
تعاقبت على العالم العربي، في العقود الماضية، تيّارات سياسية وفكرية متعدّدة، اختلفت شعاراتها، ومعها اختلفت تصوّراتها للإنسان والمجتمع والدولة. رفع الإسلاميون شعار “الإسلام هو الحلّ”، ورفع القوميون شعار “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، ودافع اليساريون عن العدالة الاجتماعية، ودعا الليبراليون إلى توسيع فضاءات الحرّية، ورفع الشعبويون راية الإرادة الشعبية في مواجهة النُّخب التقليدية. وعلى الرغم من اختلاف هذه التيّارات، فقد دارت معظم معاركها حول الأسئلة نفسها: من نحن؟ وماذا نريد؟ ولمن تكون السلطة؟ وما الحدود الفاصلة بين الدولة والمجتمع؟ وما العلاقة بين الحرية والعدالة والهوية والسيادة؟
لكن هذه الأسئلة، على أهمّيتها، كانت تدور حول ما نريده ولمَن. وظلّ غائباً عن النقاش سؤال من طبيعة أخرى، لا يتعلّق بالغايات نفسها، بل بالقدرة على بلوغها: كيف تتحوّل الأفكار إلى نتائج؟ قد يبدو هذا السؤال تقنياً في ظاهره، لكنّه يمسّ في الواقع جوهر السياسة نفسها. ذلك أنّ التاريخ الحديث حافل بالمجتمعات التي امتلكت أفكاراً كُبرى، وصاغت دساتير متقدّمة، ورفعت شعارات ملهمة، لكنّها أخفقت في تحويل ذلك كلّه إلى واقع ملموس. وقد قادتني تجربتي إلى الاهتمام بهذا السؤال على نحو متزايد. فبحكم تكويني مهندساً في مجال نظم المعلومات، اعتدت النظر إلى المشكلات بوصفها منظومات مترابطة، لا مجرّد أحداث منفصلة. ولم أكن أكتفي بالسؤال عمّا ينبغي فعله، بل كنت أسأل أيضاً عن طريقة عمل النظام كلّه، وعن العلاقات التي تربط عناصره بعضها ببعض، وعن نقاط ضعفه، وعن الشروط التي تسمح له بالعمل بكفاءة. وعندما انتقلت إلى المجال العام، اكتشفت أنّني أحمل معي هذه الطريقة نفسها في التفكير.
التاريخ الحديث حافل بالمجتمعات التي امتلكت أفكاراً كُبرى، وصاغت دساتير متقدّمة، ورفعت شعارات ملهمة، لكنّها أخفقت في تحويل ذلك كلّه إلى واقع ملموس
كنت أتابع النقاشات السياسية الكُبرى، وأشارك فيها أحياناً، لكنّني كنت أجد نفسي مشغولاً بأسئلة أخرى. لماذا تنجح بعض المؤسّسات في تحقيق أهدافها بينما تفشل مؤسّسات أخرى؟ ولماذا تتحوّل بعض القوانين إلى واقع، في حين تبقى قوانين أخرى حبيسة الأدراج؟ ولماذا تبدو بعض الدول قادرةً على اتخاذ القرارات وتنفيذها بسرعة وكفاءة، بينما تبدو دول أخرى عاجزةً عن ذلك، حتّى عندما تتوافر لديها الموارد نفسها تقريباً؟
ومع السنوات، بدأت أدرك أنّ المسافة بين ما نريده وما نستطيع إنجازه هي المسألة السياسية الحقيقية في بلداننا. ومن هنا بدأت رحلتي مع ما أسمّيه “هندسة الدولة”، فالأفكار لا تتحوّل إلى نتائج مباشرة. فهي تمرّ أوّلاً عبر الأحزاب والتيّارات السياسية، ثمّ تتحوّل إلى قرارات وسياسات عامّة، قبل أن تتجسّد أخيراً في مؤسّسات وإجراءات وآليات تنفيذ. وفي أحيانٍ كثيرة، لا يحدث الإخفاق عند مستوى الفكرة، بل عند مستوى هذا الانتقال الطويل والمعقّد من الرؤية إلى التطبيق.
ولم يكن هذا الاستنتاج مجرّد تأمّل نظري، بل كان ثمرة تجربة شخصية تركت أثراً عميقاً في تفكيري. فقد تولّيت، بصفتي مقرّراً للجنة الحقوق والحرّيات في مجلس النواب التونسي، مع زميلاتي وزملائي، صياغة مشاريع قوانين رائدة عزّزت الحقّ في النفاذ إلى المعلومة، وعزّزت الشفافية، ووسّعت آليات مكافحة الفساد وتضارب المصالح، ووفّرت حمايةً قانونيةً للمبلّغين عن الفساد. في ذلك الوقت، بدت التجربة التونسية من أكثر التجارب تقدّماً في دول الجنوب. لكنّ السنوات اللاحقة كشفت حقيقة مختلفة. فقد بقيت نصوص كثيرة حبيسة الأوراق، وتعثّر تنفيذ أخرى، وطُبّق بعضها ثمّ أُفرغ من مضمونه تدريجياً، حتّى تحوّلت قوانين وُلدت بروح الإصلاح إلى نصوص بلا روح، وانتكس وضع البلاد في كلّ المجالات التي جاءت النصوص لإصلاحها.
في تلك اللحظة، بدأت أدرك أنّ المشكلة لا تكمن بالضرورة في الأفكار نفسها، بل في قدرة النظام السياسي ومؤسّسات الدولة على تحويلها إلى واقع ونتائج ملموسة. وربّما لهذا السبب، وجدتني أتعامل مع هذه الأسئلة بعقلية المهندس الذي لا يكتفي بوصف المشكلات، بل يحاول فهم طريقة عمل المنظومة التي أنتجتها، وتحديد مواضع الخلل فيها، ثمّ البحث عن الشروط التي تسمح بإصلاحها.
وفي موازاة هذه الرحلة، بدأت ألاحظ أنّ العالم كان يشهد تحوّلاً عميقاً لم يحظَ بالاهتمام الذي يستحقّه في منطقتنا العربية. ففي مختلف أنحاء العالم، انتقلت السياسة تدريجياً من عالم الشعارات العامّة إلى عالم أكثر تعقيداً، تتداخل فيه المؤشّرات والمعايير والبيانات والتجارب المقارنة والشبكات الدولية للخبراء. وأصبحت الدول تُقاس بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في مجالات التعليم والصحّة والحوكمة والبنية التحتية والابتكار ومكافحة الفساد وجودة الخدمات العامّة. وأقصد بالمعايير هنا الأدوات التي أصبحت الدول تُقاس من خلالها وتُقارن بغيرها، مثل التصنيفات السيادية، ومؤشّرات الشفافية ومكافحة الفساد، وجودة الحوكمة، وكفاءة الإدارة، ومستوى الخدمات العمومية، وسرعة التقاضي، وجودة التعليم، ودرجة التحوّل الرقمي، وغيرها من المؤشّرات التي أصبحت جزءاً من لغة السياسة الحديثة نفسها.
تكمن قيمة التجارب المختلفة في أنّها مختبرات مفتوحة للتعلّم والمقارنة، لا وصفات جاهزة قابلة للاستنساخ
ولم يعد السؤال يقتصر على معرفة ما إذا كانت السياسات المُعلَنة جيّدةً أو سيئةً، بل أصبح يتعلّق أيضاً بمدى قابليتها للتنفيذ، وبالنتائج التي حقّقتها، وبالقدرة على قياس أثرها الفعلي. ولا يعني ذلك أنّ السياسة فقدت أهمّيتها، أو أنّ الخبراء التكنوقراط حلّوا محلّ السياسيين، كما يعتقد بعضهم. فالخيارات الكُبرى تظلّ خيارات سياسية في جوهرها، لأنّ المجتمعات هي التي تحدّد أولوياتها وتختار القيم التي تريد الدفاع عنها. لكنّ السياسة التي تعجز عن تحويل قراراتها إلى واقع تترك فراغاً سرعان ما تملؤه البيروقراطيات الجامدة وشبكات المصالح ومراكز النفوذ غير الخاضعة للمساءلة. فالسياسة التي تخشى القياس بحجّة حماية ذاتها قد تنتهي، من حيث لا تدري، إلى حماية عجزها.
ولا يعني هذا أيضاً أنّ علينا البحث عن نموذج جاهز نستعيره من الخارج. فالعالم مليء بالتجارب المختلفة: في سنغافورة وكوريا الجنوبية وإستونيا والبرتغال وغيرها. وتكمن قيمة هذه التجارب في أنّها مختبرات مفتوحة للتعلّم والمقارنة، لا وصفات جاهزة قابلة للاستنساخ. فنحن لا ننظر إلى الآخرين لكي نصبح نسخةً منهم، بل لكي نرى أنفسنا على نحو أفضل. ولا نستعير إجاباتهم، وإنّما نستعير أسئلتهم وندرس مساراتهم. وتفرض المعايير الدولية بدورها أسئلة لا تقلّ أهمّيةً عن غيرها. فمَن يضع هذه المعايير؟ ومن يحدّد تعريف النجاح والفشل؟ وهل يمكن أن تتحوّل هذه الأدوات إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة والتبعية؟
وتكمن أهمّية هذه الأسئلة في أنّ تعريف المعيار يمنح صاحبه قدراً من السلطة على تحديد معنى النجاح نفسه. وهذا يفرض علينا التعامل مع المعايير الدولية باعتبارها مجالاً للمعرفة والتأثير: نفهم طريقة بنائها، ونختبر صلاحيتها، ونطوّر قدرتنا على إنتاج معايير تعبّر عن أولوياتنا ومصالحنا. فالسيادة في عصر المعايير تبدأ من امتلاك أدوات قراءتها والمشاركة في صياغتها، حتّى نكون فاعلين في النظام الذي تُقاس داخله الدول وتُرتّب وتُقيّم.
ولعلّ أكثر ما أثار انتباهي في السنوات الماضية أنّ جانباً مهمّاً من السياسة يُصنع في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى تقنيةً أو إداريةً. فقرار يتعلّق برقمنة الصفقات العمومية، على سبيل المثال، قد يعيد توزيع النفوذ داخل الإدارة، ويحدّ من فرص الرشوة والمحسوبية، ويغيّر قواعد التعامل بين الدولة والمؤسّسات الاقتصادية. والأمر نفسه ينطبق على تصميم أنظمة الدعم، ومنظومات الحماية الاجتماعية، وآليات إعداد الميزانيات، ونظم الرقابة وتقييم الأداء. ففي طريقة بناء هذه المنظومات تتجسّد اختيارات سياسية كُبرى، وتتحدّد في كثير من الأحيان قدرتها على إحداث الأثر المنشود.
تترك السياسة التي تعجز عن تنفيذ قراراتها فراغاً تملؤه البيروقراطيات وشبكات المصالح ومراكز النفوذ غير الخاضعة للمساءلة
ومن هذه الزاوية، تتّسع السياسة لتشمل هندسة الأدوات التي تجعل الاختيارات العامّة قابلةً للتنفيذ. وهذا يضع الأحزاب والتيّارات السياسية أمام مسؤولية تتجاوز صياغة التصوّرات والبرامج، لتشمل التفكير في القدرة المؤسّسية اللازمة لتحقيقها. وعندما يمنحها الناخبون مسؤولية الحكم، يصبح عليها أن تترجم هذه الرؤية إلى إصلاحات تقودها المؤسّسات وتخضع للمساءلة العامّة. وقد يكون هذا الفهم أقلّ جاذبية من الشعارات الكُبرى، لكنّه أقرب إلى طبيعة العالم الذي نعيش فيه.
فالدول لا تنهض بسبب امتلاكها أفكاراً أفضل فحسب، كما أنّها لا تتعثّر دائماً بسبب سوء نيّات قادتها. وما يصنع الفارق في النهاية هو قدرتها على التعلّم والتكيّف والتنسيق والتنفيذ والتصحيح المستمر. ولعلّ هذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته خلال رحلتي الشخصية بين الهندسة والسياسة. فقد أدركت أنّ الأفكار العظيمة، شأنها شأن النيّات الحسنة، لا تكفي وحدها، وأنّ أكثر الأسئلة أهمّيةً ليس دائماً السؤال المتعلّق بما نريده، بل بكيفية تحقيقه.
وربّما كان هذا هو المعنى الحقيقي لهندسة الدولة: أن تكون الدولة جسراً يسمح للسياسة وقيمها ورؤاها بأن تتحوّل إلى واقع. فالحرّية تحتاج إلى مؤسّسات تحميها، والعدالة تحتاج إلى سياسات عامّة تجسّدها، والسيادة تحتاج إلى قدرة حقيقية على الفعل.
وربّما كان هذا هو السؤال الذي تجاهلناه طويلاً: كيف نحوّل ما نؤمن به إلى ما نستطيع إنجازه؟
أمّا الجواب عن هذا السؤال، فلن يكون واحداً بالضرورة، لأنّ لكلّ مجتمع أولوياته الخاصّة، ولكلّ مرحلة تاريخية تحدّياتها الخاصّة. لكنّني أصبحت مقتنعاً بأنّ إعادة الاعتبار إلى هذا السؤال هي الخطوة الأولى في الطريق.
المصدر: العربي الجديد






