
من بين أهمّ خطط الحرب التي نظّر لها الاستراتيجيون، الخطّة الاستباقية التي لا تحتاج إلّا إلى أدوات ردع عن بُعد، مع عتاد وتمركز مساعدَيْن في الانقضاض على أيّ محاولة للعب على وتر عدم الاستقرار أو التنافس/ الصراع السياسي لإيجاد حالة عدم استقرار، مع تحويله إلى فرصة للاستيلاء على الحكم في شكل انقلاب تقف من ورائه قوى مناوئة للإقليم ودوله، بل لكلّ ما يزخر به من إمكانات، بقصد استغلالها على نحو يُعيد إلى الذاكرة الفترة الاستعمارية، ضارباً بالسيادة والاستقلال عُرْضَ الحائط.
ولأنّ تقدير الموقف هو نوع من الحديث عن الاستراتيجية، في مجال التقييم وتصوّر الخيارات مع استشراف المستقبل، فإنّ المقالة هنا تشير إلى الأهداف المتوخّاة من خلال قرار الجزائر إرسال عتاد عسكري جوي بطاقمه لمساعدة النيجر، كما تشير المقالة، من جانب آخر، إلى جدلية معروضة للنقاش، مفادها: هل نحن أمام تحوّل في العقيدة الدفاعية للجزائر، أم أنّ الأمر يتعلّق بتغيير قواعد التعامل مع الهشاشة الأمنية وأدوات التعافي منها في العمق الاستراتيجي الساحلي – الصحراوي، مع بقاء الثوابت كما هي من دون تغيّر يُذكر؟
تعاني الجزائر تصاعداً مستمرّاً لعدم الاستقرار في عمقها الاستراتيجي آخذاً في التمدّد والتنوّع من ناحية أشكال الأدوات المستخدمة للنيل من بلدان الساحل، مع رؤى تستهدف الأبعد، أي الشمال الأفريقي برمّته، وفي رأسه الجزائر، أكبر بلد يملك حدوداً مع هذه المنطقة التي تُصنَّف في العقيدة الاستراتيجية الغربية منطقةَ ملاذ للجماعات الإرهابية ومناطق رمادية شاسعة تعجّ بالأزمات (تهريب البشر، والاتّجار بالمخدّرات، والهجرة غير الشرعية، والاستغلال غير الشرعي للمعادن الثمينة)، مضافاً إليها عامل طبيعي يشجّع على بقاء عدم الاستقرار، يتمثّل في ثلاثية: الانقلابات والتدخّل الأجنبي والعامل الاقتصادي (دول حبيسة وفقيرة الموارد، مع انفجار ديمغرافي كبير).
في الأعوام الماضية، برزت ظاهرة الانقلابات المتزامنة، تقريباً، مع توفّر عاملَيْن ترافقا معاً، هما إعلان حتمية مغادرة فرنسا المنطقة، والاستعانة بعدها بمليشيا فاغنر، كما يمكن الحديث عن فترتَيْن زمنيتَيْن برز فيهما العداء للجزائر من دون توفير الحجج اللازمة، سرعان ما واجهته الجزائر بخطط دبلوماسية فكّكت فيها ملفّات الساحل وتناولتها واحداً بعد آخر: بوركينافاسو والنيجر، ثمّ مالي، من خلال أدوات اقتصادية تراوحت بين استثمارات، ومساعدات وبناء لمحطّات توليد كهرباء، مع وعود بخطّ أنابيب لنقل الغاز ينطلق من نيجيريا ويصل إلى الجزائر مروراً بالنيجر. وأبعد من هذا، وعود ستتجسّد قريباً لاستفادة دول الساحل الحبيسة من خطوط نقل استراتيجية (سكّة حديد) تنقل السلع إلى سواحل الجزائر في الشمال، في خطوة يمكنها أن تفتح سبل التعامل مع العالم وتوسيع القواعد الاقتصادية الساحلية لوجستياً.
لكن هل تتوقّف مؤامرات وخطط الأعداء عن تهديد أمن الساحل وإفشال خطط الانخراط في بناء الاستقرار بقيادة جزائرية؟ بمجرّد أن تأكّد هؤلاء الأعداء من الخيارات التي يمكنها أن تنقل الساحل من وضع الهشاشة إلى التعافي، بدأوا بتحويل بوصلة عملهم إلى التهديد والمقاطعة والحصار، وصولاً إلى التوسّع في إشعال نيران المحاولات الانقلابية في بلدان عديدة، خصوصاً في النيجر التي سبق لها تأميم مصالح شركة فرنسية لإنتاج اليورانيوم، كما شهدت المنطقة، خصوصاً المثلّث الخطير (بين بوركينافاسو ومالي والنيجر)، تصاعداً خطيراً في العمليات الإرهابية وعمليات اختطاف الأجانب، كشفت الصحافة الاستقصائية الغربية أنّها من تدبير جهات محدّدة تقودها فرنسا التي فشلت في العودة إلى سابق عهد احتكار شركاتها وعسكرييها للشؤون الاقتصادية والأمنية في أفريقيا الفرانكفونية، خصوصاً الساحلية منها (طرد الجنود الفرنسيين وإغلاق القواعد العسكرية الفرنسية).
تعاني الجزائر تصاعداً مستمرّاً لعدم الاستقرار في عمقها الاستراتيجي، آخذاً في التمدّد والتنوّع للنيل من بلدان الساحل
لا يُرضي هذا الوضع الجزائر التي لحقها الأذى بسبب هشاشة عمقها الاستراتيجي، وسارعت، كما ذكر أعلاه، إلى التريّث بعد سلسلة الانقلابات وحملة العداء لها، من خلال تفكيك ملفّ المنطقة ملفّاً بعد ملفّ، منطلقة من النيجر، مروراً ببوركينافاسو، لتنهي العمل في تشاد. ذلك أنّ أكبر ملفّ كان عصياً، إلى وقت قريب، هو ملفّ مالي التي كانت القطيعة معها من جانب سلطة باماكو من خلال قرارات إبطال اتفاقية الجزائر لإحلال السلام بين السلطة و”الطوارق” (وُقّعت في العام 2015 بوساطة جزائرية، وتعرف باتفاقية الجزائر) في شمالي مالي، ثمّ من خلال اتهام الجزائر بالضلوع في عمليات تهدّد أمن باماكو، وصولاً إلى حادثة إسقاط مسيّرة تابعة للجيش المالي في الأراضي الجزائرية وما جرى من لغط بشأنها، كاد أن يوصل الأمور إلى القطيعة التي لم تردها الجزائر، فسارعت إلى ترتيب أوراقها والعمل ببطء وثقة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وتطبيع العلاقات مع باماكو. وهو ما حدث، ليكون الساحل مؤمَّناً وتتوافر له، بدايةً، الأدوات الاقتصادية التي تنتشله من الهشاشة، ثمّ المساعدة العسكرية الجزائرية لحفظ الاستقرار والأمن في العمق الاستراتيجي الساحلي.
لا يمكن لتقدير الموقف أن يكون مستفيضاً إذا لم يشخّص الاعتبارات التي أدّت إلى اتخاذ قرار إرسال عتاد جوي بطاقمه لمساعدة النيجر على النجاح في تحدّي استعادة الأمن والقضاء على المحاولات الانقلابية المتكرّرة، التي قد تنتشر لتعيد، إلى الأذهان سيناريو انقلابات 2020 – 2023 وتداعياته على الإقليم الساحلي (سيناريو الانقلابات التي شهدها الساحل خصوصاً في النيجر ومالي وبوركينافاسو). وبالتالي؛ يجب التعرّض لمسبّبات اتجاه الجزائر نحو خيار الأمن الاستباقي، إضافة إلى ارتباط ذلك (احتمالاً) بما يمكن عدّه تحوّلاً في العقيدة الدفاعية للبلاد، أو عدِّ القرار مجرّد إقرار لمبدأ ثابت مدعوم بزخم دور بلد فاعل (الجزائر) شكّلت منظومة قراراته في السياسة الخارجية مشكلات للجوار، ولا سيّما لدولة كُبرى هي فرنسا.
اتخذت الجزائر قرارها بإرسال عتاد جوّي بطاقمه انطلاقاً من اعتبارات ثلاثة، كلّها استراتيجية. لعلّ أوّلها، بعد تفكيك ملفّات دول الساحل لإصلاح العلاقات، اللجوء إلى استراتيجية دفاعية استباقية توجِد مناعةً ضدّ الهشاشة التي كادت أن تتحوّل إلى فشل، باعتماد مبدأ أمني لا ينتظر وقوع المشكلات لعلاجها أو أن تستقرّ على نهاية تكون في صالح الجزائر، بل تستبق الجزائر، انطلاقاً من النيجر، الأزمات وتعمل لمنع تمدّدها في عمقها الاستراتيجي الذي أضحى الساحل أوّل دائرة له، لارتباطه الوثيق، على كلّ المستويات، بصحراء الجزائر وأمن حدودها الجنوبية.
قرار الجزائر إرسال عتاد جوي بطاقمه لمساعدة النيجر قد يفضي إلى تشكيل تحالف صحراوي – ساحلي تكون الجزائر في محوره
يشير الاعتبار الثاني إلى الارتكاز على الأمن الاستباقي لبناء منظومة مناعة أشمل بالأدوات الاقتصادية وبمداخل الهشاشة التي اعتمدت عليها القوى الخارجية للتدخّل، أو لصنع التبعية التي باتت تتمدّد لتصل إلى إيجاد منطقة رمادية واسعة تكون بؤرةً لعدم الاستقرار، ومدخلاً لزعزعة أمن شمال القارة الأفريقية، ولا سيّما الجزائر. أمّا الاعتبار الثالث فهو أهمّها، فقد يفضي إلى تشكيل تحالف صحراوي – ساحلي تكون الجزائر في محوره، يعمل في بناء منظومة تعافٍ من الهشاشة وتغلق مداخل الفشل، سواء كانت استراتيجية (التبعية، والتدخّل العسكري، والانقلابات)، أو سياسيةً (عدم استقرار سياسي وتشجيع الانفصالات)، أو اقتصاديةً (القضاء على مداخل التنمية وزيادة حجم المعاناة مع تشجيع استغلال المعادن والطاقات الموجودة في منطقة الساحل لمصلحة القوى الكُبرى أو الإقليمية).
إجابةً عن سؤال تحوّل العقيدة الدفاعية، لا يمكن الحديث عن تشكّل ملامح تحوّل في هذا الشأن، لأنّ العملية، وإن بدا أنّها رسميةٌ بناءً على طلب من النيجر، بالنظر إلى أنّ رئيس وزراء نيامي استقبلهما (العتاد والطاقم المرافق)، إلّا أنّ الأمن الاستباقي، بوصفه جزءاً من العقيدة الدفاعية، قد يمثّل تحوّلاً إن أصبح ذلك مبدأً للبلدان الساحلية الثلاثة (مالي والنيجر وبوركينافاسو)، إضافة إلى أنّ الأمر يتزامن مع وجود عقيدة ثابتة لدى سلطات النيجر في الاعتماد على مساعدات روسية موجودة، أصلاً، في القاعدة التي هاجمها الانقلابيون في المحاولة الماضية.
صحيح أنّ في التعديل الدستوري للعام 2020 نصّاً يشير إلى إمكانية انتشار قوات عسكرية جزائرية خارج الحدود، إلّا أنّ ما يحدث الآن، بالنسبة إلى النيجر، لا يمكن أن يشكّل نواةَ تحوّل في العقيدة الدفاعية بقدر ما يشكّل توجّهاً أمنياً جديداً لبناء المناعة ومنع الهشاشة من الاقتراب من العمق الاستراتيجي، بمعالجتها في مهدها، مع احتمال أن تكشف الجزائر في المدى المنظور الأسباب الحقيقية وراء قرارها إرسال عتاد جوّي بطاقمه لمساعدة النيجر بعد المحاولة الانقلابية، مع العلم أنّ الصحافة الاستقصائية الغربية رجّحت أن تكون هناك جهات وراء ذلك، خصوصاً فرنسا، التي قد تعيد الكرّة مرّة أخرى في بلد آخر في الساحل. لذا؛ وجب أن يكون للجزائر موقف حازم من الأمر، خصوصاً أنّ فرنسا على مقربة من رئاسيات ساخنة جدّاً في العام المقبل (2027).
المصدر: العربي الجديد






