وسيم الحمام.. ما كشفه الترند أكثر مما أصلحه

  علي حميدي

بدأت القصة بصورة عادية جداً لشاب من ريف الحسكة اسمه وسيم الحمام، جاء إلى دمشق، والتقط صورة في ساحة الأمويين، ونشرها على حسابه. لا شيء في الصورة يفترض أن يتحول إلى حدث، سوى أن مظهره ولباسه وانتماءه الجغرافي بدت، بالنسبة إلى بعض مستخدمي وسائل التواصل، مادة مناسبة للسخرية.

بدأ التنمر، ثم تحولت القصة بسرعة إلى الاتجاه المعاكس: تضامن واسع مع وسيم، ومنشورات تدافع عنه، وكلام عن أهل الجزيرة والفرات، ثم دخلت مؤسسات إعلامية ورسمية على الخط، ووُضعت صورته على شاشة كبيرة في ساحة الأمويين مع عبارة: “ابن الحسكة.. نورت الشام”.

في الظاهر، تبدو الحكاية بسيطة: إساءة فردية أو جماعية، ثم رد اجتماعي وأخلاقي عليها. لكن ما جرى أعمق قليلًا من ذلك، وربما أكثر تعقيداً. فالفعل الأول، وهو التنمر على وسيم، قبيح ولا يحتاج إلى كثير من التنظير. لكنه ليس مجرد تنمر على شكل رجل أو لباسه. في داخله شيء من الطبقية، وشيء من وهم التفوق الحضري، وشيء من النظرة القديمة إلى العلاقة بين المدينة والريف، وبين المركز والأطراف.

هذه النظرة موجودة في سوريا منذ عقود، وليست حكراً على منطقة أو طبقة واحدة. هناك دائماً من يظن أن المدينة تمنحه امتيازاً ثقافياً وأخلاقياً واجتماعياً، وأن لهجته أو طريقة لباسه وشكله الاجتماعي أكثر تمدناً وتحضراً من الآخرين.

وفي بلد مثل سوريا، عاشت مناطق واسعة منه عقوداً بعيدة عن المركز السياسي والإعلامي والاقتصادي، يصبح هذا الشعور أكثر وضوحاً تجاه المنطقة الشرقية وأجزاء واسعة من الريف السوري.

لكن لا يمكن اختصار المجتمع السوري في مجموعة تعليقات سخيفة على فيسبوك، كما لا يمكن تحويل كل سخرية من لباس أو مظهر إلى نظرية مكتملة عن “العنصرية السورية”.

لهذا نجد أن الأكثر إثارة للاهتمام كان رد الفعل على الحادثة؛ فمن الجيد، بل والمطمئن، أن يتحول المزاج العام بسرعة ضد العنصريين. ومن الجيد أن تتدخل مؤسسة عامة برسالة بسيطة تقول إن ابن الحسكة مرحب به في دمشق. في بلد خرج من حرب طويلة ومن انقسامات عميقة، لهذا النوع من الرموز قيمة لا ينبغي الاستهانة بها. لكن هنا أيضاً ظهرت مشكلة أخرى. ففي لحظة ما، لم يعد وسيم مجرد شاب تعرض للتنمر، بل بدأ يتحول إلى رمز يجري تحميله بكل المعاني الممكنة: ابن الأرض، وابن الثورة، وابن القمح، وضحية التهميش، وممثل الشرق السوري كله؛ أيقونة لـ”الإنسان البسيط الطيب الأصيل الفلاح”.

بعض هذا الكلام جميل ومخلص، لكنه، في الوقت نفسه، يعيد إنتاج المشكلة بطريقة معاكسة. العنصري جعله أقل منه بسبب مظهره، والمتعاطف المفرط قد يجعله أنقى منه بسبب المظهر نفسه. الأول يحتقر “الريفي”، والثاني يسبغ عليه مسحة رومانسية مثالية، وفي الحالتين لا يُترك الرجل ببساطة كما هو.

وجرى أيضا التأكيد على مرضه وظروفه ومشاركته في المظاهرات. وهذه المعلومات تثير التعاطف، لكن سؤالاً مهماً يظل قائماً: لو كان وسيم ميسورًا، سليمًا، ولم يشارك في المظاهرات، فهل يصبح التنمر عليه أقل قبحاً؟ (طبعاً لا).

المساواة الحقيقية أكثر بساطة من ذلك كله: أن يصل شاب من الحسكة إلى دمشق بلباسه الذي يريده، ويلتقط صورة في المكان الذي يريده، وألا يكون ذلك حدثاً يستحق لا السخرية ولا البطولة.

لهذا، أفضل ما حدث في القضية هو الرفض الاجتماعي الواضح للعنصرية والطبقية وقلة الأخلاق، أما الأقل فائدة فهو المزايدة الأخلاقية وتحويل وسيم إلى مادة جديدة للترند، ولو كان “ترنداً إيجابياً”.

هناك أيضاً معنى سياسي أوسع. فإذا كانت سوريا تحاول إعادة بناء نفسها، فإن قضية المناطق التي عاشت طويلاً في الهامش لا تُحل بحملات التضامن المرتبطة بالترند وحدها. أهل الحسكة لا يحتاجون فقط إلى أن نقول لهم إنهم “ينوّرون الشام”، بل إلى أن تكون الدولة نفسها موجودة عندهم، وأن تكون مناطقهم حاضرة في الإعلام والتعليم والاقتصاد والإدارة والتمثيل السياسي.

المشكلة ليست أن العاصمة أساءت استقبال واحد منهم، بل إن العلاقة نفسها ظلت طويلاً تقوم على أن المركز هو من يمنح الاعتراف، والأطراف هي من تنتظر هذا الاعتراف.

ربما تكون القيمة الحقيقية لقصة وسيم أنها كشفت شيئين في الوقت نفسه: أن آثار التمييز الاجتماعي والمناطقي لا تزال موجودة، وأن هناك، في المقابل، حساسية اجتماعية متزايدة تجاهها، ورغبة حقيقية في رفضها.

وهذا جيد، لكن الاختبار الحقيقي ليس في قدرتنا على صناعة ترند مضاد للعنصرية، بل في قدرتنا على الوصول إلى يوم لا تحتاج فيه صورة مثل صورة وسيم إلى كل هذه الضجة من الأساس.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى