اللباس     حين يتحول من هوية إلى عقدة

  عساف سلامة السلمان

منذ أن عرف الإنسان نفسه بوصفه فرداً داخل جماعة، لم يكن اللباس مجرد وسيلة لستر الجسد وحمايته من البرد والحر، بل صار لغةً صامتة تقول من أنت، ومن أين أتيت، وإلى أي جماعة تنتمي، وما المكان الذي تحتله في السلم الاجتماعي.

قبل أن يتعلم الإنسان الكتابة، كان يستطيع أن يقرأ الآخر من ثيابه.

كان يعرف الفلاح من لباسه، والجندي من زيه، ورجل الدين من عمامته، والشيخ من عباءته، والملك من تاجه، والفقير من ثيابه البالية. ومع مرور الزمن، تحول اللباس إلى رمز للسلطة والمكانة والانتماء، وأصبح تغيير الثياب أحياناً تغييراً في الموقع الاجتماعي نفسه.

ولهذا لم تكن السلطة تهتم بالملابس عبثاً.

فالسلطات والإمبراطوريات كثيراً ما تدخلت في شكل اللباس، وفرضت أزياء معينة على موظفيها وجنودها وطبقاتها الاجتماعية. وفي الدولة العثمانية، مثلاً، ارتبط اللباس بالموقع الإداري والاجتماعي، وشهدت مراحل الإصلاح محاولات لتغيير المظهر العام للموظفين والجيش، بما في ذلك انتشار الطربوش والملابس ذات الطابع الرسمي الأوروبي.

لكن المشكلة لا تكمن في الطربوش ولا في العمامة ولا في العقال ولا في الشرول ولا في الگلابية.

المشكلة تبدأ عندما يتحول لباس جماعة إلى وسيلة للحكم على عقلها وقيمتها.

وهنا نصل إلى حكاية قديمة ما زالت آثارها موجودة في مجتمعاتنا.

في الخمسينات والستينات، وحتى الثمانينات، كان ابن الريف حين يدخل بعض المدن بلباسه التقليدي معرضاً أحياناً للسخرية والتنمر. وقد يصل الأمر إلى إطلاق الألقاب والكلمات النابية، أو محاصرته من مجموعة من الشبان، أو استفزازه وإجباره على شراء شيء لا يريده، وربما الاعتداء عليه بالضرب.

وكان مجرد ظهوره بلباسه الريفي كافياً عند بعض أصحاب النفوس المريضة لكي يصبح هدفاً للسخرية.

تعا يا أبو بريم.

هكذا كان يمكن أن تبدأ الحكاية.

لماذا؟

ما الذي يجعل إنساناً يرى ثوباً على جسد شخص آخر فيشعر بالحاجة إلى إهانته؟

الجواب في رأيي لا يتعلق بالثوب، بل بالعقدة التي يسكنها صاحبه.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحقير الآخرين كي يشعر بقيمته. أما من يعاني شعوراً بالنقص، فقد يبحث عن علامة خارجية يرفع بها نفسه فوق غيره. فيجدها في المدينة مقابل الريف، أو في التعليم مقابل الأمية، أو في الوظيفة مقابل العمل اليدوي، أو في الملابس الحديثة مقابل الملابس التقليدية.

وهكذا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى سلم وهمي للتراتبية.

أنا أرتدي هذا الثوب، إذن أنا أفضل منك.

أنت ترتدي ذلك الثوب، إذن أنت متخلف.

مع أن الثوب لا يقرأ كتاباً، ولا يحمل شهادة، ولا يعرف الحكمة، ولا يملك عقلاً.

ومن أكثر المفارقات إثارة للسخرية أن بعض الذين كانوا يسخرون من اللباس التقليدي لأبناء الجزيرة والريف، كانوا عندما يسافرون إلى الخليج العربي يتخلون عن ثيابهم الحديثة ويرتدون الكلابية والعقال، ويتطيبون ويتأنقون بها، ويدخلون المساجد وهم يشعرون أنهم في قمة الأناقة والوقار.

الثوب نفسه الذي كان مادة للسخرية هنا يصبح مصدرًا للهيبة هناك.

فما الذي تغير؟

الثوب لم يتغير.

الذي تغير هو صاحب الثوب، والمكان الذي يقف فيه، والصورة الذهنية التي يحملها الناس عن الجماعة التي يرتبط بها.

وهنا تظهر حقيقة اجتماعية مهمة: نحن لا نحتقر الملابس دائماً، بل نحتقر أحياناً الأشخاص الذين نربطهم بها.

فالكلابية لا تكون متخلفة لأنها على جسد ابن الجزيرة، ثم تصبح راقية لأنها على جسد خليجي. والعقال لا يكتسب الحكمة عندما يعبر الحدود. والشروال لا يفقد قيمته لأنه جاء من الريف. والثوب الحضري لا يمنح صاحبه عقلاً أكبر.

لكل منطقة لباسها.

ولأبناء الجزيرة لباسهم التقليدي، ولغيرهم من مناطق سورية أزياء وعادات مختلفة. هناك الشروال، وهناك الشروال مع العقال، وهناك أزياء أخرى ارتبطت بالمناطق، والبيئات، والطبقات، والمهن.

وهذا التنوع ليس عيباً.

إنه جزء من ذاكرة المجتمع.

فاللباس الشعبي يحفظ شيئاً من الجغرافيا، والتاريخ، وطبيعة العمل، والمناخ، والعادات. وقد تستطيع أن تعرف من ثوب رجل أو امرأة شيئاً عن البيئة التي جاء منها، قبل أن يتكلم.

لكن الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند الثوب.

فاللباس يقدمك للناس، أما كلامك فيكشفك.

وقد قيل بمعنى جميل:

استقبلك بلباسك، ولكن أودعك بلسانك.

فالإنسان قد يدخل عليك بثوب فاخر، ثم يخرج من حديثه فقيراً إلى الحكمة. وقد يأتيك رجل بثياب بسيطة، ثم يجعلك كلامه تشعر أنك أمام إنسان واسع التجربة والمعرفة.

الثياب تستطيع أن تخدع العين، لكنها لا تستطيع أن تخدع العقل طويلاً.

ومن هنا فإن التنمر على الشاب وسيم من ذوي الاحتياجات الخاصة، ابن الجزيرة، بسبب لباسه ليس نقداً للثوب بقدر ما هو كشف لحالة المتنمر نفسه. فالذي يحتاج إلى مجموعة تحيط بشاب مختلف عنها في اللباس لكي تضحك عليه أو تهينه أو تحقره، لا يقدم دليلاً على تفوقه، بل يقدم شهادة على هشاشته.

المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت إنتاج هذه الظاهرة بطريقة جديدة.

لم تعد السخرية تحتاج إلى شارع ومجموعة من الشبان. يكفي هاتف وحساب ومجموعة من المتابعين.

لكن الجوهر واحد.

أن تجعل من اختلاف الآخر مادة لإثبات تفوقك عليه.

وهذا مرض اجتماعي وانحطاط أخلاقي، لا يليق بمجتمع يريد أن يتقدم.

فالمدنية الحقيقية ليست في البنطال ولا في القميص ولا في الحذاء اللامع. وليست في طريقة نطق الكلمات ولا في عدد المقاهي التي تجلس فيها.

المدنية هي أن ترى إنساناً مختلفاً عنك فلا تحتاج إلى إهانته.

والتحضر الحقيقي هو أن تستطيع أن تجلس إلى رجل بلباس لا يشبه لباسك، وتستمع إلى كلامه قبل أن تحكم عليه.

أما أن يصبح الثوب معياراً للعقل، فهذه ليست مدنية، بل قبيلة جديدة ترتدي ثياباً حديثة.

ولعلنا نحتاج اليوم إلى أن نتخلص من هذه العقدة القديمة: عقدة أن هناك لباساً يدل على التقدم ولباساً يدل على التخلف، وأن هناك مدينة تملك الحقيقة وريفاً لا يملك منها شيئاً.

فالريف لم يكن يوماً مجرد مكان جغرافي.

منه جاء القمح، ومنها جاءت المواشي، ومنه خرج العمال والجنود والمعلمون والأطباء والكتاب والشعراء، وحمل أبناؤه ثقافتهم ولهجاتهم وذاكرتهم إلى المدن.

والمدينة بدورها ليست كياناً متفوقاً على الريف.

كلاهما جزء من الوطن.

لذلك، اتركوا الناس يلبسون ما يشاؤون.

من أراد أن يلبس البدلة فليلبسها، ومن أراد الشروال فليلبسه، ومن أراد العقال فليضعه، ومن أراد الكلابية فليرتدها.

أما العقل فلا يُلبس.

والحكمة لا تُشترى من متجر الملابس.

والتفوق لا يُعلق على الكتفين.

والرجل، في النهاية، لا يعرفه ثوبه، وإنما يعرفه ما يخرج من فمه وما يفعله حين يستطيع أن يؤذي إنساناً ولا يؤذيه.

كفاكم تنمراً يا قوم.

عيب أن يتحول اختلاف الثياب إلى سبب للإهانة.

والأكثر عيباً أن نسخر من لباس هنا، ثم نرتديه هناك لأن صاحبه أصبح في نظرنا أكثر قيمة.

الثوب بريء من كل هذه العقد.

فدعوه يستر أجسادكم، واتركوا العقول تتكلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى