سوريا.. قوة الموقع

صفوان جمو

لسنوات طويلة، اعتاد العالم النظر إلى سوريا باعتبارها ساحة للصراع، وميداناً تتنافس فيه القوى الإقليمية والدولية على النفوذ. لكن سوريا الجديدة تستطيع أن تنظر إلى نفسها بطريقة مختلفة: دولة خارجة من حرب، نعم، لكنها تملك موقعاً جغرافياً وموارد وقدرات بشرية يمكن أن تجعلها لاعباً مهماً في صياغة مستقبل الشرق الأوسط، لا مجرد ساحة تتصارع فيها القوى الأخرى.

القوة في عالم اليوم لم تعد تقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والدبابات، بل أصبحت مرتبطة بالموقع، والمعلومات، والطاقة، والتكنولوجيا، والطرق التجارية، والقدرة على بناء التحالفات. وهذا تحديداً ما يمنح سوريا فرصة تاريخية جديدة.

فالجغرافيا السورية لم تتغير. سوريا تقع بين تركيا والعالم العربي، وبين العراق والبحر المتوسط، وعلى الطريق الذي يمكن أن يربط الخليج بأوروبا. وإذا استطاعت دمشق استثمار هذه الجغرافيا، فإنها تستطيع أن تتحول من دولة تقع وسط الصراعات إلى دولة تمر عبرها المصالح والحلول.

الطاقة يمكن أن تكون البداية. فإحياء خطوط نقل النفط والغاز من العراق، وتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية، يمكن أن يعيد لسوريا دورها كممر إقليمي للطاقة والتجارة. وفي عالم يبحث عن طرق جديدة للطاقة والنقل، تصبح الأراضي السورية قيمة استراتيجية يصعب تجاوزها.

لكن سوريا تحتاج أيضاً إلى تحالفات إقليمية جديدة تقوم على المصالح المشتركة، لا على المحاور المغلقة. ويمكن لدمشق أن تعمل مع تركيا والأردن والعراق ودول الخليج، ومع قوى دولية أخرى، لبناء منظومة أمن إقليمي تحمي الحدود وتكافح الإرهاب والجريمة المنظمة وتمنع عودة التنظيمات المسلحة.

وهنا يمكن لسوريا أن تؤدي دوراً مهماً في مواجهة أي تهديد إرهابي قد يأتي عبر الحدود العراقية أو اللبنانية، أو من شبكات مرتبطة بإيران أو غيرها. والمقصود ليس الدخول في حروب خارج الحدود، وإنما بناء قدرة سورية حديثة على حماية الحدود، وتبادل المعلومات، ومراقبة المجال الجوي، ومكافحة تهريب السلاح والمخدرات، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة. فاستقرار سوريا لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت حدودها مفتوحة أمام الفوضى الإقليمية.

وتقدم أوكرانيا درساً مهماً في هذا المجال. فقد أثبتت الحرب مع روسيا أن الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك القوة التقليدية الأكبر لكي تصمد؛ فالدرونات، والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، والقدرة على الابتكار السريع، أصبحت عناصر أساسية في الحرب الحديثة. وتؤكد دراسات حديثة أن الحرب الأوكرانية تحولت إلى منافسة تكنولوجية متسارعة، وأن الدرونات والقدرات بعيدة المدى والحرب الإلكترونية أصبحت جزءاً أساسياً من المعركة.

وهذا درس ينبغي أن تستفيد منه سوريا في بناء جيشها الجديد: جيش أصغر وأكثر احترافاً، يعتمد على التكنولوجيا والاستطلاع والدرونات والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، بدلاً من العودة إلى نموذج الجيوش الضخمة المكلفة. كما أن التعاون مع دول المنطقة يمكن أن يوفر مظلة أمنية أوسع من قدرة سوريا المنفردة.

وفي الوقت نفسه، تستطيع سوريا أن تتحول إلى جسر بين تركيا والخليج والعراق وأوروبا. تركيا تحتاج إلى الاستقرار والأسواق، والخليج يمتلك رأس المال، والعراق يمتلك موارد هائلة، وأوروبا تحتاج إلى الطاقة وممرات التجارة. وإذا نجحت دمشق في بناء علاقات متوازنة مع هذه الأطراف، فإنها لن تكون مجرد مستفيد من مشاريع الآخرين، بل شريكاً لا غنى عنه فيها.

ولا يعني ذلك الدخول في محور ضد محور. الانفتاح على تركيا لا يعني التبعية لها، والعلاقة مع الخليج لا تعني الارتهان له، والتعاون مع الولايات المتحدة لا يعني الدخول في محور أميركي، كما أن التفاوض مع إسرائيل لا يعني التخلي عن الحقوق السورية. بل إن الحوار الأمني مع إسرائيل، إذا اقترن بضمانات واضحة واحترام السيادة السورية، يمكن أن يفتح الباب أمام ترتيبات تساعد على تثبيت الاستقرار الإقليمي. وتأتي الدعوات الحالية لاستئناف المفاوضات الأمنية السورية–الإسرائيلية في هذا السياق.

لذلك فإن معركة سوريا الحقيقية في السنوات المقبلة ليست فقط إعادة إعمار الحجر، وإنما إعادة بناء الدور.

سوريا لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى من جيرانها لكي تصبح دولة مؤثرة. يكفي أن تجعل استقرارها وموقعها واقتصادها وأمنها مصلحة لهؤلاء الجيران.

**بعد أن كانت سوريا لسنوات ساحة يتصارع عليها الآخرون، تستطيع أن تصبح دولة يتنافس الآخرون على الشراكة معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى