سوريا و”حزب الله”.. هل للسياسة ذاكرة أسماك؟

عبد الجبار جواش

“لا يوجد أي مانع من إجراء اللقاء العلني بين حزب الله والقيادة السورية في الوقت الذي يكون مناسباً بتقدير الطرفين”، بهذه العبارة لخّص أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم موقفه، ولا حاجة إلى السفسطة أو البحث عن تأويلات بعيدة لهذه الكلمات، فهي واضحة في معناها، غير أن هذه العبارة القصيرة التي لم تستغرق أكثر من ثوانٍ، حملت إلى مسامع السوريين حمولةً بشعةً جداً راكمها الحزب في الذاكرة السورية لأكثر من عشر سنوات، عندما قرر مساندة حليفه نظام الأسد المخلوع في حربه ضد شعبه، وهيّأ لذلك حججاً طائفية وأخرى مرتبطة بالمقاومة المزعومة، لا يتسع الوقت هنا لذكرها.

قبل الاستغراق قليلاً في الموقف السوري من هذه التصريحات، لا بد من بحث ما بين سطور نعيم قاسم، وهناك أسئلة مشروعة حول ذلك: فما وراء توقيت هذه المبادرة من حزب الله؟ وهل هي صحوة للحزب ومراجعة لسياساته؟ أم أنها لا تعدو كونها مناورة تعكس المأزق الذي يعيشه الحزب داخلياً، والمرتبطة بمفاوضات لبنان وإسرائيل التي يشكل نزع سلاح “حزب الله” نواتها، وسط دعوات أميركية متكررة لدمشق لإسناد هذا الملف لها في حال فشلت هذه المفاوضات؟ أو ربما يستشعر الحزب ظروف حرب إيران وأميركا، والتي تقول الوقائع إن كل سيناريوهاتها ستكون بالنسبة للحزب بين الأسوأ والأكثر سوءاً، ويريد إعادة تموضع جديدة في الإقليم تبدأ من إعادة رسم علاقته مع سوريا.

وبالانتقال إلى دمشق، التي لم يصدر عنها أي ردة فعل على إشارات “حزب الله” المفاجئة ومخاطبته ودّ سوريا، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى إعادة تعريف علاقاتها مع دول العالم ودول الإقليم بشكل خاص، و”حزب الله” سيكون جزءاً من هذه الاستراتيجية السورية عاجلاً أم آجلاً، فإعادة تشكيل العلاقة مع لبنان تستدعي بطبيعة الحال التطرق إلى العلاقة مع الحزب، والمسافة التي سترسمها دمشق معه كواقع لا مفر منه في المعادلة السياسية اللبنانية.

علاقة “حزب الله” بسوريا الجديدة هي علاقة دم وجغرافيا استُبيحت لأكثر من عقد في سبيل إنقاذ نظام الأسد المخلوع، الذي واجه ثورة شعبية

 

وهنا يطرح سؤالان كبيران: أولهما، هل هناك محرمات في السياسة ينبغي ألا يتم العبث بها في طريق البحث عن علاقات مع الآخرين؟ ولكن ما هو المحرم في الحالة السورية اليوم، بدون عناء البحث في الفقه، هو الذاكرة الشعبية السورية التي بُنيت خلال الثورة، فعلاقة “حزب الله” بسوريا الجديدة هي علاقة دم وجغرافيا استُبيحت لأكثر من عقد في سبيل إنقاذ نظام الأسد المخلوع، الذي واجه ثورة شعبية. وقد احتل “حزب الله” في أدبيات الثورة شخصية العدو، حتى أكثر من نظام الأسد ذاته في بعض المواقع.

لكن ثمة قائل بأن الخلاف هو ملح السياسة وخبزها وحبر تاريخها، وبأن السياسة هي فن الممكن، وفي هذا السياق يكمن السؤال الثاني: لماذا تواصلت دمشق مع موسكو؟ التي لم يختلف دورها إبان الثورة السورية عن دور “حزب الله” في دعم نظام الأسد المخلوع.

وعند الإجابة، قد تكون فكرة الواقعية والمصلحية هي الأقرب لتفسير سلوك السياسة الخارجية السورية في إعادة رسم هذه العلاقة، فالحديث هنا عن علاقة توصف بالدولية، أي بين دولتين، وعن دولة تربطها بسوريا كثير من الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية، والتي دفعت الرئيس الشرع إلى زيارة موسكو مرتين لبحث هذه العلاقة من جديد.

مع إشارات بعثتها دمشق بأن خياراتها ستبتعد عن روسيا في حال توفرت البدائل للانعتاق من التغلغل الروسي في ملفات سورية كثيرة على مدار أكثر من خمسين عاماً، ناهيك عن امتلاك روسيا لورقة الفيتو في مجلس الأمن، والتي قد تعرقل شيئاً من مسيرة الانتقال السياسي في سوريا إن رغبت موسكو بذلك، فدمشق التي تخطو مجدداً في حقل العلاقات الدولية لا تريد الاندفاع في بناء عداوة مع دولة بحجم روسيا، وباختصار، هناك ما تريده دمشق من موسكو.

فهل هناك ما تريده سوريا من “حزب الله”؟ وهل تنطبق هذه الواقعية والمصلحية على علاقة سوريا بالحزب؟ لا سبيل محدد للإجابة سوى أن دمشق ما زالت بدون ردة فعل واضحة على دعوات نعيم قاسم، هذا الصمت الذي يقابله ضجيج كبير في كواليس السياسة الإقليمية الحالية، وكسر للمعادلات القائمة، وإعادة توزيع للأدوار ونقاط الثقل داخل هذا الإقليم، التي يبدو حتى الآن بأنها ستكون على حساب إيران ومحورها.

فمتى سترد سوريا على دعوات “حزب الله”؟ وما طبيعة هذا الرد وشكله؟ أسئلة ينبغي ألا تغيب عن حسابات صانع القرار السوري، وهو يعيد بناء علاقاته مع القريب والبعيد، واضعاً في اعتباره أن ذاكرة الشعوب أكثر رسوخاً وديمومة من ذاكرة السياسة.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى