
في مطلع حزيران/ يونيو الماضي، وأثناء زيارة قصيرة إلى سلوفينيا، لم يكن من الصعب ملاحظتي لعلامات الدعم الرسمي الشعبي لغزة في المؤسسات الحكومية والأماكن العامة. بعدها بأقل من أسبوعين، وقبل أن ينشر لي مقال عن تلك المشاهدات، سقطت حكومة يسار الوسط بزعامة روبرت غلوب، التي اتخذت خلال العامين الماضيين مواقف لمصلحة القضية الفلسطينية، وصفت بالرغم من رمزيتها بـِ “التاريخية”، ومن بينها الاعتراف بدولة فلسطين وحظر الاستيراد من المستعمرات. بمجرد ما دارت العجلة الانتخابية وعاد اليمين المحافظ بقيادة يانيز يانشا إلى السلطة وتشكيل حكومته، محيت تلك القرارات بسرعة شبه انتقامية. لم تكتفِ الحكومة اليمينية العائدة بإزالة الأعلام الفلسطينية عن المباني الرسمية على الفور، بل شرعت في أيامها الأولى في مراجعة قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتخطيط لنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس. لن يغير موقف الدولة البلقانية الصغيرة المصير الفلسطيني بالتأكيد، لكن اللافت هو كيفية تحول قضايا منطقة الشرق الأوسط إلى خط لانقسام اليمين-اليسار العالمي، بحيث لا تصبح قضية فلسطين مسألة حقوق أو تقرير ولا حتى مسألة تقنية تتعلق بالقانون دولي، بل إرث يساري يجب تصفيته، نكاية بالخصوم المحليين والالتحاق بمعسكر اليمين العالمي بقيادة الولايات المتحدة.
بصيغة أكثر فجاجة، يتكرر الأمر نفسه في أميركا اللاتينية، كولومبيا التي كانت أعلى دول القارة صوتاً في وجه الإبادة الجماعية في غزة، إلى حد دعوة رئيسها اليساري السابق غوستافو بيترو إلى تشكيل “جيش خلاص عالمي” لتحرير فلسطين، تحولت بوصلتها إلى النقيض تماماً مع صعود الرئيس اليميني الجديد، أبيلاردو دي لا إسبرييلا. بعد أيام قليلة من تسلمه مقاليد السلطة رسمياً في 7 آب/ أغسطس، لم يكتفِ دي لا إسبرييلا بإعادة العلاقات التي قطعها سابقه مع تل أبيب، بل تعهد بنقل السفارة إلى القدس وإلغاء خطط فتح سفارة في رام الله، بل وذهب إلى أبعد من هذا، حيث غدت كولومبيا الدولة الوحيدة في العالم إضافة إلى الولايات المتحدة التي تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل.
ولأن اليمين العالمي يتحرك داخل شبكة عابرة للقارات يؤطرها الاعتراف المتبادل والصفقات التي تخلط المصالح السياسية مع الميول الأيديولوجية، امتدت قرارات الرئيس الكولومبي لتشمل ملفات أخرى في المنطقة، حين قام بسحب الاعتراف بالجمهورية الصحراوية والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. هذا التكرار الحرفي للاتفاقيات الإبراهيمية، التي صاغتها إدارة ترامب السابقة والتي تم بموجبها مقايضة الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل التحالف مع إسرائيل، هو مجاملة رمزية من الإدارة الجديدة للإعراب عن التزامها بترسيمات اليمين العالمي لخريطة المنطقة.
هنا أيضاً، تبدو استعراضات الولاء لليمين العالمي في بوغوتا ذات تأثير لا يتجاوز الجانب الرمزي في واقع الأمور على الأرض في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إلا أن الصورة التي ترسمها التبدلات السريعة في السياسة الخارجية في كل من سلوفينيا وكولومبيا، تشير إلى محورية قضايا الشرق الأوسط في ترسيم حدود معسكري اليمين اليسار حول العالم. و قد يعتبر البعض تلك المحورية الشرق أوسطية، بقدر من الإطراء الذاتي والشعور بالأهمية، انتصاراً للقضية الفلسطينية وتدويلها في الضمير العالمي. وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، إلا أنه عرض لحالة السيولة العالمية، وبالأخص الهشاشة الاستثنائية للمنطقة العربية، كونها تقع على خط الانقسام العالمي بين اليمين واليسار.
يدور الانقسام العالمي بين يمين ويسار في فلك الإمبراطورية الأميركية، بمعنى أن ذلك الصدع لا ينفي حقيقة النظام العالمي ذي القطب الواحد، بل يؤكده وهو يعكس بدرجات متفاوته الانقسام الأيديولوجي داخل الولايات المتحدة نفسها. وفي ذلك السياق، تقع الحقوق الفلسطينية ومعها القضايا الملحقة من الجولان إلى الصحراء الغربية، في دائرة حنين اليسار العالمي إلى أزمنة مناهضة الإمبريالية والتضامن بين الشعوب، وأحياناً أخرى هي مجرد حلية أخلاقية تضاف إلى بطاقات التصويت.
المصدر: المدن






