في عمق المشهد الليبي

  الفيتوري شعيب

في عمق المشهد الليبي، الآني والراهن، يتجاوز الانسداد السياسي والفراغ الأمني ومعضلة الشرعية الداخلية فكرةَ وجود جسمَين متنازعَين في الشرق والغرب، أو حتّى تقاسم السلطة. بل هناك واقع أكثر تعقيداً، خصوصاً في السنوات الماضية من عمر الأزمة الليبية. يمكن أن نطلق على هذا الواقع أو أن نسمّيه “التكيّف الوظيفي” مع حالة غياب شرعية الدولة والقوانين الناظمة لها، فلا دستور حاكم يُرجع إليه، ولا اتفاق حقيقي يمكن البناء عليه، لتكون النتيجة شرعيات هجينة تُنتجها اللحظة وتغذّيها المصالح الضيّقة، إذ تشتغل الأجسام الحاكمة، التشريعية منها والتنفيذية، بمختلف أطيافها، في إعادة إنتاج نفسها سنوات متتالية عبر اتفاقات لا تنطلق من القاعدة الشعبية، بل ربّما تكون على النقيض من ذلك، لتكون النتيجة تآكل الشرعية القائمة على اختيارات الشعب واستبدالها بشرعية الأمر الواقع، لندخل في صلب حالة من “استقرار الفوضى”، فلم يعد أيّ طرفٍ يسعى إلى إلغاء الآخر، بل يتّجه الجميع إلى التعايش في مساحة رمادية تضمن الاستمرار للكلّ على حساب مفهوم الوطن والمواطن، وعلى حساب تجديد الشرعية بدلاً من اختزالها في أجسام انعدمت شرعيتها منذ سنوات وسنوات.

يتّجه الجميع في ليبيا إلى التعايش في مساحة رمادية تضمن الاستمرار للكلّ على حساب مفهوم الوطن والمواطن

وفي الجهة المقابلة، نرى أنّ هذا الانقسام بجوانبه السياسية والاقتصادية كلّها يغذّيه اقتصادٌ يُدار بعقلية العناية المركّزة، لتعيش البلاد على شريان وحيد وهو النفط، فتدار عائداته بجسم متهالك ومريض، لا يقوّم اعوجاجه ولا يشفيه من مرضه “الانقسام السياسي”، بل صارت الثروات النفطية وعائداتها منحة بقاء وليست أداةً للتنمية، بل ربّما (أبعد من ذلك) لتكون أداةً من أدوات الضغط السياسي والمناكفات الملازمة له، ليتحوّل إلى نموذج من نماذج الصراعات السياسية والسيطرة على موارد للدولة، بمفهوم يتعدّى الدولة وبنيانها وقوانينها الناظمة، ليجعل من المواطن مستهلكاً عاجزاً في بلد يمتلك مقوّمات الثراء كلّها، لكنّه يحتضر مالياً بسبب غياب الرؤية الكلّية للدولة في غياب شرعيتها التشريعية والتنفيذية الحقيقية.
وفي المقابل، لم تكن الاستهدافات أخيراً، التي شهدتها مدينة الزاوية، وتحديداً تلك التي طاولت منشآت حيوية مثل مصفاة الزاوية، مجرّد أحداث أمنية عابرة أو اشتباكات محلّية ذات طابع جهوي، أو تنازع على السيطرة، بل مثّلت تطوّراً مفصلياً في فلسفة الصراع وتشتّت الدولة، إذ إنّ ضرب المصفاة، وكذلك الاتصالات وغيرها، يُعدّ ضرباً لقلب ما تبقّى من “سلطة الخدمات”. فالمنشأة ليست مجرّد مساحة لتقاسم النفوذ السياسي، بل هي شريان حياة يتّصل بالقوت اليومي للمواطن. ويعكس هذا الاستهداف انكشاف غطاء الحماية عن البنية التحتية الأساسية التي (ربّما) لم تعد خطّاً أحمرَ، بل أصبحت أهدافاً عملية لإيصال الرسائل السياسية والعسكرية.
وعلى وقع هذا التردّي، تواصل البعثة الأممية ممارسة دورها غير المنتج، ويرتفع هذا الدور وينخفض على حسب الحالة الليبية والواقع الآني لها، بدلاً من محاولة إنتاج حلّ جذري يستعيد الشرعية الحقيقية، إذ تحوّلت في كثير من الأحيان إلى منسِّق لإدارة الأزمة، لا أكثر ولا أقلّ، في كثير من الأحيان، إذ تعتمد البعثة في السنوات الماضية على حوارات طارئة تنتج توافقات هشّة تعيد توزيع السلطة، ثمّ تصطدم بانسداد جديد. والسبب في ذلك (لا يخفى على كلّ متابع للشأن الليبي) يرجع إلى تناقض في خريطتها الإجرائية ومساراتها التي تعتمدها؛ إذ تصرّ على جمع الفاعلين أنفسهم الذين ينتجون الأزمة، ومشاركتهم، وربّما مطالبتهم “بصياغة الحلّ”، ما يمنح هذه الطبقة حقّ النقض الدائم ضدّ أيّ تغيير يهدّد مصالحها، ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خير شاهدَين على ذلك عبر سنوات متعدّدة واختلافات متوالية، لتتحوّل المسارات السياسية والأمنية في أفق زمني مفتوح لحلّ الأزمة وتجديد الشرعية إلى مجرّد شعارات يُلجأ إليها لإرضاء المجتمع الدولي تارّةً، والقفز على القاعدة الشعبية المطالبة بتجديد شرعيتها تارّةً أخرى، من دون نيّة حقيقية لتجديدها في أقرب الآجال، ما يكرّس انطباعاً بأنّ الدور الأممي بات ينحصر في إدارة حالة السكون القائمة بدلاً من تفكيكها.

تعيد الأجسام الحاكمة إنتاج نفسها عبر اتفاقات لا تنطلق من القاعدة الشعبية، لتكون النتيجة تآكل الشرعية القائمة على اختيارات الشعب، لندخل في صلب حالة من “استقرار الفوضى

وبالقراءة المتأنّية لهذه المتغيّرات المعقَّدة، إذا استمرّت هذه المتغيّرات وتطوّرت أبعادها، وفي وجود مبادرة غير رسمية تنحو منحى تعزيز الأمر الواقع وتبادل المصالح، لا يتّجه المستقبل القريب بالضرورة نحو سيناريو التصادم، ولا نحو الاستقرار السياسي وتجديد الشرعية التي يجب أن تكون في العاجل قبل الآجل، بل نحو نموذج مغاير تتعامل معه الدول الإقليمية والدولية من منطلق مصالحها عبر بوابات اقتصادية وأمنية تبعاً لحاجة هذه الدولة أو تلك ومصلحتها. وفي الداخل الليبي (كما ذكر الكاتب في مستهلّ المقال)، لم تعد المشكلة السياسية في ليبيا تتلخّص في وجود سلطات متنازعة بقدر وجود حالة من غياب الدولة والشرعية الحقيقية المنشئة لها (الدستور والسلطات التشريعية)، الأمر الذي جعلها تتكيّف واقعياً مع سلطات هجينة تُنتجها اللحظة وتغذّيها الاتفاقات السياسية التي ما تكاد تستقرّ حتّى تعود إلى دائرة الاختلاف، وبالتالي لا مجال ولا مسار لقيام الدولة سوى مسار 24 ديسمبر/ كانون الأول (2021)، الذي أُجهض في حينه، ليكون واقعاً حقيقياً وفعلياً ينفّذ اليوم قبل الغد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى