صورتان وزوبعة في فنجان

   فاطمة العيساوي

صورتان تختصران حالة اللا معنى التي باتت عنوان عالمنا. يهزّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رأسه ساخراً وهو يستمع إلى قرار منح جائزة أفضل تحقيق صحافي لفريق “وول ستريت جورنال” لعمل استقصائي عن علاقته بمغتصب الأطفال جيفري إبستين، في عشاء مراسلي البيت الأبيض، بعد أن كان قد هدّد الصحيفة بملاحقة قضائية. نفخ شفتيه أوّلاً، على عادته عندما يستغرب أمراً، ثمّ صفّق مع المصفّقين وهنّأ الفريق الصحافي، وكأنّه يتندّر على منح واحدة من أبرز جوائز الصحافة لتحقيق عن شبهات خطرة يُفترض أنّها تهدّد ولايته. الأمر بسيط، لا يستحقّ العناء ولا القلق. لم تعد الصحافة مؤثّرةً إلى درجة تهديد من هم في السلطة، ولسنا بصدد فصل جديد شبيه بفضيحة “ووترغيت” التي كشفها فريق صحافي من “واشنطن بوست” في السبعينيّات، وأدّت إلى استقالة الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون. لا تحقيق من شأنه أن يهدّد الرئيس الأميركي الذي سلّم الجائزة للفريق الصحافي الذي يبحث في جرائم محتملة ربما يكون قد ارتكبها.

لا يأبه ترامب إن كانت صحافة بلاده تحقّق في ملفّ يُفترض أن يقود إلى تنحيته، ولا يأبه صحناوي بقتل اللبنانيين ولا بالتدمير الممنهج لقراهم

الصورة الثانية جرى تداولها في الشهر نفسه، التُقطت في فندق فور سيزون الفخم في واشنطن، حيث أقام المصرفي اللبناني أنطوان صحناوي وليمةً بمناسبة وفاة السيناتور الأميركي اليميني (المتطرّف) ليندسي غراهام، دُعي إليها جزار غزّة ومهندس عمليات محو قرى الجنوب اللبناني، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ترافقه زوجته. لا حرج في مناسبة اجتماعية تجمع الفساد المصرفي اللبناني مع رمز الإبادة الإسرائيلية. صادف نشر الصورة، وهو مقصود من صاحبها، صدور تحقيقات صحافية في “لوريان لو جور” اللبنانية عن مسار صحناوي العائلي والمصرفي والاجتماعي والإعلامي والسياسي، بما في ذلك علاقاته مع إسرائيل، حاول الأخير وقف نشرها قضائياً ولم ينجح.
أثار التحقيق المؤلّف من خمس حلقات (جهد غير مسبوق في الصحافة اللبنانية) جدلاً واسعاً بين معجب ومستنكر، بما في ذلك جوقات من التطبيل الإعلامي دعماً لصحناوي من مؤسّساته ومرتزقته. لا مشكلة بالنسبة إلى صحناوي ومؤيّديه في أن يشرب كأساً على الطاولة نفسها مع مجرم ملاحق من القضاء الدولي وعلى حسابه في واشنطن، في وقت أظهر فيه التحقيق الصحافي عمق الروابط التاريخية بين عائلة المصرفي ومسؤولين إسرائيليين، بما في ذلك لقاءات متكرّرة مع مجرم الحرب شارون في منزل العائلة في بيروت في الثمانينيّات.
تريد الصورة أن توحي بالعنوان العريض لمسار سلام هزيل، حيث قتلانا ليسوا سوى أرقام باهتة لأضرار جانبية لا تُحتسَب في موازين القوى بين رابح وخاسر. ومنطق الحساب والمحاسبة هو بالأساس مفقود في لبنان، حيث ضحايا تفجير مرفأ بيروت، وهو أكبر تفجير غير نووي عالمياً، لم يحصلوا على قدر، ولو بسيط، من العدالة، بعد ستّ سنوات من التفجير ومحاولات حثيثة لعرقلة التحقيق، كما لا يزال ملفّ مفقودي الحرب الأهلية بلا حلّ بعد عقود، وكذلك أزمة المودعين الذين يعيشون على أمل استعادة أموالهم المحتجزة في المصارف.
تجسّد الصورتان عالم الفوضى المعولمة الذي بات واقعنا. سقط مفهوم المحاسبة ومؤسّساتها منذ ما قبل الصورتين بكثير. إلّا أنّ وقاحتهما كسرت ما تبقّى من الاعتبار، ولو الصوري، للمفهوم. الرجلان، مع فارق السطوة والأهمية، قالا لنا ببساطة إنّهما لا يأبهان بأيّ قانون أو عرف أو رقابة. الأوّل لا يأبه إن كانت صحافة بلاده تحقّق في ملفّ يُفترض أن يقود إلى تنحيته، على الرغم من صيت الصحافة الأميركية في وقاحتها وباعها الطويل في مقارعة السلطة. ويقول الثاني، الذي أسهم بشكل كبير في منظومة سرقة أموال المودعين اللبنانيين، إنّه لا يأبه بقتل اللبنانيين ولا بالتدمير الممنهج لقراهم، كما لا يكنّ أيّ اعتبار للدولة اللبنانية التي لم تنجح في حفظ ماء الوجه في مسار تفاوضي وُلد ميتاً.
سقط مفهوم المحاسبة قبل الصورتَين، ولعلّه، في حالة لبنان، لم يكن أساساً موجوداً، ولم يُستخدَم إلا لخدمة أجندات سياسية لا علاقة لها بالعدالة في مفهومها الشامل. لا يُتوقّع أن تكون الضجّة بشأن صورة صحناوي، وما رافقها من نشر تحقيق صحافي عالي المهنية، سوى زوبعة في فنجان في لبنان، حيث بعض الإعلام مملوك أو مموَّل من صحناوي نفسه، بما في ذلك برنامج “توك شو” ذائع الصيت، وبعضه الآخر مملوك لجهات أخرى ومموَّل من مصادر بعيدة من الشفافية تعمل لخدمة أجنداتها.
أمّا الصحافة الأميركية، فقد سجّلت تراجعاً، بل سقطات، عندما طبّعت مع مشهد صحافيات يتعرّضن لتوبيخ من ترامب بكلام نابٍ يحتقر النساء، من دون ردّة فعل أو مبادرة احتجاج، أو أقلّه وقف طلب المقابلات من الرجل. فرضت الرئاسة الأميركية الكارهة للصحافة ما تفرضه الأنظمة الديكتاتورية، ولم يحتجّ الإعلام الأميركي بوصفه مجموعةً متضامنةً.

في عالم سقطت فيه المحاسبة، أو حتّى الأمل فيها، لا معنى لرقابة الصحافة على السلطة

أبرز هذه القيود، التي لم يكن يُخيَّل لأحد إمكان استخدامها في واقع الصحافة الأميركية، التعليمات الجديدة حول التغطية في البنتاغون، وباتت شرطاً لضمان السماح للصحافيين بتغطية نشاطاته، بما في ذلك طلب التقيّد بالرواية الرسمية وحظر السعي وراء المعلومات من باب التقصّي، وهو جوهر العمل الصحافي. أدّى انسحاب المؤسّسات الصحافية العريقة إلى استبدال المراسلين الناقدين بصحافيين مطبلين للسياسات الرسمية من الإعلام اليميني، على الرغم من قرار قضائي اعتبر هذه السياسات مناقضة لروح الدستور في صون حرّية التعبير. فرضت هذه السياسات على الصحافيين الحصول على موافقة رسمية قبل نشر أيّ معلومة، مع منح المؤسّسات والصحافيين مهلة عشرة أيّام للموافقة على هذه القيود وتوقيعها، بما قد يؤدّي، في حال الرفض، إلى إلغاء التصاريح الصحافية للمعترضين.
في عالم سقطت فيه المحاسبة، أو حتّى الأمل فيها، لا معنى لرقابة الصحافة على السلطة باعتبارها، فرضاً، السلطة الرابعة. تحية لمن لا يزال يؤمن بأهمية العمل الصحافي: صحافيون قلّة في منطقتنا يواجهون خطر القمع وتبعاته كلّ يوم بثبات وشجاعة، وآخرون يدفعون ثمن الصمود لينقلوا الخبر من ميدان شديد الخطورة، قد يدفعون حياتهم ثمناً للمعلومة. اعتبرت منظّمة العفو الدولية أنّ قتل الصحافية اللبنانية آمال الخليل بقصف إسرائيلي، ومنع إنقاذها في حين كانت لا تزال حيّةً تحت الأنقاض، جريمة حرب. ستتناقل وسائل الإعلام البيان أيّاماً أو حتّى شهوراً، ثمّ يغيب الخبر ومعه اسم الصحافية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى