“العفو العام” في لبنان: بوابة جديدة لتصفير الأزمات وبناء الثقة مع دمشق

مالك الهزاع

​شكّل ملف “قانون العفو العام” في لبنان، لعقود طويلة، شائكةً سياسية وقضائية معقدة؛ نظرًا لتشابكه مع توازنات طائفية ودواعٍ أمنية حساسة.

غير أن النظر إلى هذا القانون من زاوية أوسع يُظهر أنه يتجاوز كونه إجراءً لتخفيف اكتظاظ السجون، ليصبح ضرورة إستراتيجية لبناء صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية-السورية، خاصة بعد سقوط نظام الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم.

 “تفكيك تركة سنوات الثورة

تحتفظ السجون اللبنانية بملفات آلاف الموقوفين، بينهم مئات السوريين واللبنانيين المتهمين في قضايا مرتبطة بأحداث ومعارك جرت على خلفية الثورة السورية وتداعياتها على الداخل اللبناني. إن إبقاء هذه الملفات معلقة دون محاكمات عادلة وسريعة ظل يغذي مشاعر الاحتقان والارتياب بين الطرفين، كما أن تدخل النظام السوري البائد من خلال بعض حلفائه في لبنان لاستخدام بعض القضاء في قمع أنصار الثورة السورية أورث مظلوميات كثيرة لم يعد من الممكن تجاهلها اليوم مع فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، ويُعتبر صدور عفو عام مدروس “كالقانون الذي أقره مجلس النواب مؤخراً” متنفساً أساسياً يُسهم في إغلاق ملفات طال أمدها، وتصفية الذيلول الأمنية والسياسية للسنوات الماضية.

 ​”قيادة شجاعة ورؤية إنقاذية للرئيس جوزاف عون

في هذا السياق، تبرز الشجاعة الاستثنائية للرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي أثبت من خلال دفع هكذا خطوات نبيلة أنه رجل دولة يضع مصلحة البلاد والسلم الأهلي فوق أي حسابات ضيقة. إن تبني الرئيس عون لقانون “العفو العام” وتفكيك الألغام السياسية والإنسانية يعكس رؤية ثاقبة تهدف إلى لمّ الشمل وترميم الأنسجة الاجتماعية والمجتمعية، ليس فقط داخل البيت اللبناني، بل وفي إطار بناء علاقات إقليمية متوازنة قائمة على المصارحة والدبلوماسية الحكيمة.

 ​”تخفيف التوتر الداخلي والبعد الإنساني

يرتبط ملف السجناء بتوترات شعبية وإنسانية تمتد عبر الحدود، لا سيما لدى عائلات الموقوفين في الشمال والبقاع وفي المناطق السورية المجاورة. إن معالجة هذه القضايا عبر التشريع توفر مدخلاً لإعادة بناء الثقة المجتمعية، وتنزع فتيل الشحن الطائفي والسياسي الذي طالما استُخدم كأداة للمزايدات والتصعيد.

إن إقرار العفو العام يمهد لتأطير العلاقات الرسمية والأمنية بين بيروت ودمشق على أسس “دولة لدولة”، بعيداً عن ملفات الابتزاز السياسي أو الملفات الضاغطة؛ فهو يتيح حلاً لمشكلة مئات الموقوفين السوريين في لبنان الذين بقوا دون محاكمات لسنوات طويلة، ويعزز إمكانية تنشيط الاتفاقيات القضائية وتسليم المحكومين وفق الأطر الرسمية المستقرة، كما يمثل حلاً مقبولاً لرفع الظلم عن المحكومين السوريين على خلفية الثورة السورية والذين تم ترحيلهم مؤخراً إلى سوريا، ولا يزالون قيد التوقيف في عدد من السجون السورية، بناءً على اتفاقية نقل المحكومين السوريين التي تم توقيعها بين البلدين.

​ختاماً، إن إقرار قانون العفو العام ليس مجرد تسوية داخلية لمعالجة واقع أليم داخل السجون، بل هو خطوة شجاعة لطي صفحة من التشنج، وتأسيس علاقات متوازنة ومستقرة تقوم على المصلحة المشتركة والتعاون الإقليمي المستدام بين بلدين جارين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى