تونس… صيف ساخن لطاقة تحمّل محدودة

المهدي مبروك

بحسب معطيات المعهد الوطني للرصد الجوي (مؤسّسة عمومية)، يبدو أنّ صيف تونس كان الأشدّ حرارةً منذ عقود، وهي درجات حرارة قد تكون البلاد سجّلت سابقاً درجات تضاهيها أو تفوقها، ولكن تونس لم تشهد موجاتٍ متتاليةً من الحرارة كالتي شهدتها هذه السنة. ظلّت الحرارة مرتفعةً خلال ما يزيد على ثلاثة أشهر، وكانت لا تفصل الموجة عن التي تليها سوى أيّام قليلة، فلا يلتقط فيها التونسيون أنفاسهم حتّى تداهمهم موجةٌ أشدّ من التي سبقتها. وقد يتواصل الأمر في الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، وهو الشهر الأوّل من الخريف، ولكن يبدو أنّ فصل الصيف في تونس، وفي بلدان أخرى عديدة، يتمدّد على حساب الفصول الأخرى نتيجة التغيّرات المناخية الحادّة.
كان يمكن لهذا الصيف القائظ أن يمرّ من دون خسائر أو صخب، لكنّه أبى، دافعاً التونسيين إلى موجات غضب، فكلّما حلّت بهم موجة الحرّ ارتفع منسوب غضبهم من حكومة عجزت عن توفير أدنى مقومات الحياة لهم: الماء والكهرباء.

اندلعت عدّة احتجاجات عفوية سار فيها مواطنون في شوارع العاصمة خصوصاً، للتعبير عن استيائهم ممّا آلت إليه أوضاعهم

اندلعت عدّة احتجاجات عفوية سار فيها مواطنون في شوارع العاصمة خصوصاً، للتعبير عن استيائهم ممّا آلت إليه أوضاعهم، وهم لا يصدّقون وعود السلطة التي لا تزال تصرّ في خطابها على أنّها تقودهم إلى العلوّ الشاهق والازدهار والرخاء، وأنّ ما يجري بين حين وآخر ليس في النهاية سوى “بفعل فاعل”، إمّا خائن، أو متآمر، أو محتكر فاسد.
تكون الاستجابة الأولى تجاه هذه الاحتجاجات، عادة، هي فتح النيابة العامّة تحقيقاً قضائياً يطاول موظّفين بسطاء في الشركات الحكومية التي تقدّم لهم هذه الخدمات: الشركة الوطنية للكهرباء والغاز، والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. يعلم القاصي والداني أنّ هاتَين الشركتَين، وغيرهما، تعانيان بصفة هيكلية أزماتٍ ماليةً حادّة استفحلت منذ سنوات قليلة. تقادم التجهيزات، وأعداد الموظفين المرتفعة بحكم التوظيف العشوائي الذي عاشته تحت ضغط النقابات، فضلاً عن التغيّرات المناخية التي قلّصت قدرة شركة المياه على تخزين مياه الأمطار، أو تراجع قدرة شركة الكهرباء على إنتاج الغاز… كلّها من الأسباب الحقيقية.
الاستجابة الثانية إيقاف المحتجّين، مثلما وقع في مدينة المهدية السياحية التي احتج فيها عشرات الشبان إثر انقطاع مياه الشرب لأيّام متتالية، والحال أنّهم يرون أنّ المنطقة السياحية بالمدينة، التي تستقبل في الصيف مئات آلاف من السيّاح، تتمتّع بوفرة مستفزّة من المياه. غير أنّ تعاطف الناس مع هؤلاء الشبّان المحتجّين، الذين انتشر خبر إيقافهم في شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أنّ التهمة التي وُجهت إليهم كانت غريبة، وتمثّلت في تكوين وفاق إجرامي والتآمر على أمن البلاد، جعل السلطات تتراجع وتقرّر إطلاق سراحهم في اليوم التالي.
راهنت المعارضة، التي تشكو بدورها من ضعف وتشتّت، على استثمار هذه الأوضاع، علّها تكون فرصةً سانحةً لمزيد من الضغط على النظام، وهي تأمل أن يلتقي الشارعُ الاجتماعي الغاضب الشارعَ السياسي الساخط، غير أنّ النتيجة إلى حدّ الآن لا تزال دون المأمول.

توقّعت المعارضة أن يلتقي الشارعُ الاجتماعي الغاضب الشارعَ السياسي الساخط لكن النتيجة دون المأمول

حين خرجت المسيرة التي نُظِّمت خلال يوم الخميس الفائت، كان المنظّمون (مبادرة نفس) يأملون أن تكبر مثل كرة الثلج حين ينضمّ الشارع الاجتماعي المستاء إليهم، غير أنّ ذلك لم يحدث بالشكل المأمول. فقد تراجع نسبياً عدد المشاركين، على الرغم من الحجم المحترم للمسيرة، وهي التي تُنظَّم في أغسطس/ آب المعروف لدى التونسيين بأنّه شهر العطلة الصيفية المعمَّمة (يسمّي التونسيون عطلهم الصيفية، وتحديداً حين ترتبط بارتياد الشواطئ، بـ”الخلاعة”، التي تفيد في العربية الفصحى المجون والتهتّك واللهو)، كما أنّ حصة العمل تنتهي عند الساعة الثانية، ممّا يجعل العودة إلى شوارع العاصمة والمشاركة في مظاهرة تنطلق الساعة السادسة مساء التزاماً لا ينهض به إلّا الراسخون في النضال.
لذلك كلّه، لم تستفد التظاهرة من تواصل أزمة انقطاع المياه الصالحة للشرب، التي طاولت هذه المرّة المياه المعدنية التي اختفت من الأسواق، ولا تزال مختفيةً، على الرغم من قرار وزيرة التجارة رفع الأسعار الباهظة أصلاً. أمّا السبب الثاني الذي قد يكون وراء عدم توسّع المظاهرة حتّى في أوساط المتسيّسين، فهو الخلافات التي برزت في السطح قبل يوم من انطلاق المسيرة بين الأطراف التي قبلت العمل تحت مظلّة “مبادرة نفس”. كان يُفترَض أن يلتقي حزب عبير موسى، التي ترأسه وهي في السجن حالياً، مع حزب النهضة الذي يذهب إلى تجريمه وقد نكّل بهم. غير أنّ بعض أنصار النهضة عمدوا إلى القيام بتعبئة في شبكات التواصل الاجتماعي، ناشرين في الوقت نفسه فيديوهاتٍ وصوراً يظهر فيها الرئيس قيس سعيّد حاضراً دائماً في الصفّ الأوّل في أنشطة هذا الحزب حين كان في الحكم. لم يرقْ هذا أنصارَ هذا الحزب، وهو الذي ذهب إلى المشاركة تحت شعار “وحدة الساحات”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى