
سعادة ترامب الغامرة باتفاقية مكّة، التي جمعت بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد، على ما يقول، يجب ألا تحجب عنّا رؤية المشهد في المنطقة بكلّ تعرّجاته وألوانه، بعيداً من مشاعر فرح واشنطن أو حزنها. وقد تكون هذه السعادة الظاهرة تنمّ عن قلق صامت، وعن إرادة في التقليل من الخسائر، ورغبة في توجيه المعاهدة نحو الوجهة التي يرغب فيها ترامب أو يحلم بها. فالسياسة الدولية لا تُقرأ من خلال موازين الحبّ والكره، أو الفرح والحبور، ولا من خلال ما يصرّح به الساسة في خطبهم، خصوصاً إذا تعلّق الأمر برجل مثل ترامب، ممَّن تمحو أقواله في المساء ما ذكره في الصباح. بل قد يكون المسكوت عنه في عالم السياسة والعلاقات الدولية أهم ممَّا يُصرَّح به.
على الرغم ممّا يشيعه الأميركيون من ارتياح، أو في الحدّ الأدنى عدم اعتراض على هذا الحلف، هناك حقيقتَان ثابتتَان للعيان. أولاهما، غضب دول الخليج من واشنطن بسبب جرّ المنطقة إلى مغامرة حرب غير محسوبة العواقب والمآلات، دفعت ثمنها عواصم الخليج كثيراً من أموالها واستقرارها، وحتّى أرواح مواطنيها. وثانيهما، أنّ هذا الحلف لم يكن من تدبير واشنطن، ولا كانت طرفاً مبادراً إلى تكوينه أو مشجّعاً عليه، إذا أخذنا في الاعتبار ثوابت الخطّ العام للسياسة الأميركية في المنطقة الذي يرتقي إلى مستوى الاستراتيجية العليا القائمة على إبعاد دول الإقليم عن بعضها بعضاً ما أمكن، اللّهم إلّا أن يكون هذا تحت المظلّة الأميركية ولغايات ظرفية محدّدة. وهذا ما يسمح بالقول إنّ اتفاقية مكّة ليست حلف بغداد جديداً، ذلك الحلف الذي تشكّل في خمسينيّات القرن الماضي في مواجهة الناصرية وصعود موجة القومية العربية، وجمع وقتها إيران وباكستان وتركيا، ومن خلفها بريطانيا.
وعلى الرغم من أنّ تفاصيل هذه المعاهدة ما زالت طي الكتمان، ولا نعلم عنها شيئاً على سبيل الدقّة، فإنّ القدر المعلوم يقيناً، ولا يحتاج إلى كبير جهد أو تنقيب لكشف شفرته أو شفراته، أنّ واشنطن عرضت على الرياض نقل تكنولوجيا نووية ردّاً على ما اعتبرته تهديداً إيرانياً. وقد تقدّمت المفاوضات ووصلت إلى منتهاها تقريباً، ولكنّ ترامب وضع الرياض في ربع الساعة الأخيرة أمام الخيار الصعب، وهو منح التكنولوجيا النووية مقابل الدخول في المعاهدات الإبراهيمية. وقد جاء الجواب مباشرةً، وبعد بضعة أيّام، من مكّة بتوقيع هذه المعاهدة التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان. فقد أرادت واشنطن أن تجعل من الاتفاق النووي مع السعودية مطيّةً لربط المملكة بالمظلّة الأمنية الإقليمية التي تمسك بقيادتها، أو بالأحرى سلّمت زمامها لحليفها الإسرائيلي نيابةً عنها، في وقت كانت الرياض تكتم غضبها، وتبحث عن تنويع علاقاتها العسكرية والأمنية.
ومن المؤكّد هنا أنّ دول هذا الحلف ليست من معسكر الممانعة أو المغالبة، ولا هي تطرح على نفسها مخاصمة الأميركيين أو التنغيص عليهم، بل تُعدّ من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، ولذلك، الأرجح أنّها مبادرة إقليمية، ووفق أجندات إقليمية، أكثر ممّا هي صناعة دولية أو أميركية تحديداً.
مثّل العدوان الإسرائيلي على غزّة، ومن بعده الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على طهران بكلّ تداعياتها، اختباراً جدّياً للنظام الإقليمي العربي المشلول من أصله. فقد كشفت هذه التطوّرات ما كان معلوماً بالضرورة من المشهد السياسي العربي، لكنّه ظلّ محلّ تجاهل وإنكار متعمَّدين عقوداً طويلةً، بما يشبه تناول حقن التخدير الذاتي هروباً من رؤية الواقع بكلّ أبعاده وألوانه، وهو غياب الحدّ الأدنى ممّا سُمّي تجاوزاً للأمن القومي العربي.
الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط لا يعني شيئاً سوى إعادة انتشار عسكري وفق أولوية الخطر الصيني ـ الروسي
إلّا أنّ الاختبار الأكبر كان للغطاء الأمني الأميركي، الذي كان موضع اطمئنان وتسليم من دول المنطقة منذ الخمسينيّات، بعدما استقرّت ناصية الأمور وثُبّتت مقاليد النظام الدولي لواشنطن على أنقاض الإمبراطوريات الأوروبية الغاربة. فالهجوم الإسرائيلي على الدوحة، في أجواء العدوان على غزّة، بغرض اغتيال قيادات فلسطينية من الصفّ الأوّل، من دون كابح أميركي، ومن بعده توريط المنطقة في حرب أميركية ـ إسرائيلية ضدّ إيران، من دون استشارة من يفترض فيهم أنّهم حلفاء، ولا أخذ مصالحهم أو مخاوفهم بالاعتبار، ثمّ توالي الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية ومراكز الطاقة في الخليج… ذلك كلّه أشعر الجميع، ودول الخليج العربية تحديداً، بأنّه لم يعد ممكناً ولا مناسباً التعويل على حماية أميركية غير قادرة على حماية نفسها، ولا تمتلك الإرادة لفعل ذلك أصلاً.
وعلى هذا الأساس، لم تكن معاهدة مكّة التي جمعت بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد إلّا ثمرةً مباشرةً من ثمار هذا الوضع السائل، وما تولَّد منه من صدمات وعي غير مسبوقة، وكأنّ لسان حال الثلاثي يقول، خفيةً وجهرةً، ما كان قد ذكره الرئيس المصري المطاح حسني مبارك ذات مرّة في فلتة لسان: “المتغطّي بالأميركان عريان”.
ما كان مبثوثاً في بطون كتب المتخصّصين وتقارير الخبراء أنّ واشنطن تنظر إلى المنطقة، بعربها وعجمها، من خلال العدسة الإسرائيلية، بات حقيقةً ملموسةً وشاخصةً وجليّةً على وقع سلسلة الحروب والأزمات المهندسة إسرائيلياً، والمنفَّذة أميركياً. هنا اكتشف العرب أنّ أمنهم العام ليس إلّا متناً صغيراً في النصّ الإسرائيلي الكبير، وقد صُنع في جملته وتفصيله لحماية تل أبيب وضمان تفوّقها العسكري والاستراتيجي على دول المنطقة، منفردةً أو مجتمعة.
وليست الاتفاقات الإبراهيمية ومشتقّاتها إلّا استكمالاً لهذه الرؤية التي تعاقبت الحكومات الأميركية على تثبيتها منذ الستينيّات. وحتّى ما يُشاع عن الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، الذي كثر الحديث عنه في السنوات الماضية، لا يعني شيئاً سوى إعادة انتشار عسكري وفق أولوية الخطر الصيني ـ الروسي، مع تسليم زمام المنطقة للوكيل الإسرائيلي حصرياً.
الشرق الأوسط لا يحضر عند ترامب اليوم إلا باعتباره آبار نفط، ومدّخراتٍ ماليةً ضخمةً يجب سحبها إلى الخزينة الأميركية
ما زاد في تعقيد المشهد العربي خاصّةً، والشرق أوسطي عموماً، هو حالة الفراغ الاستراتيجي والأمني التي باتت تتّسع يوماً بعد يوم. ويعود ذلك إلى انشغال الأميركيين في مواجهة الخطر الصيني ومعاركهم التجارية التي لا تنتهي، والحرب الروسية ـ الأوكرانية التي تقترب من سنتها الرابعة. يضاف إلى ذلك تركيز واشنطن على نفوذها في المجال الغربي الواسع، استناداً إلى نظرية مونرو التي أعاد ترامب تفسيرها ببصمته الخاصّة على نحو ما ظهر في استراتيجية الأمن القومي الجديدة، وسُمّيت بـ”نظرية دونرو”.
فالشرق الأوسط لا يحضر عند ترامب اليوم إلا باعتباره آبار نفط، ومدّخراتٍ ماليةً ضخمةً يجب سحبها إلى الخزينة الأميركية بتكديس الأسلحة والاستثمار في السوق الأميركية، تحت وابل التهديد والتهكّم على الدول والحكام. وفي هذا السياق العام، تأتي اتفاقية مكّة إجابة عملية ومباشرة عن حالة السيولة واللايقين وأجواء الفراغ الأمني المُستحكِم، ثمّ استخفاف ترامب بمصالح المنطقة ووضعها تحت خطّ النار. وبغضّ النظر عن دوافع الموقّعين عليها، ومن هو العدو أو من هم الأعداء الموجّهة ضدّهم، فهذه هي المرّة الأولى التي تتعالى فيها الدول الفاعلة في الإقليم على خلافاتها ومنافساتها بحثاً عن شراكة عامّة تلزمها الدفاع عن أمنها الجماعي، بل اعتبار الاعتداء على أيّ طرف منها اعتداءً على الآخرين، بما يشبه الفصل الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو).
طبعاً، هذا لا يعني أنّ هذه الدول الثلاث ستتّجه إلى تحشيد عساكرها واستخدام أسلحتها في مواجهة أيّ تحدٍّ أمني، كبيراً كان أم صغيراً، بقدر ما يعني استخدام قدراتها العسكرية جماعيّاً إذا تعلّق الأمر بخطر كبير وجدّي يواجه أيّاً منها، وترجمة ذلك إلى بناء قوّة ردع مشتركة من شأنها أن تمنع الحروب قبل وقوعها، وتفرض على أيّ طرف أن يفكّر في العدوان تقدير عواقب أفعاله. وفي موازاة ذلك، يعني الأمر بناء بنية تحتية للتكامل الأمني والعسكري بين الدول الثلاث، ومن ذلك التعاون في مجالات التصنيع العسكري، وتبادل الخبرات والتدريب، والتكامل الاستخباراتي، وغيرها. وهذه، في حدّ ذاتها، خطوة لا يمكن التقليل من شأنها.
المصدر: العربي الجديد






