
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرّرة في 23 الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، يجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام اختبار يتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة، ويتصل بصورة الحزب عن نفسه وعن وعوده ومواقفه. فقضية التطبيع مع إسرائيل التي كانت من أكثر القضايا إحراجا للحزب منذ توقيع اتفاقات استئناف العلاقات في ديسمبر/ كانون الأول 2020، عادت إلى واجهة خطابه، ولكن من موقع مختلف تماماً عن ذلك الذي اتخذه الحزب في البداية. فالحزب الذي وقف أمينه العام السابق سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة، وراء توقيع الاتفاقات المشؤومة في 2020، ودافعت قيادته آنذاك عن القرار باعتباره من القرارات السيادية للدولة، يتبنّى اليوم خطاباً أكثر انتقاداً للتطبيع. وقد وصف العثماني لاحقاً لحظة التوقيع بأنها كانت “مؤلمة وصعبة جدّا”، فيما انتقل عبد الإله بنكيران، الذي كان قد دافع في 2020 عن ضرورة الانسجام مع قرار الدولة، إلى وصف التطبيع بالخطأ، ثم إلى الدعوة إلى إعادة النظر فيه. وفي سبتمبر 2024 جدّدت الأمانة العامة للحزب دعوته إلى قطع العلاقات وإلغاء اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.
ليس هذا التحوّل تفصيلا في خطاب الحزب، بل مراجعة سياسية واضحة، غير أن قيمة المراجعة لا تقاس فقط بمدى ارتفاع سقف الخطاب، وإنما بمدى استعداد الحزب لتحويل موقفه الجديد إلى التزام سياسي قابل للمحاسبة. وهنا تحديداً تبدأ منطقة الغموض. فأدبيات الحزب أصبحت أكثر صراحة من مواقف قيادته السابقة بعدما أكّد البيان الختامي للمؤتمر الوطني التاسع المنعقد في 2025 موقف الحزب الرافض للتطبيع، فيما سبقت هذا مواقف رسمية دعت إلى قطع العلاقات وإلغاء تلك الاتفاقيات المشؤومة، ويعني هذا أن الحزب لم يعد يكتفي برفض أخلاقي وسياسي عام، وإنما بات يتبنّى، على مستوى الخطاب التنظيمي، مطالب سياسية محددة.
لكن الانتقال من الموقف المبدئي إلى الالتزام الحكومي يظل الحلقة المفقودة، فلا يظهر في الخطاب الانتخابي المنشور للحزب تعهد صريح يربط مشاركته المقبلة في الحكومة بإلغاء اتفاقيات التطبيع، أو يوضح ما إذا كان الحزب سيعمل على إنهائها في حال تصدر الانتخابات أو مشاركته في أغلبية حكومية. فإذا كان الحزب يطالب اليوم بإلغاء كل أشكال التطبيع وقطع العلاقات، فإن تحويل هذا الموقف إلى التزام انتخابي لا يفترض أكثر من تحديد ما إذا كان هذا المطلب سيصبح سياسة حكومية في حال وصوله إلى السلطة. أما إبقاؤه في مستوى الخطاب السياسي العام، مع ترك كيفية التعامل معه في حال عودته إلى الحكومة مفتوحة، فيعيد إنتاج المشكلة التي أضعفت مصداقية الحزب في 2020.
كان التطبيع من بين الملفّات التي عمّقت الفجوة بين الحزب وجزء من قاعدته السياسية والدعوية
كان توقيع الحزب في ذلك الوقت محكوما بمنطق مفاده بأن التطبيع قرار دولة، وأن الحزب لا يستطيع أن يتعامل معه قراراً حزبياً قابلاً للرفض. لكن هذا التبرير الذي كان له منطقه داخل تفكير قيادة الحزب آنذاك يطرح اليوم مشكلة سياسية على الحزب نفسه. فإذا كان القرار في 2020 قراراً للدولة، ولا يملك الحزب إلا الانسجام معه، فما الذي يجعل الموقف الجديد قابلا للتحول إلى سياسة حكومية إذا عاد الحزب غداً إلى السلطة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بسبب ما حدث في انتخابات 2021، عندما تراجعت مقاعد الحزب داخل البرلمان من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 مقعداً فقط، في واحدة من أكبر الانتكاسات الانتخابية التي عرفها حزب سياسي مغربي. ولا يمكن اختزال تلك الهزيمة في التطبيع وحده، إذ ساهمت فيها أيضاً حصيلة تجربته الحكومية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تبنّاها، والخلافات الداخلية بين قياداته، وغيرها من العوامل. لكن التطبيع كان من بين الملفّات التي عمّقت الفجوة بين الحزب وجزء من قاعدته السياسية والدعوية.
من هذه الزاوية، يمكن فهم التحوّل الحالي في خطاب بنكيران والحزب، باعتباره محاولة لإعادة وصل ما انقطع مع حركة التوحيد والإصلاح، الحاضنة الدعوية التاريخية لجزء كبير من أبناء الحزب وقياداته. ومعلوم أن هذه الحركة كانت لها مواقف واضحة مناهضة للتطبيع ورفضت صراحة اتفاقات 2020، ولذلك يمكن لمراجعة الحزب موقفه من التطبيع أن تساعده على استعادة جزء من الثقة داخل بيئته التقليدية، خصوصاً في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة وما تركته من أثر واسع لدى الرأي العام المغربي المساند بطبعه للقضية الفلسطينية.
سيحاسب الناخب المغربي الأحزاب على الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم… . لكن قضية التطبيع يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً
لكن استعادة القاعدة شيء، واستعادة المصداقية شيء آخر، فالناخب الذي عاقب الحزب في 2021 بسبب ما اعتبره تخلّيا عن مواقف سابقة لن يكتفي بالضرورة بسماع خطاب جديد أكثر تشدّدا. ما يهمّه معرفة ما إذا كان هذا الخطاب يمثل قناعة سياسية مستقرّة أم تكيفا انتخابياً مع تغير المزاج العام. وتحمل تصريحات بنكيران نفسه هذا الغموض، عندما رفض أن يجيب على سؤال مباشر ما إذا كان حزبه سيلغي التطبيع في حال عودته إلى الحكومة. والالتباس نفسه كشفت عنه تصريحات الرجل الثاني في الحزب، إدريس الأزمي، فقد أعلن أنه لن يستقبل مسؤولين إسرائيليين إذا أصبح وزيراً، وهو موقفٌ أكثر تحديداً من الخطاب العام، لكنه قرنه، في الوقت نفسه، بالتأكيد على حرص الحزب على تنفيذ التوجّهات الاستراتيجية للمملكة. وهذا الجمع بين رفض التطبيع والتأكيد على الالتزام بالثوابت الاستراتيجية للدولة يعكس، من جهة، محاولة الحزب تحديد هامش حركته السياسية، لكنه يترك، من جهة أخرى، طبيعة سياسته الحكومية المقبلة غير محسومة.
المطلوب من الحزب، اليوم، قبل التوجّه إلى صناديق الاقتراع، ليس إعلان موقف إضافي ضد التطبيع، فقد فعل هذا بالفعل، وإنما الانتقال من الموقف إلى التعهد والالتزام الانتخابي. فالبرنامج الانتخابي هو المكان الطبيعي الذي يمكن أن يوضح فيه الحزب ما إذا كان إلغاء الاتفاقيات وقطع العلاقات هدفاً سياسياً سيعمل على تنفيذه من موقع الحكومة، أم مجرّد موقف مبدئي يظل محكوماً بقرار الدولة عند الانتقال إلى السلطة.
ولا يتعلق هذا التوضيح بالتطبيع وحده، بل بمفهوم المسؤولية السياسية، فالحزب الذي يريد استعادة ثقة الناخبين بعد هزيمة 2021 مطالبٌ بأن يجعل وعوده قابلة للقياس والمحاسبة، خصوصاً في القضايا التي سبق أن دفع ثمناً انتخابياً بسببها. وإذا كان الحزب قد غير موقفه فعلاً، فإن الاعتراف بالمراجعة السياسية وتحديد حدودها وشروط ترجمتها إلى ممارسة حكومية سيكون أكثر إقناعاً من الاكتفاء بخطاب مرتفع السقف.
الحزب الذي يريد استعادة ثقة الناخبين بعد هزيمة 2021 مطالبٌ بأن يجعل وعوده قابلة للقياس والمحاسبة
ليس من الواقعي أيضاً اعتبار التطبيع العامل الحاسم في الانتخابات المقبلة، فالناخب المغربي سيحاسب الأحزاب على الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والفساد والحصيلة الحكومية والقدرة على تقديم بديل سياسي مقنع. لكن قضية التطبيع يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في تعبئة جزء من القاعدة التي فقدها الحزب، كما يمكن أن تصبح، في المقابل، مصدراً جديداً لفقدان الثقة، إذا بدا أن الحزب يستخدمها انتخابيا من دون أن يحدّد ما سيفعله بها في السلطة.
في النهاية، لا تكمن المسألة في معرفة ما إذا كان العدالة والتنمية “ضد التطبيع” بعدما أصبح هذا مثبتاً في خطابه ووثائقه، وإنما في معرفة ما إذا كان مستعدّاً لتحمل النتائج السياسية لموقفه الجديد، عندما ينتقل من المعارضة إلى احتمال المشاركة في الحكومة. وبين مراجعة مواقف قديمة والتعهّد بسياسة جديدة توجد مسافة لا يملؤها الخطاب، بل الالتزام الواضح.
ومن هنا يصبح موقف الحزب من التطبيع اختباراً للمصداقية أكثر منه قضية انتخابية مستقلة. فإذا وضع في برنامجه التزاماً واضحاً ومحدّداً، سيكون قد نقل المراجعة من مستوى الخطاب إلى مستوى المسؤولية. أما إذا أبقى الموقف في المنطقة الرمادية بين رفض التطبيع والالتزام بالتوجّهات الاستراتيجية للدولة، فسيظل السؤال السياسي قائماً بشأن ما إذا كان الحزب قد غير موقفه فعلا، أم غير فقط اللغة التي يخاطب بها الناخبين.
المصدر: العربي الجديد






