أميركا تعيد ترتيب أولوياتها في منطقتنا العربية

  عبد المجيد عرفة

لم تكن تصريحات السفير الأمريكي في تركيا والمسؤول عن الملفّين السوري والعراقي توم باراك مجرد محاولة لملمة المصالح الامريكية التي كادت أن تتضرر على أثر الضربة الإسرائيلية  لمدرجات مطار أبو الظهور السوري ، الذي ساهم الأتراك بإعادة تأهيله. وكاد يحصل صدام عسكري بين حليفين استراتيجيين لامريكا؛ تركيا واسرائيل.

إسرائيل دولة فوق القانون.

لم يكن ينقص إسرائيل مبررا لتزداد عدوانيتها وخاصة عندما حصلت هجمات طوفان الاقصى عليها في غزة وتصرفت بعنف دمر اغلب غزة واسقط عشرات الالاف الضحايا .

اعتبرت اسرائيل ما حصل ضدها في طوفان الاقصى مبررا لها لتأخذ إجراءات عدوانية بحق حزب الله اللبناني وإيران بالاشتراك مع أمريكا التي ما زالت مستمرة الى وقتنا هذا وما زالت تبعاتها مستمرة.

ظهر ان اسرائيل لم تكن راضية عن اسقاط نظام الاسد الابن وقيام دولة الثورة السورية. حيث يظهر هذا التوافقات بين النظام البائد واسرائيل بالسر والعلن.

كان موقف دولة الثورة السورية بقيادة الرئيس احمد الشرع واضحا منذ البداية تجاه دول الجوار جميعا وضمنا إسرائيل أن لا نية عدوانية للدولة الجديدة، وان ما تريده هي الحفاظ على مصالحها، بخصوص العلاقة مع اسرائيل أوضحت موقفها بأنها مع الاستمرار على الوضع السابق ما قبل سقوط النظام البائد حسب خطوط اتفاق فك الاشتباك بين سورية واسرائيل المبرم برعاية أمريكية عام ١٩٧٤م.

كما رعت أمريكا مباحثات بين الدولة السورية الجديدة واسرائيل من اجل ابرام اتفاق وأن تكون سورية جزء من اتفاقات ابراهيم للسلام الشامل في المنطقة كلها.

تعثرت المفاوضات بمطالب إسرائيلية مستحيلة حول الجيش السوري وعدده و حدود تسلّحه ومكان تواجده ودوره. وأظهرت سورية أنها معنية الآن بالاستقرار في المنطقة وان هناك الجولان أرض سورية تحتلها اسرائيل. وأن البحث حول الاتفاقات الإبراهيمية سابق لأوانه قبل حل هذه الملفات واسترجاع الحقوق السورية.

من جهتها اسرائيل بدأت تتصرف بعقلية القوة الغير مضبوطة. وتوسعت على حساب الأرض السورية المجاورة للجولان المحتل على طول الحدود المشتركة. وبدأت بحفر خنادق ورفع سواتر وبناء عشرات التحصينات بعمق مئات الامتار ويزيد، وبدأت بتغلغلات عسكرية وتعديات مسلحة واعتقال بعض السوريين وقتل البعض ، وتصرفت اسرائيل وكأن سورية أرض مستباحة لها، برا وجوا وبحرا، حيث حاولت استفزاز الدولة السورية الجديدة، لكن سورية كانت تتصرف وفق حسابات اخرى.

الدولة السورية الجديدة وخططها.

كانت أولويات الدولة السورية الجديدة. توحيد الجغرافيا السورية، واعادة الاعمار، واعادة النازحين واللاجئين الى بلداتهم وبيوتهم. وخلق بيئة جاذبة استثمارية لامريكا ودول الخليج كلها، وتركيا وأوروبا. وجعلت توجهاتها السياسية قائمة على قاعدة المصالح المتبادلة، وقررت أن تحقق المصالحة الوطنية تحت شعار “نصر لا ثأر فيه”، وبنفس الوقت بنت مؤسسة لتحقيق العدالة الانتقالية والحفاظ على الحقوق الشخصية للسوريين جميعا بالقضاء العادل وجبر الضرر.

لذلك كان موقف الدولة السورية الجديدة هو أن تثبت الموقف مع إسرائيل حسب الوضع السابق حسب اتفاق فك الاشتباك لعام ١٩٧٤م.

لقد كان أمام سورية فرصة ان توطد تحالفاتها الدولية والعربية خاصة مع تركيا والسعودية وقطر وبقية دول الخليج. وبذلك بدأت باعادة تأهيل قواتها العسكرية التي كانت قد دمرت أغلب مخزونها إسرائيل بعد سقوط النظام البائد.

بدأ يظهر الطيران الحربي المقاتل والمروحي السوري في سماء سورية. وحصلت توافقات تركية وعربية مع سورية باعادة تأهيل قواتها العسكرية.

لم يكن ذلك ليرضي اسرائيل التي اعتقدت انها طفل أمريكا المدلل – وهي كذلك – تتصرف دون مراجعة وحساب، حيث مازالت تعيش نشوة حربها مع إيران بقيادة امريكية.

قررت اسرائيل منفردة وبدون تنسيق كافي مع امريكا ،على ما يبدو أن تظهر لتركيا أن سورية غير متاحة لها لتقوم بأي أعمال عسكرية او التواجد في الأراضي السورية، ومنها صيانة مطار أبو الظهور، وقصفت بطائراتها مدرجاته المصانة حديثا بمساعدة تركيا.

تركيا تقوم بما تراه لمصلحتها ومصلحة الدولة السورية الجديدة.

لم تقبل تركيا بقصف مدرجات مطار أبو الظهور السوري واستنفرت قواتها لاحتمال تماس عسكري وصدام يُعرف كيف يبدأ ولا يعرف كيف ينتهي؟.

لكن التدخل الأمريكي العلني عبر توم باراك رسم خطوطا استراتيجية جديدة في المنطقة  لامريكا واسرائيل وتركيا وسورية:

لقد تحدث توم باراك لقناة الجزيرة وأعلن مواقف مفاجئة ارادت ان تعيد تحجيم اسرائيل ودورها في المنطقة. قال الجولان ارض سورية محتلة، وان هناك موقف دولي يؤكد ذلك . وان الهجوم على مطار أبو الظهور غير مبرر. وأن هناك آلية تنسيق رباعية بين تركيا وسورية والاردن واسرائيل تتصرف اسرائيل دون الرجوع إلى هذه الآلية.

لم تكن تصريحات توم باراك لتمر دون شعور بالصفعة التي تلقتها إسرائيل من ممثل أمريكا بالمنطقة حيث استنفر كل مسؤوليها بدء من نتنياهو ووزير خارجيته ودفاعه وأمنه ورئاسة جيشه بأن موقف باراك هذا يتناقض مع موقف الرئيس ترامب من ضم الجولان لاسرائيل.

طبعا لم تنتهي تداعيات هذا الموقف الأمريكي الجديد عن الظهور تباعا. لكن هناك وضع جديد يتشكل:

كفى إسرائيل، التنمر في المنطقة يضر بامريكا ومصالحها ومصالح حلفائها. وان تركيا ومعها سوريا والسعودية ودول الخليج يشكلوا تحالفا قائما فعلا يدير الملفات السورية على كل المستويات ، بالطبع تنسيق يخدم مصالح الكل.

ولا يمكن أن نتجاوز عن حلف مكة الاسلامي الثلاثي بين السعودية برمزيتها و موقعها العربي وتركيا الصاعدة على كل المستويات وباكستان النووية والتي فتحت الباب ليلتحق بها العرب الآخرين خاصة مصر وسورية، وما زيارة الشيباني وزير خارجية سورية الى باكستان إلا خطوة بهذا الاتجاه. 

نختم بالقول إن هناك شرق أوسط جديد يتشكل تتصرف فيه أمريكا بمنطق المصالح المتبادلة بينها وبين دول المنطقة وأن اسرائيل واحدة من حلفائها في المنطقة وان سورية مهمة لها في ممرات البترول والغاز من العراق ودول الخليج وكذلك الترانزيت. وان سورية المستقرة مهمة بالنسبة للبنان والعراق وحتى اسرائيل. وان تركيا التي وجدت سورية نافذتها وبوابتها على سورية ذاتها ودول الخليج على كل المستويات .

عنوان المرحلة:

أمريكا تعيد تحجيم إسرائيل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى