الفضاء العام السوري.. بين إرث الاستبداد وهشاشة الانتقال

      محمد برو

إن “الفضاء العام لا يُصنع بمرسوم من السلطة ولا يُستولد من فراغ القانون، بل يُنسج خيطًا خيطًا من التفاعل الحر بين مواطنين يتحاورون بصوتٍ متعدد، ويعيدون عبر هذا التحاور صياغة معنى العيش المشترك خارج سطوة القهر” يورغن هابرماس – “التحول البنيوي للفضاء العام“.

في استعراض خاطف وسريع، سيلحظ المتتبع للحاضر السوري، منذ الانقلاب العسكري الذي قام به حافظ الأسد على الحكم في سوريا، وخطواته الحثيثة في السيطرة الكاملة على المجتمع السوري، أن حافظ الأسد أسس حكمًا قهريًا تديره الأجهزة الاستخباراتية التي لم تُوفّر فرصة صغيرة في الاستيلاء التام على الفضاء العام. بل صار كل ما يمت بصلة لهذا الفضاء موسومًا بصبغة أسدية متغلغلة في أدق تفاصيل الحياة اليومية، فهو القائد الرمز، والفلاح الأول، والرياضي الأول، والمفكر الأول، والفنان الأول، وتنتشر صوره في كل حجرة من حجرات المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، حتى الكتب المدرسية ودفاتر الطلاب وصفحات الجلاء المدرسي موسومة بصورة القائد الفرد.

بعد مضي عام ونيف على البدايات الخجولة التي بدأ المجتمع السوري يخطوها بمقدرات تقارب الصفر، ودمار يقارب مساحة الوطن عمرانيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا وقانونيًا، نشهد بدايات في النهوض العمراني تمليها الضرورة الملحة لعودة السوريين إلى مساكنهم بعدما أنهكتهم سنوات العيش في المخيمات أو مدن المهجر.

لم يعد في سوريا، منذ عام 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد، ما يمكن أن يُطلق عليه “الفضاء العام”، حيث حُكمت سوريا، وعلى مدى ما يزيد على خمسة عقود، بسلطة الحاكم الفرد الذي لا يرى في الشعب السوري إلا رعايا ينبغي ضبطهم والسيطرة المستمرة عليهم بآلة الرعب التي خلقها نظام حافظ الأسد، والتي أرست قواعد حكم استخباراتي يتعقب كل حركة وسكنة في مساحة الوطن السوري الذي تحول إلى مزرعة خاصة بآل الأسد.

لم يكن سقوط نظام الأسد في مطلع كانون الأول عام 2024 عبارةً عن تحول سياسي تشهده سوريا بعد عقود من الطغيان والجمود، بل كان انكشافًا كبيرًا لأسئلة ظلت مكبوتة لعقود حول قدرة السوريين فعلًا على استعادة الفضاء العام وعودة الحياة إلى طبيعتها بعيدًا عن أجهزة الرعب والملاحقة والمصادرة والسيطرة الكاملة، فبين عامي 1970 و2025، وُلدت أجيال لم تعرف شيئًا عن مفهوم الفضاء العام، ولا خاضت أصغر تجربة تقترب من معناه أصلًا، واليوم، بعد سقوط هذا النظام، بات الملايين من السوريين يتطلعون إلى حيز عام يلتقي عبره جميع السوريين أحرارًا متساوين، يتحاورون ويتنافسون ويختلفون ويتضامنون في إعادة إعمار ما تهدم من بناء ونفوس وعلاقات طالما عشش فيها الشك والريبة والاتهام.

اليوم، وبعد مضي عام ونيف على البدايات الخجولة التي بدأ المجتمع السوري يخطوها بمقدرات تقارب الصفر، ودمار يقارب مساحة الوطن عمرانيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا وقانونيًا، نشهد بدايات في النهوض العمراني تمليها الضرورة الملحة لعودة السوريين إلى مساكنهم بعدما أنهكتهم سنوات العيش في المخيمات أو مدن المهجر. يغلب على هذه البدايات طابع النشاط المدني الذي لا يعتمد على أدنى دعم حكومي، وهذا مفهوم لعجز الدولة ماليًا في هذه المرحلة الصعبة، وللفرصة التي يخلقها هذا النهوض العمراني الخجول للرساميل الصغيرة، لكن تبقى الفجوة كبيرة في الجوانب الاقتصادية والقانونية والإنسانية عامة، هذا الانبعاث الهش مهدد بالفلتان الأمني الذي تغذيه النزعات الطائفية والعشائرية والفئوية ما دون الوطنية، ويعززها انفلات السلاح عامة، وبقاء بعضه في حيازة فصائل لم تكمل اندماجها في الجيش السوري على النحو الذي ينبغي.

هل يمكننا الركون والاطمئنان إلى مبادرات شعبية وتضامن محلي محكوم بالمحدودية في الإمكانيات؟ هل يمكن لهذا الحراك المتردد الذي نشهد بعضًا منه أن يصمد في وجه الاضطرابات التي تعصف بالشارع السوري بين شهر وآخر؟ كم يحتاج السوريون من وقت لإعادة ترميم الثقة فيما بينهم من جهة، وبناء الثقة بين الشعب عامة والإدارة الجديدة؟ وهل تقدمت الإدارة الجديدة بخطوات عملية تطمينية تعد الشارع المترقب بالتخلي طواعية عن التحكم بالفضاء العام، وترك قادة الرأي والأحزاب والإعلام يمارسون سلطتهم الموازية والمقيدة لتغول الدولة مرة أخرى؟ هل سيستعيد السوريون الفضاء العام الذي لا ينبغي أن تستأثر به الأنظمة الحاكمة؟ هذه منافسة وسباق مفتوح؛ في جهته الأولى ستقف الدولة الجديدة للمحافظة على أكبر قدر من الامتيازات التي تتيح لها التحكم بالفضاء العام والتأثير عليه وتوجيهه بحيث يحمي وجودها، وفي جهته الثانية ننتظر أن يبادر قادة الرأي

والأحزاب، قديمها وجديدها، وأجهزة الإعلام المستقلة، والمثقفون، والقادة الدينيون في جميع الملل، والفنانون، والرياضيون، وكل من يملك تأثيرًا في المجال العام، لتأسيس فضاء عام سوري لا يخضع لأهواء السلطة، ولا يقيم وزنًا إلا للمصلحة العامة من منظورها الشعبي والإنساني، وليكونوا حيزًا وسيطًا بين الدولة والمواطنين، مع كامل الانحياز للمواطن الفرد الذي طالما حلم أن يمارس حريته وإنسانيته بشكل متساوٍ مع الآخرين، وأن يمتلك الحق بالمكاشفة والشفافية من الأجهزة الحكومية، وأن تكون له القدرة على النقد وإبداء الرأي.

كل هذا الدور الهام والكبير الذي تلعبه مؤسسات الإعلام المستقلة ومؤسسات الإنتاج الفني، تلك القوة الناعمة التي تمتلك قدرات استثنائية في العمل الحر ومدى التأثير العام.

جميع ما سلف لا يتأتى بجملة قرارات وإعلانات ومبادرات فردية، بل يحتاج لكيانات فاعلة مؤسسة على وجه قانوني يمكنها الجلوس مع السلطة الحاكمة وإبداء الرأي في قراراتها واقتراح حلول ومبادرات من شأنها أن تعزز وتراقب الأداء الحكومي في الإسراع بإعادة البناء بالمعنى الشامل للعبارة. في طليعة تلك الكيانات التي ينبغي للشارع السوري الإسراع ببنائها وترميمها وتعزيزها، المجالس المحلية والبلديات التي تُعنى، وبشكل ميداني، بسير الأمور ونزاهة منح التراخيص والامتيازات ودقة الإنجاز، كذلك منظمات المجتمع المدني التي لم تكن موجودة أصلًا في عهد النظام البائد، والتي أسس الكثير منها في مرحلة الثورة، واختلط فيها الحقيقي بالمزيف، وباتت صورتها في الضمير السوري مشوشة إلى حد كبير، عليها أن تبني اتحادات معيارية تنظم عملها ولا تتركها عرضة لابتزاز الدولة أو فساد المديرين.

في تجربة الخوذ البيضاء “الدفاع المدني”، نموذجًا وطنيًا مؤسساتيًا شهدت بجودته أعلى المؤسسات العالمية في الرقابة والجودة والحوكمة، يمكن أن يكون نموذجًا يُحتذى به، كذلك في التجربة التركية نماذج متقدمة من هذه المنظمات التي تمتلك نموذجًا متفوقًا من الحوكمة والرقابة والأداء المتخطي للحدود، والتي يمكن الاستهداء بتجربتها والإفادة من منظوماتها القانونية والإدارية.

يضاف إلى كل هذا الدور الهام والكبير الذي تلعبه مؤسسات الإعلام المستقلة ومؤسسات الإنتاج الفني، تلك القوة الناعمة التي تمتلك قدرات استثنائية في العمل الحر ومدى التأثير العام. يتقدم هذا كله قانون يمنح الأحزاب والإعلام فضاءً واسعًا من الحرية التي طالما كانت غائبة، والتي تجعل من رقابة المجتمع بأطيافه المتنوعة مقومًا لأداء السلطة، أنى كانت، وحارسًا للمصلحة العامة، وسدًا أمام التفرد والتسلط والفساد والاستبداد.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى