إيران واتفاقية مكّة

      إياد الدليمي

لم يكد حبر اتفاقية مكّة يجفّ حتّى بدأت التصريحات الإيرانية المهاجمة والرافضة لها، وهي التي يُفترض، بحسب الموقّعين، أنّها ليست موجّهة ضدّ أيّ دولة، وإنّما “دفاعية”. على الرغم من ذلك، لم تطمئن تلك التصريحات ساسة إيران الذين وجدوا، في لحظة فارقة من عمر المنطقة، أنّهم باتوا خارج ترتيبات أمنية اعتقدت إيران طويلاً أنّها لا يمكن إلّا أن تكون جزءاً منها. فما الذي يقلق إيران من اتفاقية مكّة؟
ليس من الصعب فهم سبب القلق الإيراني من اتفاقية مكّة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان. وفي المقابل، من الصعب تفسير بعض ردّات الفعل الإيرانية باعتبارها اعتراضاً على اتفاقيةٍ يُفترض أنّها تستهدفها، مع أنّ موقّعيها أكّدوا أنّها ليست موجّهة ضدّ أيّ دولة. ففي مقابلة مع وكالة الأناضول (نشرت مساء السبت الماضي)، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إنّ الاتفاقية لا تستهدف إيران ولا أيّ دولة أخرى، وإنّ الدول الثلاث لا تعتبر أيّ دولة عدوّاً لها ما لم تبادر إلى مهاجمتها. كما أكّد أنّ الهدف تعزيز الردع والأمن المشتركَين.

إذا تطوّرت اتفاقية مكّة مستقبلاً، وانضمّت إليها دول أخرى، فقد تتحوّل إلى إطار أمني إقليمي أوسع. وهنا تحديداً يمكن فهم الحساسية الإيرانية

على الرغم من هذا التصريح التركي، الواضح والصريح، هاجمت طهران اتفاقية مكّة. هاجمها عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، معتبراً أنّها لن يوفّر الأمن للسعودية، داعياً الرياض إلى تغيير سياساتها بدلاً من الاعتماد على الآخرين في حماية أمنها. في حين دعا وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي إلى وحدة المسلمين والاعتماد على القدرات الذاتية، في إشارة إلى الاتفاقية، بينما كانت صحف إيرانية تهاجم الاتفاقية وتنشر رسوماً كاريكاتيرية تستهزئ بها.
قد يبدو هذا الموقف، للوهلة الأولى، كأنّه ردّ إيراني تقليدي على أيّ ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، لكنّ المسألة، في تقدير كاتب هذه السطور، تتجاوز ذلك بكثير. المشكلة الإيرانية الحقيقية مع اتفاقية مكّة ليست في الكلمات التي تقول إنّها “دفاعية”، وإنّما في الجغرافيا التي تقف عليها هذه الاتفاقية، وهو ما تدركه إيران جيّداً. فهي (للمرّة الأولى) تجد نفسها أمام تفاهم دفاعي يجمع ثلاث دول إسلامية كبيرة، ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، تحيط بها جغرافياً من جهات مختلفة: السعودية في الضفّة الأخرى من الخليج، وتركيا إلى الشمال الغربي، وباكستان إلى الشرق. وإذا تطوّرت الاتفاقية مستقبلاً، وانضمّت إليها دول أخرى، فقد تتحوّل من تفاهم ثلاثي إلى إطار أمني إقليمي أوسع. وهنا تحديداً يمكن فهم الحساسية الإيرانية.
بنت إيران خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من أمنها الإقليمي على شبكة من العلاقات والتحالفات والنفوذ والوكلاء، وعلى التعامل مع دول المنطقة باعتبار كلّ دولة منها ملفّاً منفصلاً، أمّا أن تجد ثلاث قوى إسلامية كبيرة تتفق على إنشاء مظلّة دفاعية مشتركة، فهذا يفرض على صانع القرار الإيراني إعادة حساباته، حتّى لو لم يكن الاتفاق موجّها ضدّ النظام الإيراني بصورة مباشرة.
ولعلّ من المفيد التذكير بمواقف الدول الثلاث من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف أنّ هذه الدول التي تهاجمها إيران اليوم كانت سبباً، بصورة أو بأخرى، في منع اتساع الحرب. فالسعودية وقفت، في أكثر من مناسبة، ضدّ احتمالات توسيع الحرب، بل اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة، بأنّه عدّل توجّهاته بشأن توجيه ضربة موسّعة ضدّ إيران بسبب ضغوط من حلفاء واشنطن في المنطقة، وذكر السعودية في مقدّمتهم. أكثر من هذا، أسهمت السعودية في منع واشنطن من المضي بعيداً في “مشروع الحرّية” الذي أعلنه ترامب في مايو/ أيّار الماضي لفتح مضيق هرمز، عندما رفضت استخدام أراضيها وقواعدها لمصلحة واشنطن. أي أنّ السعودية التي تراها طهران اليوم جزءاً من اتفاقية دفاعية مقلقة، كانت في لحظات سابقة تعمل على منع اتساع الحرب.
أمّا باكستان، فهي منخرطة في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران منذ اليوم الأوّل للحرب، ونجحت وساطتها في أكثر من مناسبة في تخفيف حدّة التوتّر والتصعيد، وصولاً إلى الاتفاق الذي وُقِّع عبر الإنترنت بشأن التفاهم على وقف إطلاق النار 60 يوماً. وبالتالي، لا يمكن قراءة انضمام إسلام أباد إلى اتفاقية مكّة بسهولة باعتباره انضماماً إلى جبهة تستهدف طهران. أمّا تركيا، فكانت، وعلى لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، سدّاً منيعاً أمام توجّه إسرائيل والولايات المتحدة إلى استخدام ورقة أكراد إيران ضدّ النظام. رغم تلك المعطيات كلّها، طهران قلقة جدّاً من هذه الاتفاقية. فالنظام الإيراني يدرك جيّداً أنّ خطورة اتفاقية مكّة لا تكمن في ما هي عليه الآن، وإنّما في ما يمكن أن تكون عليه لاحقاً.
لا تنظر طهران إلى السعودية وتركيا وباكستان كلّ على حدة، وإنّما إلى احتمال تشكّل منظومة أمنية جديدة حولها قد تبدأ باتفاقية دفاعية محدودة، لكنّها يمكن أن تتوسّع إلى تبادل المعلومات والتنسيق العسكري والتعاون الدفاعي، وربّما تنضمّ إليها دول أخرى. وهذا هو جوهر القلق الإيراني. ليس ضرورياً أن تكون الدول الثلاث تستعدّ لحرب ضدّ إيران غداً، ولا يوجد في الاتفاقية ما يثبت هذا، لكن مجرّد بنائها قدرةً جماعيةً على الردع يعني أنّ معادلة الأمن الإقليمي تتغيّر. وإذا تحوّلت هذه القدرة إلى آليات مؤسّسية دائمة، كما تحدّث فيدان، فإنّ طهران ستجد نفسها أمام مجموعة دول تستطيع التنسيق معاً، بدلاً من التعامل معها بوصفها ملفّات منفصلة.
البعد الآخر لهذا القلق الإيراني أنّ هذه الحرب كشفت أنّ دول المنطقة باتت تراجع خياراتها كافّة، بما فيها الخيارات الأمنية، وبدأت تبحث عن بدائل من منظومة التحالفات مع واشنطن. وبالتالي، يمكن قراءة اتفاقية مكّة أنّها محاولة لبناء قدر كافٍ من قوّة الردع الإقليمية ليس بالضرورة أن تكون بديلاً من التحالف مع واشنطن، وإنّما مكمّلة له. وتدرك إيران أنّ الاتفاقات الدفاعية لا تحتاج إلى تحديد عدوّ حتّى تؤثّر في موازين القوى، يكفي أن تجمع هذه الاتفاقات دولاً ذات قدرات كبيرة حول تصوّر مشترك للأمن والردع، لتبدأ الأطراف الأخرى بإعادة حساباتها.

اتفاقية مكّة محاولة لبناء قدر كافٍ من قوّة الردع الإقليمية ليس بالضرورة أن تكون بديلاً من التحالف مع واشنطن

تغيّرت الأوراق التي كانت تعتمد عليها إيران في التعامل مع دول المنطقة، واتفاقية مكّة أكّدت من جديد أنّ هناك رؤية استراتيجية بدأت تتبلور، على الرغم من أنّها كانت سابقةً على هذه الحرب، وترى أنّ هناك إمكانيةً لتوفير قدر كبير من الحماية الدفاعية في ظلّ اتفاقات بين دول كبيرة في المنطقة، ولا ينقصها أكثر من الإرادة السياسية. ما كان يمكن لطهران أن تفعله قبل اتفاقية مكّة، لن يكون ممكناً بالسهولة نفسها بعدها. فقد نجحت طهران أربعة عقود في التعامل مع دول المنطقة باعتبارها أوراقاً تتفاوض بها ومن خلالها، وهو ما يمكن أن تحدّ منه هذه الاتفاقية، إذا ما تحوّلت إلى إطار أمني مستدام.
وفي المحصّلة، فإنّ ما نشهده هو استشعار إيراني بالخطر. طهران بدأت تشعر بأنّها لم تعد الدولة التي يمكن التعامل معها كما كانت، وأنّ بقايا الثقة بنظامها، التي كانت موجودة قبل الحرب، قد تراجعت أو اختفت إلى حدّ كبير بعدها. وبات عليها، في المقابل، أن تعيد بناء منظومة الثقة مع جيرانها، من العرب وغير العرب، إذا أرادت أن تحافظ على موقعها في معادلات المنطقة. وهذا، في النهاية، قد يكون التحدّي الأكبر أمام إيران بعد الحرب: ليس فقط كيف تحافظ على نظامها، وإنّما كيف تستعيد ثقة جيرانها، وكيف تقنعهم بأنّ أمنهم لا يحتاج إلى أن يُبنى بعيداً منها أو في مواجهتها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى