الحرب الإيرانية: استعصاء النهاية وصعوبة التجميد

  بسام مقداد

الحرب الإيرانية التي كان وعد الأميركيون بإنهائها خلال أسابيع، سجلت في 28 آب/ أغسطس نهاية نصف سنة على اشتعالها في 28 شباط/ فبراير المنصرم. ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادرها، أن البنتاغون يمدّد بصورة غير معلنة مدة بقاء القوات الأميركية في الشرق الأوسط، وهذا ما يفتح الباب أمام احتمال استمرار العملية العسكرية ضد إيران حتى عام 2027. وتشير مصادر الصحيفة إلى أن البنتاغون قد مدد مهمات وحدات الدفاع الجوي وقوات بعض السفن الحربية المرابطة في المنطقة حتى ربيع السنة المقبلة، وفق موقع vestnikkavkaza  الروسي في 3 الجاري.

وكان الموقع الروسي عينه قد نقل في اليوم نفسه عن مصادر الصحيفة الأميركية قولها إنَّ ترامب يبحث مع فريقه إعلان انتهاء الحرب الإيرانية رسمياً. وتنقل المصادر عن ترامب قوله للمحيطين به بأن الضغط الاقتصادي على إيران سيجبرها على التخلي عن برنامجها النووي. لكن فريق الرئيس يحذره من أن التصعيد في الحرب الإيرانية قد ينعكس سلباً على مواقع الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة. لكن ترامب رد بالقول إن المخاطر السياسية الداخلية لا تؤثر على قراراته بشأن المشكلة الإيرانية.

من جهة أخرى، نقل الإعلام في 4 الجاري تصريحاً لنائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس أثار دهشة الجميع، بمن فيهم الصحافيين الذي نقلوا التصريح. فقد نقلت عنه رويترز رفضه تسمية ما يجري في إيران وحولها الآن “حرباً”. وبرأيه، لا تجري في المنطقة الان عمليات حربية نشطة، وإن كانت بعض المناطق تشهد تصعيداً في الوضع، وفق الموقع الروسي osnmedia.

يرى المراقبون في تصريحات المسؤولين الأميركيين هذه ارتباكاً واضحاً في التعامل مع الحرب الإيرانية في مرحلتها الراهنة. فالرغبة في إنهائها والخروج من مستنقعها تبدو واضحة في مشاورات ترامب مع محيطه وفي رفض نائبه حتى تسميتها “حرباً”. ومن جانب آخر، فإن تمديد البنتاغون لمهمات بعض القوات الأميركية في المنطقة حتى ربيع السنة المقبلة، يشير إلى عدم إمكانية الخروج منها حالياً. كما أن تجميد الحرب في وضعها الراهن  حتى انتخابات الكونغرس النصفية، ومن دون تخطي التصعيد بعض المناطق إلى المنطقة ككل، قرار لا يعود للأميركيين وحدهم. فالإيرانيون الذي نجحوا حتى الآن بصمودهم في إفشال الأهداف الرئيسية للحرب عليهم، يرفضون تجميد الحرب في مرحلتها الراهنة في ظل الحصار الاقتصادي الأميركي، الذي بدأ يترك آثاره على الوضع الاقتصادي والمعيشي المنهار في إيران. فقد أخذت تظهر أنباء عن تكرار تجمعات صغيرة للإيرانيين من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية في المدن الإيرانية، احتجاجاً على تفاقم الوضع المعيشي وانهيار العملة الوطنية إلى مستويات غير مسبوقة.

إضافة إلى الإيرانيين، لا تخفي إسرائيل اعتراضها على أي تجميد للحرب، بل تعلن دائماً عن تأهب جيشها لاستئناف الحرب على إيران. كما لا يخفي حلفاء أميركا في الخليج معارضتهم الشديدة لمراوحة الحرب الحالية منذ آذار/ مارس المنصرم بين هدنات تنشط خلالها الوساطات، وبين موجات تبادل الضربات التي تلحق أشد الضرر بهذه الدول إلى جانب مواقع القوات الأميركية فيها.

موقع يديعوت احرونوت الناطق بالروسية vesty رأى في عنوان نص نشره في 2 الجاري أن الولايات المتحدة “تريد إبقاء الصراع مع إيران على نار هادئة”.

نقل الموقع عن رويترز قولها إن كبار مساعدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعون إلى منع حدوث تصعيد حاد في المواجهة مع إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. غير أن هذه الاستراتيجية بدأت تُختبر بالفعل، وتتعرض لضغوط جدية في ظل استئناف الولايات المتحدة وإيران تبادل الضربات. وقالت مصادر طلبت عدم الكشف عن هويتها إن مسؤولين في البيت الأبيض سينظرون في إمكانية تكثيف النشاط العسكري بعد الانتخابات. وأكدوا أن احتمال العودة إلى أعمال قتالية واسعة النطاق لا يثير لديهم أي شكوك. وفي الوقت الراهن، تركز الإدارة الأميركية على تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران. وقال مصدر في البيت الأبيض: “نواصل ممارسة الضغوط الاقتصادية على إيران، لكن الأولوية الرئيسية تبقى للانتخابات”.

في غضون ذلك، يخوض الجمهوريون، بقيادة ترامب، معركة للحفاظ على أغلبيتهم الهشة في كلٍّ من مجلس الشيوخ ومجلس النواب. وبحسب المصادر، فإن “التوقف التكتيكي” للحرب قد يتيح أيضاً للجيش الأميركي فرصة لالتقاط أنفاسه وتعويض مخزونه المستنزف من الذخائر.

غير أن تنفيذ استراتيجية “خفض حدة التصعيد” يصبح أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. وعلى الرغم من أن المواجهة لا تزال تجري على نطاق أصغر بكثير مما كانت عليه في الربيع أو خلال موجة التصعيد في منتصف الصيف، فإن الجانبين تبادلا الضربات مجدداً في الأيام الأخيرة.

ووفق المحللين، يشعر قادة إيران بمزيد من الثقة بعد أشهر من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز. وهم لا يواجهون، في الوقت الراهن، احتجاجات داخلية تُذكر في بلادهم، لذلكَ يُرجح أن يواصلوا مهاجمة أهداف أميركية وأهداف حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، بما في ذلك القواعد العسكرية والسفن والبنية التحتية للطاقة.

صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti تساءلت في عنوان نص نشرته في 3 الجاري “ما هو هامش قدرة الولايات المتحدة وإيران على الصمود قبل تصعيد جديد؟”.

نقلت الصحيفة عن ترامب قوله في التعقيب على التبادل الأخير مطلع الجاري للضربات بين الولايات المتحدة وإيران، إنه لم يعد لديه الحافز لدفع الإيرانيين إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، إذ إن الوضع الراهن في المنطقة بات يروق له أكثر: “سيطرة أميركية شبه كاملة على مضيق هرمز، وانهيار كامل للاقتصاد الإيراني”. وذكّرت الصحيفة بتهديد ترامب لإيران قبل يوم واحد بمحوها عن وجه الأرض إذا واصلت الرد بشن ضربات على الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط.

نقلت الصحيفة عن الباحث في معهد دراسات كندا والولايات المتحدة الروسي بافل كوشكين، قوله إنَّ البلدين قد خرجا إلى مرحلة “التصعيد المضبوط” في الصراع بالشرق الأوسط. ورأى أن الطرفين سيواصلان تبادل الضربات العسكرية والتصعيد في الخطاب والإجراءات الاقتصادية لفترة غير محددة. وفي نظر القيادتين الأميركية والإيرانية، تُعدّ الاستعدادات لتقديم تنازلات علامةً على الضعف. وفي الوقت نفسه، لا يريد الطرفان السماح بتكرار دوامة العنف المتصاعدة التي شهدناها في نهاية شباط/ فبراير. والوضع الراهن يبدو مقبولاً تماماً بالنسبة إلى الأميركيين والإيرانيين، كما أن لديهما من الموارد ما يكفي لمواصلة هذه المواجهة لفترة طويلة جداً.

كوشكين على ثقة بأن الهدف متوسط الأجل لترامب يتمثل في الحفاظ على مستوى المواجهة القابلة للتحكم بها خلال الشهرين المقبلين، وصولاً إلى نهاية الانتخابات القريبة. ويضيف بأن مجمل لهجة الرئيس الأميركي تجاه إيران تهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ولو حتى نهاية انتخابات التجديد النصفي، وذلك لحرمان الديمقراطيين من فرصة انتزاع الأغلبية في واحدة على الأقل من غرفتي الكونغرس. لذلكَ، من المهم بالنسبة إلى ترامب في الوقت الراهن أن يُظهر الحزم والتصميم في التعامل مع طهران. ويخوض الطرفان تصعيداً في المجال الإعلامي، لكن ذلك لا يعني تلقائياً اندلاع مواجهة عسكرية، بل على العكس، يحاول الخصمان بهذه الطريقة تنفيس الاحتقان وتفريغ الغضب، تجنباً لارتكاب أخطاء جديدة أو التمادي في التصعيد.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى