختلاف.
فالوطنية ليست أن يذوب المواطن في الدولة، بل أن يشعر بأن الدولة تحميه وتحترم إنسانيته؛ وليست أن يتنازل عن حريته باسم الوطن، بل أن يمارس حريته باعتبارها جزءًا من كرامة الوطن؛ وليست أن يوالي الحاكم، بل أن يكون ولاؤه الأول للدولة والقانون والمجتمع.
وعندما تصبح المواطنة الرابط الأول بين السوريين، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الفرعية المتصارعة، ويستعيد الوطن معناه الحقيقي: فضاءً مشتركًا للحرية والكرامة والمساواة، لا ملكيةً خاصة للسلطة أو لجماعة أو لطائفة أو لحزب. فالوطن لا يُبنى بالخوف، والوطنية لا تُفرض بالقوة، والهوية الوطنية لا تُصنع بالشعارات؛ وإنما تُبنى عندما يشعر كل مواطن أن الوطن له، وأن كرامته مصونة، وأن اختلافه لا يجعله أقل وطنية عن من سواه .






