
أثارت التصريحات الأخيرة للمفوض العام للأونروا بالإنابة، كريستيان سوندرز، والتي أشار فيها إلى أن وجود الأونروا “ليس دائماً” وأن الوكالة ستواصل أداء مهامها إلى حين قيام إدارة فلسطينية معترف بها وقادرة على تولي مسؤولية تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، نقاشاً واسعاً حول مستقبل الوكالة.
غير أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في بعدها السياسي فحسب، وإنما في ما تثيره من تساؤلات قانونية تتعلق بطبيعة الأونروا نفسها: هل هي مجرد وكالة لتقديم الخدمات، أم أنها مؤسسة أممية تحمل ولاية قانونية تعبر عن استمرار مسؤولية المجتمع الدولي تجاه لاجئي فلسطين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين ثلاثة مفاهيم غالباً ما يجري الخلط بينها: الولاية، والوظيفة، والجغرافيا القانونية للأونروا.
الولاية.. الأساس القانوني لوجود الأونروا
أنشئت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 من كانون الأول/ديسمبر 1949، بوصفها وكالة تتولى تقديم الإغاثة والخدمات للاجئي فلسطين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
تطوير آليات تقديم الخدمات، أو حتى انتقال بعضها إلى مؤسسات وطنية فلسطينية في المستقبل، لا يعني بالضرورة انتهاء التفويض الأممي، ولا سقوط المسؤولية الدولية التي قامت عليها الوكالة منذ إنشائها..
ومنذ ذلك التاريخ، جددت الجمعية العامة ولاية الأونروا بصورة متواصلة، بما يؤكد أن استمرارها ليس قراراً إدارياً تتخذه الوكالة أو مسؤولوها، وإنما قرار تتخذه الجمعية العامة باعتبارها الجهة الوحيدة التي أنشأت الوكالة وتملك تعديل ولايتها أو إنهائها.
ومن ثم، فإن أي حديث عن انتهاء ولاية الأونروا لا يمكن أن يستند إلى تطور إداري أو إلى تصريح لمسؤول، وإنما إلى قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار معالجة شاملة لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
ويكمن أحد أبرز أوجه الخلط في النظر إلى الخدمات التي تقدمها الأونروا باعتبارها مبرر وجودها الوحيد.
فالمدارس والعيادات وبرامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية ليست هي الولاية، وإنما أدوات لتنفيذها أي أنها الوظيفة التي تقوم بها بينما الولاية هي التفويض الأممي الذي يعكس استمرار مسؤولية المجتمع الدولي تجاه لاجئي فلسطين.
لذلك، فإن تطوير آليات تقديم الخدمات، أو حتى انتقال بعضها إلى مؤسسات وطنية فلسطينية في المستقبل، لا يعني بالضرورة انتهاء التفويض الأممي، ولا سقوط المسؤولية الدولية التي قامت عليها الوكالة منذ إنشائها، وبعبارة أخرى، يمكن أن تتغير الوظيفة أو وسائل تنفيذها، دون أن يعني ذلك زوال الولاية القانونية.
الجغرافيا القانونية للأونروا
تغيب عن كثير من النقاشات حقيقة أساسية، وهي أن الأونروا ليست وكالة تعمل داخل الأراضي الفلسطينية فقط، وإنما تتمتع بولاية عمليات في خمس مناطق هي: الأردن، وسوريا، ولبنان، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.
وهذا التوزيع ليس مجرد تنظيم إداري، وإنما يعكس الواقع القانوني والإنساني الذي نشأ عقب نكبة عام 1948، عندما توزع اللاجئون الفلسطينيون في هذه الأقاليم، وأصبحت الأمم المتحدة مسؤولة عن تقديم خدماتها لهم من خلال الأونروا.
وعليه، فإن مستقبل الوكالة لا يمكن أن يُناقش من منظور الضفة الغربية وقطاع غزة وحدهما، لأن ولايتها تمتد إلى ملايين اللاجئين المقيمين في الدول المضيفة أيضاً، ويستند جزء من النقاش الدائر اليوم إلى افتراض مفاده أن قيام إدارة فلسطينية قادرة على تقديم الخدمات يعني انتهاء الحاجة إلى الأونروا. غير أن هذا الافتراض يتجاهل الطبيعة القانونية للوكالة.
فالأونروا لم تُنشأ لخدمة إقليم معين، ولم تُؤسس لتكون مؤسسة تابعة لسلطة وطنية فلسطينية. وإنما أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لخدمة لاجئي فلسطين المسجلين لديها ضمن مناطق عملياتها الخمس، بغض النظر عن أماكن وجودهم أو السلطة التي يقيمون في ظلها.
وهذا يعني أن ولاية الأونروا ذات نطاق شخصي وجغرافي في آن واحد، فهي ترتبط بفئة قانونية محددة هي لاجئو فلسطين، وتمارس اختصاصها ضمن خمس مناطق عمليات، وليس داخل الأراضي الفلسطينية فقط.
وتترتب على ذلك نتيجة قانونية مهمة، مفادها أن انتقال مسؤولية تقديم الخدمات داخل الضفة الغربية أو قطاع غزة إلى مؤسسات فلسطينية، إن حدث مستقبلاً، لا يجيب عن السؤال المتعلق بمصير ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسوريا، الذين لا يخضعون للولاية الإدارية لأي سلطة فلسطينية، وإنما يستمدون علاقتهم بالأونروا من التفويض الذي منحته الأمم المتحدة للوكالة.
وبالتالي، فإن إنهاء ولاية الأونروا لا يرتبط بقدرة جهة فلسطينية على إدارة الخدمات، وإنما بمعالجة الوضع القانوني لجميع لاجئي فلسطين الذين تشملهم ولاية الوكالة.
فلسطينيو سوريا.. نموذج يكشف حدود هذا التصور
تبرز هذه الإشكالية بصورة أوضح عند النظر إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، فمنذ عام 1948 شكلت الأونروا أحد الأعمدة الأساسية للحياة التعليمية والصحية والاجتماعية لفلسطينيي سوريا، ثم تضاعفت أهمية الوكالة بعد اندلاع النزاع السوري وما نتج عنه من نزوح واسع، وتدمير عدد من المخيمات، في مقدمتها مخيم اليرموك ودرعا وحندرات، وتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للاجئين.
ولا تقتصر أهمية الأونروا بالنسبة لفلسطينيي سوريا على تقديم التعليم أو العلاج أو الإغاثة، بل تكمن أيضاً في أنها تمثل استمرار الاعتراف الدولي بوضعهم كلاجئين فلسطينيين، واستمرار التزام الأمم المتحدة تجاههم.
ومن هنا، فإن أي تصور لمستقبل الأونروا ينبغي أن يجيب عن سؤال جوهري: كيف يمكن تصور انتهاء دور الوكالة بينما ما يزال عشرات الآلاف من فلسطينيي سورية نازحين داخل البلاد أو لاجئين خارجها، وما تزال مخيماتهم تحتاج إلى إعادة إعمار وتأهيل، وما زالت أوضاعهم القانونية والإنسانية بعيدة عن الاستقرار؟
إن حالة فلسطينيي سورية تؤكد أن الأونروا ليست مجرد مزود للخدمات، وإنما إطار قانوني وإنساني يربط هؤلاء اللاجئين بالمسؤولية الدولية التي لم تنتهِ بعد.
من يقرر مستقبل الأونروا؟
من الناحية القانونية، لا يملك أي مسؤول في الأونروا تعديل ولاية الوكالة أو إعادة تعريفها، فالجهة التي أنشأتها هي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي وحدها صاحبة الاختصاص في تجديد التفويض أو تعديله أو إنهائه.
ولهذا، فإن التصريحات المتعلقة بمستقبل الأونروا ينبغي أن تُفهم باعتبارها آراء أو تصورات إدارية ما لم تقترن بقرار صادر عن الجمعية العامة.
ومع ذلك، فإن حساسية ملف اللاجئين تفرض على المسؤولين الأمميين أعلى درجات الدقة في خطابهم، لأن أي لبس بين مستقبل الخدمات ومستقبل الولاية قد يثير مخاوف مشروعة لدى ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن إصدار توضيح رسمي بشأن المقصود من هذه التصريحات لا يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة للحفاظ على وضوح التفويض الأممي الذي تعمل الأونروا في إطاره.
أي نقاش حول مستقبل الوكالة ينبغي أن يميز بوضوح بين الولاية التي أنشأتها الأمم المتحدة، والوظيفة التي تؤديها الوكالة، والجغرافيا القانونية التي تمتد إلى خمس مناطق عمليات يعيش فيها ملايين اللاجئين الفلسطينيين..
إن مصير الأونروا لا يُختزل في مستقبل مدارسها أو عياداتها، ولا في الجهة التي قد تتولى تقديم الخدمات مستقبلاً، فالأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية، وإنما تجسيد مؤسسي عالمي لاستمرار مسؤولية المجتمع الدولي تجاه لاجئي فلسطين إلى أن يتحقق حل عادل ودائم وفق قرارات الأمم المتحدة.
ولذلك، فإن أي نقاش حول مستقبل الوكالة ينبغي أن يميز بوضوح بين الولاية التي أنشأتها الأمم المتحدة، والوظيفة التي تؤديها الوكالة، والجغرافيا القانونية التي تمتد إلى خمس مناطق عمليات يعيش فيها ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
إن نقل الوظيفة أو تغييرها لا ينهي الولاية ولا يوقفها، كما أن نقل إدارة بعض الخدمات لا ينفي أو يلغي المسؤولية الدولية، فقد تتطور آليات تقديم الخدمات، وقد تتغير المؤسسات المنفذة لها، لكن ذلك لا يعني أن الأمم المتحدة قد تحللت من التزامها القانوني والسياسي تجاه لاجئي فلسطين، ما لم تقرّر الجمعية العامة، وفي إطار تسوية عادلة تستند إلى الشرعية الدولية، أن الغاية التي أنشئت من أجلها الأونروا قد تحققت.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيدير مدارس الأونروا وعياداتها؟ بل: هل زالت الأسباب القانونية والسياسية التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء الأونروا أصلاً حاضرة؟ وحتى تكون الإجابة واضحة، فإن ولاية الوكالة تبقى، في جوهرها، عنواناً لاستمرار المسؤولية الدولية تجاه قضية لاجئي فلسطين، وليس مجرد إطار لتقديم الخدمات .
المصدر: تلفزيون سوريا






