عن “جرف الصخر” المستعصية على الحل

عبد اللطيف السعدون

لا تقع مدينة جرف الصخر على مضيق هرمز، كذلك هي ليست من أملاك “الولي الفقيه”، إنما هي مدينة عراقية قلباً وقالباً، وهي إحدى نواحي محافظة بابل (60 كم جنوب بغداد). لكن ثمة مشكلة عالقة بها منذ تحريرها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على يد القوات العسكرية العراقية في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2014، إذ استغل رجل ايران القوي، قاسم سليماني، هيمنته على القرار العراقي آنذاك، ومهر المدينة ببصمته، ومنع سكانها البالغ عددهم قرابة 140 ألف نسمة من العودة إلى مساكنهم ومزارعهم، بعد أن كانوا قد هُجِّروا إثر سيطرة “داعش” عليها، وحوّلها بقرار شرير منه إلى مقر دائم لوحدات من الحرس الثوري، وقد انتقلت إليها لاحقاً مليشيا “النجباء” التي يتزعمها أكرم الكعبي، ومليشيا “سيد الشهداء” التي يتزعمها أبو آلاء الولائي، وبذلك تحوّلت إلى معقل استراتيجي يحكم عملياً من إيران، ويضم معامل لتصنيع المسيّرات والصواريخ والعتاد العسكري، وسجناً، ومعسكراً لتدريب المليشيات.

ويعرف الذين عرفوا سليماني من قرب أن الخطّة التي رسمها لهذه المدينة كانت جزءاً من مخطّط تغيير ديمغرافي واسع يشمل مناطق عراقية عديدة عمل عليه بغرض إحكام السيطرة على العراق، وربطه نهائياً بدولة “ولاية الفقيه”، ولم يتردّد في الإفصاح عن هذا لأصدقائه من المسؤولين العراقيين.

ومنذ ذلك الوقت، ومن قاسم سليماني إلى إسماعيل قاآني، أصبحت جرف الصخر بمثابة “مسمار جحا” يدخل إليها عسكريون وخبراء سلاح وعلماء إيرانيون ويخرجون من دون إبلاغ حكومة بغداد بما يفعلونه، ومن دون اطّلاعها على ما يجري هناك، بل منع أي مسؤول عراقي من دخول المدينة، وقد سعى أكثر من رئيس حكومة سابق إلى فك الطوق عن المدينة، والدخول إليها، لكنه فشل، كذلك حاول محافظ سابق لبابل دخولها، لكنه جوبه بشراسة، ورفعت جهة مليشياوية السلاح بوجهه، معتبرة أن أمراً كهذا دونه خرط القتاد!

جزء من مخطّط تغيير ديمغرافي واسع يشمل مناطق عراقية عديدة عمل عليه بغرض إحكام السيطرة على العراق

إلى ذلك، تعود جرف الصخر إلى الواجهة هذه الأيام وفق برنامج عمل حكومة علي الزيدي الذي تضمّن بنداً ينص على “حصر السلاح بيد الدولة”، وهو البند الذي تضمّنته برامج كل الحكومات السابقة التي أخفقت جميعها في تنفيذه بسبب هيمنة دولة “ولاية الفقيه” على القرار، والتي رأت أن تنفيذ هذا البند يعني نزع أسلحة الأذرع المليشياوية المرتبطة بها، وبالتالي فقدانها أهم ركيزة لها في المنطقة، بخاصة بعد سقوط بشّار الأسد في دمشق، وتراجع قدرات حزب الله في لبنان، وضعف إمكانات الحوثيين في التأثير بسبب الجغرافية اليمنية.

هنا، وعلى وقع توجّه بغداد الجدّي نحو حسم موضوع السلاح هذه المرّة، جاءت الزيارة اللافتة التي قام بها مسؤول الملف العراقي في الحرس الثوري، إسماعيل قاآني، الذي حمل في جعبته ثلاث لاءات: لا لحصر السلاح بيد الدولة، لا لفتح جرف الصخر أمام القوات الحكومية، لا لإعادة المهجّرين من جرف الصخر إلى بيوتهم ومزارعهم. ورغم أن قاآني لم يجد ترحيباً من الزيدي، واكتفى بلقاء بعض قادة “الإطار التنسيقي” وزعماء المليشيات، إلا أنه استطاع إقناع بعض من قابلهم بالتزام الموقف الإيراني، وهذا ما ظهر بعد الزيارة في التشدّد الذي اتسمت به لهجة زعيم منظمة بدر هادي العامري، الذي كان إلى أيام قريبة يظهر تأييده لخطوات رئيس الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة، لكنه بعد لقاء قاآني شدّد عبر بيان لمنظمته على “عدم السماح بهذا المستوى من التعامل مع الأخوة في المقاومة”، و”يجب أن يكون القرار عراقيّاً وليس أجنبياً”، في إشارة إلى الولايات المتحدة، وكذلك التحول الذي طرأ على لهجة زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم الذي كان يرى “ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره ركناً أساسياً لبناء دولة مستقرّة وقوية”، لكنه بعد زيارة قاآني بدأ يدعو إلى “حوار وتفاهم هادئ بعيد عن الصدام” مع الفصائل.

واستطراداً مع ما تقدّم، يبدو أن مشكلة “جرف الصخر” أصبحت أكثر استعصاءً على الحل، مع أن الزيدي، على ما يبدو، مصرّ على اقتحام المدينة وتحريرها إذا ما رفضت المليشيات المسيطرة عليها تسليم أسلحتها حتى الموعد النهائي الذي حدّده، 30 سبتمبر/ أيلول المقبل، وبالتالي إنهاء وضعها الشاذ الذي فرضته ظروف معينة، وإعادة أهلها المهجّرين إلى بيوتهم ومزارعهم.

ورغم ما يسود الجو السياسي من تجاذبات، تميل معظم التقييمات إلى قدرة الزيدي في ضوء مكانته التي حققها داخلياً وخارجياً على حسم الموضوع ومواجهة الاستعصاء الذي تعيشه جرف الصخر، وهو الذي أكّد بثقة “أن أراضي البلاد وأجواءها رموز سيادية، وهي خط أحمر، ولا يجوز لأي كان استخدامها للاعتداء على أي طرف، والدولة وحدها صاحبة قرار السلم والحرب”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى