الثالوث المدمّر

ماهر الوكاع

يُعدّ مفهوم «الثالوث المدمّر» الذي اجترحه الطبيب والسياسي ياسر العيتي من أدق التوصيفات لتشابك مصالح السلطة والمؤسسة الدينية وطبقة رجال الأعمال الطفيلية في دمشق مطلع القرن الحادي والعشرين. وهو الطرح الذي اعتمده توماس بيرييه في دراسته المرجعية «الدين والدولة في سوريا»، وتحديداً في فصل «تحالف العمامة ودفتر الشيكات»، لتفكيك شبكة التخادم البراغماتي بين هذه الأطراف، رغم الخلل الجوهري في موازين القوى لصالح الشق الأمني لنظام الأسد.

يلخّص العيتي ديناميكية هذا التحالف الثلاثي بصفقات نفعية متبادلة، فالشيخ يرى في السلطة حمايةً لجماعته، وفي التاجر مصدراً لتمويل جمعياته والمسؤول يستغل الشيخ لضبط الشارع، والتاجر لتحصيل مكاسب غير مشروعة مقابل التغاضي عن تجاوزاته والتاجر يشتري حماية المسؤول لتمرير فساده، ويسعى للتكفير عن ذنوبه عبر تمويل الشيخ بذهنية رشوة تتوهم شراء الخلاص في الآخرة.

بحسب بيرييه شكلت هذه المنظومة التبادلية ركيزة تماسك النخب السورية وتجاوز حالة الريبة والازدراء المتبادل بينها، ما وفّر للنظام شبكة أمان داخلية ومكّنه من تجاوز أزمة السياسة الخارجية الحادة بين عامي 2004 و2006 رغم التكهنات الغربية آنذاك بقرب سقوطه.

ولعلّ محمد حمشو، عبر زيارته للشيخ أسامة الرفاعي وحرصه على نشر صورتها، يسعى إلى حجز موطئ قدم له في أيّ تحالف ثلاثي قد يتشكّل في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، فضلاً عن تذكير الشيخ بتلك اللقاءات الودية التي جمعتهما قبل قرابة عقدين، وهي الروابط التي وثّقها بيرييه في معرض تناوله لانتخابات مجلس الشعب عام 2007 حين قال: “أما «جماعة زيد»، فقد ساهمت بدورها في حملة حمشو وزملائه في القائمة، ولكن بطريقة أكثر تحفظاً وتكتماً. فخلال حضورهم احتفالاً بالمولد أُقيم في سوق باب سريجة برعاية سارية الرفاعي، لم يُدعَ المرشحون للحديث ولم يُذكروا حتى في المواعظ، إلا أن الجمهور استطاع رؤية العناق الحار المليء بالمودة الذي خص به الرفاعي زواره”.

وإذا كانت ثنائية «العمامة والسيف» قد قادت تراجع العالم الإسلامي تاريخياً وفق أطروحة أحمد كورو، فإن «الثالوث» يمثل امتداداً بنيوياً لها ساعد في تثبيت أركان النظام، ويوضح كتاب بيرييه كيف تحول رجال الدين إلى إحدى ركائزه الأساسية.

الأفول الطوعي للأرستقراطية الدينية

تعود جذور التحالف البنيوي بين النخبة الدينية والطبقة البرجوازية في دمشق إلى المرحلة العثمانية، حيث استند كبار العلماء التقليديين إلى عوائد الأوقاف والملكيات العقارية والتجارة الكبرى، ومثل هذا النموذج أعيان بارزون من قبيل سعيد الحمزاوي، آخر نقباء الأشراف، وعبد القادر الخطيب، خطيب الجامع الأموي ورئيس غرفة تجارة دمشق عام 1914 وجدّ الشيخ أحمد معاذ الخطيب.

في أواخر العصر العثماني ومطلع الانتداب الفرنسي، تعرضت المؤسسة الدينية التقليدية لما يمكن توصيفه بـ «التهديد الوجودي الأول»، والذي لم يتخذ طابعاً قمعياً مباشراً، بل تجلى في صورة صدمة التحديث.

تاريخياً، احتكرت عائلات دمشقية أرستقراطية (مثل: الغزي، الشطي، الحمزاوي، وغيرها) مناصب الفتيا، والقضاء الشرعي، ونظارة الأوقاف الكبرى لقرون، مشكلةً طبقة أعيان متداخلة النسب والمصالح. ومع ذلك، فإن دخول أنماط التعليم الحديثة (كـ «مكتب عنبر» بدمشق)، وتأسيس الجامعات ذات الطراز الغربي، وإرساء بيروقراطية الدولة الحديثة، أحدث زلزالاً في منظومة التراتبية الاجتماعية.

أدركت النخبة الأرستقراطية الحاكمة للحقل الديني مبكراً أن رأس المال الرمزي والمادي لم يعد يمر بالضرورة عبر حلقات المساجد القديمة، أو تولي الإمامة وتدريس المتون الفقهية، بل بات مرتبطاً بحيازة المهن الحديثة (كالمحاماة، والطب، والوظائف الإدارية العليا). وبناءً عليه، شهدت تلك الحقبة ما يمكن تسميته بـ «التخلي الطوعي عن العمامة»، حيث وجّه أعيان دمشق أبناءهم نحو جامعات باريس وإسطنبول لتبوء المواقع القيادية في الدولة. هذا الانسحاب النخبوي أفرز فراغاً مؤسسياً كاد يُفضي إلى شلل المؤسسة التقليدية واندثارها.

أطلق تراجع الأسر الأرستقراطية تحولاً ديمغرافياً أعاد تشكيل الهرمية الدينية من أسفل إلى أعلى، إذ ملأ الفراغ جيل جديد وافد من هوامش المركز الدمشقي التقليدي، تمثل في أبناء الطبقات الوسطى الصاعدة، والحرفيين، وصغار التجار، إلى جانب القادمين من الأرياف والمناطق الطرفية وخلفيات غير محلية.

جسّد الشيخ بدر الدين الحسني هذا التحول بارتقائه إلى المرجعية الروحية والعلمية في دمشق بمعزل عن النسب الأرستقراطي، مما حرر السلطة الدينية من التوارث الطبقي وربطها بالكفاءة والزهد والنفوذ الشعبي، مفسحاً المجال أمام بنية جديدة أكثر قدرة على التكيف مع تحولات القرن العشرين مقارنة بنخبة الأعيان التقليدية.

صدمة تفكيك الأوقاف

شكّلت الأوقاف تاريخياً الركيزة المادية المستقلة لعلماء الدين عبر منظومة متكاملة من العقارات والأراضي والأسواق، مما حصّنهم ضد تقلبات السلطة. لكن في الحقبة البعثية، عمدت الدولة إلى إحكام سيطرتها المباشرة على هذه الأصول وتأميمها عبر وزارة رسمية، بهدف تجفيف المنابع المالية المستقلة للعلماء وتحويلهم إلى موظفين عموميين مرهونين بالراتب والتعيين الحكومي.

تجاوز الجيل الجديد من العلماء صدمة تفكك ريع الأوقاف القديمة عبر نسج تحالف عضوي مع الطبقة التجارية الصاعدة في أسواق دمشق وحلب، مستفيدين من ابتعادهم التاريخي عن طبقة الأعيان وانخراطهم الذاتي في الحرف والتجارة، كعلي الدقر وحسن حبنكة وصالح الفرفور وعبد الله سراج الدين. تحول هذا التمازج الطبقي إلى شبكة تمويل أهلي لا مركزية قائمة على السيولة النقدية بدلاً من الأصول العقارية الثابتة، ما منح الحقل الديني استقلالية عصية على المصادرة، ورسخ وشائج اجتماعية عميقة تجلت في تتلمذ أبناء التجار لدى هؤلاء الشيوخ ومشاركتهم في مجالس دعوية ومناسبات دورية وظفت لحشد الموارد وتشييد المعاهد والمساجد.

توازى هذا الحراك مع مأسسة العمل الإغاثي والتنموي في الخمسينيات عبر تأسيس جمعيات الأحياء الخيرية واتحادها بدمشق، وصولاً إلى مبادرات أوسع كشبكة النهضة الإسلامية التي جمعت أقطاباً كـ محمد الحامد وعبد الكريم الرفاعي ومحمد النبهان، لترسيخ نموذج يجمع التأهيل المهني بالانضباط الأخلاقي المحافظ.

مشروع «المهندس التقي»

في مواجهة احتكار الدولة للتعليم الجماهيري وجاذبية الشهادات الجامعية التي تضمن الصعود الوظيفي، أدركت النخب الدينية أن الاقتصار على أساليب التحصيل القروسطية يهدد بعزل المؤسسة الدينية وتهميشها ثقافياً، فتمثل ردها في تبني «عصرنة تربوية هجينة» تجمع بين أصالة المتن التقليدي وأدوات الإدارة الحديثة. تجلى ذلك في تحديث المعاهد الشرعية من خلال إعادة تنظيم مؤسسات مثل «المدرسة الخسروية» في حلب، وتأسيس «الجمعية الغراء» و«معهد الفتح الإسلامي» في دمشق عبر إدخال المقاعد الدراسية، والامتحانات الدورية المنهجية، وتصنيف المناهج.

تزامن ذلك مع ابتكار نظام «الحلقة» ضمن تجربة جماعة زيد، حيث قاد الشيخ عبد الكريم الرفاعي في جامع زيد بن ثابت بدمشق تحولاً استراتيجياً نوعياً تجاوز به الصراع الصفري مع التعليم الجامعي العلماني نحو بناء جامعة قيمية واجتماعية موازية داخل المسجد. وقد استوعب هذا النموذج الآلاف من طلاب الكليات العلمية كالهندسة والطب والعلوم الطبيعية، لا سيما القادمين من الأرياف والبلدات الصغيرة ممن واجهوا صدمة الاغتراب في البيئة المدينية والتأدلج السياسي المفروض داخل الجامعات الحكومية.

وفر المسجد لهؤلاء شبكة تضامن اجتماعي ونفسي عبر تقديم دروس تقوية أكاديمية مجانية في العلوم الدقيقة، مع تخفيف تعقيد المتطلبات الفقهية التخصصية لصالح الحد الأدنى من التأهيل الشرعي التطبيقي. وبذلك أفرز هذا التكتيك غاية محددة لم تكن استهداف تخريج علماء دين تقليديين، بل إنتاج نموذج «المهندس التقي» و«الطبيب الفقيه»، بغية زرع كوادر تدين بالولاء للشبكة الدينية في قلب النخبة التكنوقراطية والمهنية التي تقود مؤسسات الدولة والمجتمع.

معضلة الفراغ ومحدودية القمع الخشن

لم يكن بالإمكان الحفاظ على هذا التمدد الاجتماعي في الظل بصورة دائمة. فمع أواخر سبعينيات القرن العشرين، أدى التسييس المتسارع والانغلاق العام إلى انزياح أجنحة من الشباب المتدين (ولا سيما من حملة الشهادات العلمية والتقنية الذين تخرجوا من تلك الأوساط) نحو الخيار العسكري ضد النظام، متمثلاً في «الطليعة المقاتلة» وجماعة الإخوان المسلمين.

واجه نظام الأسد الأب هذا التحدي باللجوء إلى القمع العسكري الشامل،والذي بلغت ذروته في مجزرة حماة عام 1982، وحملات الاعتقال الواسعة، والنفي القسري لرموز دينية فاعلة. غير أن هذا الحسم الأمني فرض على النظام مأزقاً استراتيجياً جديداً تمثل في معضلة ما بعد السحق الأمني، إذ أدركت السلطة أن المجتمع يحتفظ بصبغة محافظة عميقة، وأن استئصال الفواعل الدينية يخلق فراغاً خطيراً قد يمتلئ مجدداً بتنظيمات سرية غير قابلة للاحتواء، مما جعل إعادة ضبط الحقل الديني ضرورة أمنية وسياسية ملحة.

وفي مقاربة هذه المعضلة ضمن استراتيجية «المقاولة من الباطن» وخصخصة الضبط الاجتماعي، تجنب النظام استنساخ النموذج المصري الناصري القائم على «التأميم البيروقراطي الشامل للدين» وإدماج المؤسسة بالكامل في هيكل الدولة، خشية أن يؤدي الدمج المباشر إلى منح الحقل الديني نفوذاً تشريعياً ودستورياً يهدد توازنات النظام الداخلية.

بدلاً من ذلك، ابتكر النظام صيغة قائمة على «المقاولة من الباطن»، تمثلت آليتها في منح الضوء الأخضر لشبكات دينية أهلية منتقاة بعناية لإدارة الشأن اليومي للمساجد والتعليم الشرعي والعمل الخيري خارج الميزانية الرسمية للدولة، ضمن مقايضة يلتزم فيها «المقاول الديني» بضمان الاستقرار الاجتماعي، وتأطير الجماهير، وتجريد الخطاب الديني من أي حمولة سياسية معارضة، في مقابل حصوله على هامش واسع للحركة وتوسيع شبكاته الاجتماعية.

وقد برزت هذه الصيغة عملياً عبر شخصيات اتسمت ببراغماتية عالية، تصدرها المفتي العام أحمد كفتارو الذي وظف مجمع أبو النور لبناء شبكة تعليمية وصوفية عابرة للحدود مقدماً خطاباً يركز على التوافق مع الدولة والحوار بين الأديان والعمل التنموي، إلى جانب الشيخ محمد النبهان في حلب الذي أسس شبكة «الكلتاوية» مستوعباً الأوساط العشائرية والريفية، وموفراً صمام أمان حمى هوامش المجتمع من الانزلاق نحو التمرد الراديكالي.

من البوطي إلى الفضاء المفتوح

أظهرت الشبكات الدينية في سوريا، منذ التسعينيات ومطلع الألفية، قدرة على التكيف عبر تكامل مساراتها الفكرية والميدانية، إذ قاد محمد سعيد رمضان البوطي وساطات غير معلنة أتاحت عودة بعض علماء دمشق، وتكامل دور المعاهد الشرعية في إعداد النخبة مع صعود دعاة الإعلام، كـ محمد راتب النابلسي، لاستقطاب الطبقة الوسطى.

ورغم محاولة النظام ضبط الواجهة الرسمية بتعيين أحمد بدر الدين حسون مفتياً عاماً لتقديم خطاب توفيقي موجه للخارج، ظلت قوى التأثير الفعلي مرتكزة في القواعد والشبكات الوسيطة. ومع التحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي وتراجع الرعاية الحكومية، ملأت «جماعة زيد» الفراغ لتسكين المجتمع ومنع انفجاره مستندة إلى تحالفها الوثيق مع تجار دمشق، فقاد سارية الرفاعي كبرى المشاريع والصناديق الإغاثية، بينما مارس نعيم العرقسوسي دور الوسيط المالي والاجتماعي وفض النزاعات كبديل عن المنظومة المصرفية. هذا التفوق المالي والشبكي كشف عجز المؤسسات المرتبطة بالسلطة، كـ مجمع كفتارو ومعهد الفتح، عن مجاراة النفوذ الأهلي، ورسخ خطاباً مشيخياً يشرعن مراكمة الثروة ويدمج العمل التجاري بالعبادة، مع ربط الإنفاق الخيري بالإنتاجية، في بيئة غاب عنها الزهد الفردي لصالح وجاهة دينية تبرر رغد العيش بالبذل والتطهير المالي.

بلغ هذا التشابك ذروته في انتخابات مجلس الشعب عام 2007، حيث تلاقت النخبة الدينية مع رموز رأسمالية المحاسيب المرتبطة بالبنية العسكرية والأمنية. تصدر محمد حمشو في دمشق «قائمة الفيحاء» متحالفاً مع الداعية عبد السلام راجح، مستثمراً تمويله ومساهمات شركائه للمؤسسات والجمعيات الدينية، فضلاً عن مباركة سارية الرفاعي كما ذكرنا سابقا، لينافس «قائمة الشام» التي ضمت هاشم العقاد ومحمد حبش، إلى جانب مرشحين استندوا إلى إرثهم العائلي الديني كأنس البغا وعمر الحلاق.

توج هذا المسار باندماج الفقهاء في الاقتصاد المعولم عبر فتح المصارف وشركات التأمين الإسلامية عام 2005، حيث تسابقت البنوك لضم خبراء مثل عبد الستار أبو غدة والاستفادة من المكانة الرمزية لعلماء بارزين في هيئات الرقابة الشرعية، ومنهم وهبة الزحيلي ومحمد سعيد رمضان البوطي ومفتي دمشق عبد الفتاح البزم. وقد أفضت هذه الصيرورة التاريخية إلى تكريس ما نعته ياسر العيتي بالثالوث المدمر.

اختبار 2011 وانكشاف المقايضة

مع اندلاع الثورة عام 2011، وُضِعت الهياكل الدينية التقليدية أمام استحقاق وجودي عَرّى عقوداً من البراغماتية وكشف عجز «المؤسسة» عن قيادة الشارع أو ضبط مساراته. فبينما استبسل تيار البلاط في تجريم المتظاهرين وشيطنتهم كما فعل البوطي وحسون، تبيّن أن حتى الشبكات التي حافظت على استقلالها النسبي وظلت تحتفظ بخطوط رجعة مع النظام، كـ «جماعة زيد»، اصطدمت بحدود مناورتها التاريخية؛ إذ لم تستطع تدارك الفجوة الهائلة بين خطاب المشيخة الحذر وتطلعات جيل شاب تجاوز وصايتها وكسر حاجز الخوف.

ورغم تسجيل مواقف شجاعة ومبكرة، كالبيان الحاد لعلماء دمشق تنديداً باجتياح حماة في آب 2011، وانحياز مفتي حلب إبراهيم السلقيني، وصولاً إلى الاعتداء الأمني على أسامة الرفاعي في مسجده بكفرسوسة وانخراط كوادر الصف الثاني والثالث في الحراك الثوري، إلا أن هذا التحول ظل مقيداً بعقلية إدارة الأزمات لا صناعة التغيير. لقد كشف رفض سارية الرفاعي لخطاب «الجهاد المسلح» عن قراءة فقهية حذرة أثبتت الوقائع وجاهتها لاحقاً، غير أنها بدت في لحظتها عاجزة عن تقديم بديل عملي أمام آلة القمع الوحشية للنظام.

هذا العجز البنيوي للنخب الدينية التقليدية، مقروناً بالعنف العاري للأجهزة الأمنية، ترك فراغاً قيادياً مدوياً، فلم يستطع «فقه التهدئة» استيعاب الزخم الثوري، ما دفع القطاعات الواسعة من الشباب المحبط والمستهدف عسكرياً إلى الارتماء في أحضان التيارات السلفية. لقد أسقطت الثورة رهان النظام على تدجين الحقل الديني عبر «المقاولة من الباطن»، لكنها في المقابل كشفت إفلاس النخبة المشيخية التي راهنت طويلاً على توازنات الاستقرار والمساومات الضمنية، لتجد نفسها مشتتة بين بطش السلطة، وعجز خطابها التقليدي، وتطرف بعض الفصائل التي ملأت فراغ المؤسسة المأزومة.

إن كتاب “الدين والدولة في سوريا” وثيقة تشريحية تحذر من الخطر الوجودي الذي يتهدد المؤسسات الدينية عندما تبرم عقدها الفاوستي مع الاستبداد.

إن الدرس الأكثر عمقاً الذي تقدمه الثورة السورية يفيد بأن المؤسسة الدينية التي ترتضي لنفسها أن تكون أداة في يد السلطة الشمولية، تفقد في النهاية سبب وجودها الأخلاقي. وهو مشهدٌ يجسد المآل الحتمي حين ينفصل الفقه عن كرامة الإنسان، ويرتهن محراب العبادة لسطوة المستبد.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى