البناء على تصريحات برّاك بشأن الجولان

   عمر كوش

كان لافتاً تأكيد السفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية والعراق، توماس برّاك، أنّ مرتفعات الجولان أرض سورية “لا تزال تحتلّها إسرائيل خلافاً لقرارات الأمم المتحدة والنظام الدولي الذي نصّ على أنّها ملك لسورية”، الأمر الذي أثار ردّاتِ فعل غاضبةً من حكومة اليمين المتطرّف الإسرائيلية، فسارع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى الردّ عليه، معتبراً تصريحاته هذه “مليئةً بالمغالطات والمواقف التي تُناقض موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه”.
جاءت تصريحات برّاك بعد غارات إسرائيلية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سورية، ولم تكن مجرّد ضربات استباقية لموقع عسكري، فالمطار خارج الخدمة منذ سنوات، بل أرادت إسرائيل إرسال رسالة تتجاوز المطار نفسه، تعكس ارتفاع مستوى الاشتباك غير المباشر مع تركيا داخل الأراضي السورية، بعد أن بات التعاون العسكري التركي السوري، الهادف إلى إعادة بناء قدرات الجيش السوري الجديد، جزءاً من معادلة أمنية تتداخل فيها حسابات الطرفَين التركي والإسرائيلي، ومصالحهما في سورية.

لا يزال موقف الحكومة السورية واضحاً من الناحيتَين، القانونية والسياسية، يتمثّل في اعتبار الجولان أرضاً سوريةً محتلّةً

كانت ذريعة حكومة الاحتلال أنّ غاراتها جاءت ردّاً على محاولة الأتراك تحويل المطار إلى قاعدة عسكرية، الأمر الذي يهدّد أمن إسرائيل، لذلك قرّرت حكومة نتنياهو توجيه رسالة إلى الحكومة التركية تحذّرها من مغبّة تثبيت نفوذها في سورية. وعليه، جاءت تصريحات برّاك عن الجولان لتذكّر مَن يتحدّث من ساسة إسرائيل عن نفوذ تركي في سورية بأنّ إسرائيل أيضاً لا تزال تحتلّ الجولان السوري، خلافاً لقرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية التي أقرّت بأنّها أراض سورية.
على الرغم من أنّ تصريحات برّاك تندرج في سياق تعارضها مع اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتلّ عام 2019، إبّان فترة الرئاسة الأولى للرئيس دونالد ترامب، إلّا أنّها ليست زلّة لسان، والرجل لا يتحدّث بصفته الشخصية، بل هومقرّب كثيراً من الرئيس ترامب، ويحمل صفة ممثّله الخاص إلى كلّ من سورية والعراق، فضلاً عن أنّه سفير لواشنطن لدى أنقرة، لذلك يمكن القول إنّ تصريحاته تعبّر عن امتعاض الإدارة الأميركية (أو على الأقلّ قسم منها) من السلوك الإسرائيلي حيال سورية التي بدأت علاقاتها تتحسّن كثيراً مع الولايات المتحدة، وحيال تركيا، حليفة الولايات المتحدة وعضو حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي تمكّنت من “تفادي الفخّ” الذي نصبه لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سورية، سعياً منه إلى زيادة رصيده الشخصي في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المزمع إجراؤها في أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، بحسب ما لمح إليه برّاك.
لا تريد الإدارة الأميركية اندلاع حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، في ظلّ سعيها إلى إنهاء الحرب على إيران، خصوصاً بعد أن تمكّنت من إلزام إسرائيل الكفّ عن محاولات العودة إلى تأجيجها، لذلك ظهر خلاف أميركي مع إسرائيل عقب الضربة على مطار أبو الظهور التي قوبلت بانتقادات أميركية، فحذّر برّاك من “خطر حقيقي” لتصعيد سريع ومواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا وسورية، وأكّد أنّ تركيا، وتحديداً الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، طرف مركزي في تشكيل النظام الإقليمي. غير أنّ السؤال هو: هل يمكن أن تستفيد الحكومة السورية من تصريحات برّاك حول الاحتلال الإسرائيلي للجولان؟
مبدئياً، يمكن البناء على تصريحاته، ولو على المدى الطويل، فلا يزال موقف الحكومة السورية واضحاً من الناحيتين، القانونية والسياسية، يتمثّل في اعتبار الجولان أرضاً سوريةً محتلّةً، ولا تعترف دمشق بالسيادة الإسرائيلية عليها، مع تمسّكها باستعادتها عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض مع إسرائيل في إطار أوسع يتعلّق بالأمن والسلام.
وقد رفضت سورية اعتراف كولومبيا بضمّ الجولان إلى إسرائيل، وأكّدت في 11 أغسطس/ آب الجاري أنّ الجولان “جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية”، وأنّها ستستخدم الوسائل الدبلوماسية والقانونية للدفاع عن سيادتها واستعادة الأراضي المحتلّة. وسبق أن أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في 26 يوليو/ تمّوز 2026 أنّ بلاده تسعى إلى التوصّل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمكن أن يمهّد لسلام أوسع، من دون التخلّي عن حقّ سورية في الجولان.

يمثّل تصريح برّاك بشّأن الجولان المحتلّ ورقةً سياسيةً مهمّةً لدى دمشق، حتّى إن كان لا يعني تغييراً رسمياً في السياسة الأميركية تجاه الاحتلال الإسرائيلي

ويمكن للإدارة السورية بناء استراتيجية متعدّدة الأدوات حيال قضية الجولان عبر اتّباع مسار تفاوضي، بوصفه المسار الأكثر واقعيةً في الظروف السورية الحالية، لأنّ استعادة الجولان لم تكن تاريخياً مسألة اعتراف بالحقّ السوري فقط، بل مسألة إجبار إسرائيل على تحويل هذا الاعتراف القانوني إلى قرار سياسي. ويمكن ربط أيّ اتفاق سلام مع إسرائيل بمبدأ استعادة الأراضي المحتلّة، خصوصاً إذا جرى التفاوض وفق مبدأ أنّ الجولان ليس أرضاً متنازعاً عليها بالمعنى القانوني الذي يسمح بتسويات مفتوحة، بل تحكمه قرارات دولية واضحة. فقد أكّد مجلس الأمن في القرار 497 لعام 1981 أنّ قرار إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على الجولان المحتلّ “باطل ولاغٍ، ومن دون أثر قانوني دولي”.
تحتاج الحكومة السورية استخدام أوراق ضغط سياسية من خلال بناء شبكة من المصالح الدولية. فالطريق الأكثر واقعية إلى الجولان يمرّ حالياً من دمشق إلى واشنطن وموسكو وأنقرة والعواصم العربية وسواها. ويمكن أن يمثّل تصريح برّاك بشّأن الجولان المحتلّ ورقةً سياسيةً مهمّةً لدى دمشق، حتّى إن كان لا يعني تغييراً رسمياً في السياسة الأميركية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، إلّا أنّه يمكن أن يزيد من الضغط على إسرائيل للعودة إلى مسار التفاوض. ويتلاقى ذلك مع تأكيد وزير الخارجية أسعد الشيباني أنّ سورية ما زالت مهتمّةً بالتوصّل إلى اتفاق لخفض التصعيد مع إسرائيل، على الرغم من الضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى