أنا وصديقي؛ سوري وعراقي. جمعنا ذات يومٍ حلمٌ أكبر من حدود البلدين، لأننا كنا ننتمي إلى أمة واحدة، قبل أن تفصلها الحدود التي رسمها الاستعمار، وتحولها إلى كيانات سياسية متفرقة.
كلانا من جيل الخمسينيات، الجيل الذي عاصر مرحلة الاستقلال، لكنه لم ينظر إلى الاستقلال باعتباره نهاية الحلم، بل رآه بداية الطريق نحو حلم أكبر: وحدة الأمة العربية.
كبرنا ونحن نؤمن بأن سورية ليست مجرد سورية، والعراق ليس مجرد العراق، ومصر ليست مجرد مصر، وأن هذه الأقطار، مهما اختلفت أنظمتها وحدودها السياسية، تنتمي إلى فضاء عربي واحد، يجمعه التاريخ واللغة والثقافة والمصالح والمصير.
رفعنا شعارات الوحدة، وناضلنا من أجلها، وانخرط كثيرون من أبناء جيلنا في التيارات والأحزاب التي جعلت من العروبة مشروعها السياسي والفكري. ووصل بعض الذين حملوا هذه الشعارات إلى الحكم في أكثر من بلد عربي
لكن ماذا حدث؟
احدى التجارب تعرضت للانقلابات والمؤامرات، وتجربة اخرى واجهت تحالفات دولية وإقليمية أسقطتها، واستمرت تجربة أخرى في الحكم، لكنها استخدمت شعارات العروبة والوحدة لتبرير الاستبداد، وقمع المواطن، ومصادرة الحريات.
وهنا ارتُكبت جريمة سياسية وفكرية بحق العروبة نفسها.
فالحاكم الذي يقتل مواطنيه باسم العروبة لا يخدم العروبة، بل يشوّهها. والنظام الذي يجعل من الوحدة شعاراً لتكريس سلطة الفرد لا يبني الوحدة، بل يجعل الناس ينفرون منها.
وهكذا اختلطت الفكرة بالتجربة، واختلط الحلم بالممارسة، حتى أصبح المواطن العربي يسمع كلمة «الوحدة» فيتذكر تجارب فاشلة، ويسمع كلمة «العروبة» فيتذكر أنظمة حكمته باسمها، بينما كانت تمارس ضده ما يناقض أبسط القيم التي يفترض أن تقوم عليها الأمة.
وهنا ربما حقق أعداء الفكرة أخطر انتصاراتهم: أن يصبح العربي نفسه يشك في عروبته.
اليوم، أين هي الوحدة العربية من خطابنا السياسي؟
لقد تراجع الحديث عنها إلى حد كبير. كل دولة تبحث عن أمنها ومصالحها وحدودها، وكل شعب يواجه أزماته الداخلية، بينما تراجعت فكرة الأمة العربية الواحدة إلى الخلف.
حتى الأحزاب والتيارات التي كانت ترفع راية الوحدة فقد كثير منها تأثيره، وبعضها تحول إلى مجرد ذكرى من الماضي.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: لماذا فشلت التجارب السياسية التي رفعت راية العروبة؟
بل السؤال الأهم: هل يعني فشل التجارب السياسية أن الفكرة نفسها ماتت؟
أنا لا أعتقد ذلك.
بل أعتقد أن التفريق بين العروبة كفكرة حضارية وهوية جامعة، وبين التجارب السياسية التي رفعت اسمها، أصبح ضرورة تاريخية.
العروبة ليست نظاماً سياسياً، وليست حزباً، وليست حاكماً.
العروبة انتماء.
العروبة ثقافة.
العروبة تاريخ مشترك.
والعروبة مصالح مشتركة.
وإذا توفرت الإرادة، فإن المصالح المشتركة يمكن أن تتحول إلى تعاون، والتعاون إلى تكامل، والتكامل إلى أشكال أكثر تقدماً من الوحدة.
لذلك لا ينبغي أن نطلب من الجيل الجديد أن يرث أخطاء جيلنا، وإنما أن يرث أفضل ما في حلمنا.
لا نريد عروبةً تقمع المواطن باسم الأمة. ولا نريد وحدةً تلغي خصوصية الشعوب. ولا نريد شعارات فارغة تكرر نفسها دون أن تقدم للإنسان العربي أملاً بحياة أفضل.
نريد عروبة حديثة، ديمقراطية، منفتحة، تؤمن بالمواطنة، وتحترم تعدد المجتمعات العربية، وتدرك أن قوة العرب لا تكون في عزلة كل قطر عن الآخر، وإنما في التعاون والتكامل ووحدة المصالح.
عروبة لا تقف ضد الديمقراطية، ولا تتعارض مع حرية الإنسان، ولا تجعل من الدولة العربية سجناً باسم الأمة، وإنما تجعل من الانتماء العربي جسراً بين الشعوب.
ومن هنا تأتي أهمية كل المبادرات التي تحاول إبقاء فكرة العروبة حية في الوعي العربي، ومنها تيار السوريين العروبيين الذي يسعى إلى الحفاظ على حضور هذه الفكرة في الوعي السوري، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة.
لكن هذا العمل لا ينبغي أن يكون سورياً فقط.
فإذا كانت العروبة فكرة تتجاوز حدود الدول، فإن الدفاع عنها وإعادة صياغتها يجب أن يكون كذلك.
على العروبيين في العراق ومصر ولبنان والأردن وفلسطين ودول الخليج والمغرب العربي وسائر أقطار الوطن العربي أن يعيدوا التفكير في مشروعهم، وأن يخاطبوا الجيل الجديد بلغة جديدة، بعيداً عن شعارات القرن الماضي وأخطائه. فنحن لا نملك أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا نستطيع أن نمحو الحدود السياسية بقرار. لكننا نستطيع أن نحافظ على الوعي بأن هذه الأمة، رغم كل ما أصابها، ما زالت تجمعها روابط عميقة لا تستطيع السياسة إلغاءها.
قد لا يشهد جيلنا الوحدة العربية. وربما لا يشهدها أبناؤنا. لكن هل هذا سبب للتخلي عن الفكرة؟ بالتأكيد لا.
فالأمم العظيمة لا تقيس أحلامها بعمر الأفراد.
لقد عشنا نحن الحلم، وحملناه سنوات طويلة. أخطأنا وأصبنا، خسرنا جولات كثيرة، وشهدنا انهيارات كبرى، وربما دفع بعضنا ثمناً باهظاً من أجل هذا الحلم. لكننا لم نخسر الحق في الحلم. واليوم، ونحن نقترب من نهاية العمر، لا نريد أن ندفن العروبة معنا.
لا نريد أن نتركها أسيرة أخطاء الماضي، ولا أن نسلمها للجيل الجديد كما تسلمناها نحن، محملةً بكل ما تراكم عليها من شعارات وتجارب وإخفاقات. نريد أن نسلّمها إلى أبنائنا أكثر نقاءً مما وصلت إلينا.
نريد عروبة لا ترتبط بالاستبداد، ولا تتناقض مع الديمقراطية، ولا تلغي خصوصية الأوطان، ولا تنظر إلى التنوع باعتباره تهديداً، وإنما تجعل من الانتماء العربي مساحة أوسع للتعاون والتكامل والتعارف بين الشعوب.
وفي إحدى جلساتنا انا وصديقي ، ونحن نتحدث عن حال الأمة وما آلت إليه أحوالها، سألت صديقي العراقي سؤالاً ظل يتردد في داخلي:
هل تموت العروبة بموتنا؟
ثم وجدت نفسي أضيف سؤالاً آخر، ربما كان أكثر أهمية:
هل نملك الشجاعة لأن نتركها حية بعدنا؟ وأنا أقول: نعم. قد يموت جيلنا. وقد تختفي شعارات كثيرة. وقد تتغير الأنظمة والحدود والتحالفات.
لكن فكرة الأمة لا تموت إذا حملها جيل جديد، وأعاد صياغتها بلغة عصره، وجعل منها مشروعاً للإنسان لا وسيلة للسلطة، وجسراً بين الشعوب لا سيفاً في وجهها.
لن تموت العروبة بموتنا… إذا نجحنا في أن نزرعها في عقول أبنائنا قبل أن نرحل.
فقد تكون مهمتنا الأخيرة قبل الرحيل ليست أن نحقق الحلم الذي عشنا من أجله، وإنما أن نحافظ عليه حياً، وأن نسلّمه إلى جيل جديد أكثر قدرة منا على تحقيقه.
وهذه، ربما، هي مسؤوليتنا الأخيرة تجاه أمتنا.
أن نرحل نحن… ولا ترحل العروبة معنا.
المصدر: كل العرب






