الخيمة.. ذكريات من حرب الإبادة في غزة

عبد الله مكسور

في كتابه “الخيمة” الصادر عن دار الملتقى للنشر والتوزيع السورية، يعلن الكاتب الفلسطيني الغزَّي د. إبراهيم صقر الزعيم، بوضوح لافت، حدود ما يكتبه، مؤكداً أنه لا يدّعي الإحاطة بكل ما جرى في القطاع الذي تعرَّض ويتعرض لإبادة جماعية تقوم بها إسرائيل.

نراه في سطور الكتاب لا يتحدث باسم جميع الضحايا، وإنما يسجل ما رآه بعينيه، وسمعه بأذنيه، وتحقق منه بنفسه، تاركاً المجال لآخرين كي يضيفوا شهاداتهم وتجاربهم.

وهذا الوعي الأصيل بحدود الشهادة الفردية ليس تفصيلاً عابراً، قد يرقى لأن يكون أحد أهم عناصر القوة في العمل الصادر منذ أيام والذي تعتزم دار الملتقى السورية ترجمته للإنكليزية؛ فهذا الوضوح في حين أنه يحرر النص من ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، يمنحه، في المقابل، مصداقية أخلاقية عالية. فالكاتب لا يطلب من القارئ أن يصدق الحكايات لأنه يكتب عن مأساة، ولكن لأنه يلتزم بأمانة الشاهد الذي يعرف أن الحقيقة الكاملة لا يمكن أن يحملها شخص واحد، مهما اتسعت تجربته.

إنها رحلة مقاومة بوعي واضح، إغراء البطولة الخطابية التي كثيراً ما تطغى على الكتابة في لحظات الصراع الكبرى. فالكاتب هنا لا يصنع بطلاً استثنائياً، ولا يقدم نفسه في صورة الإنسان الذي يتجاوز حدود البشر، إنه يكتب عن إنسان يتعب، ويخاف، ويحزن، ويخطئ، ويقلق على أسرته، ويبحث عن الطعام، ويعمل، ويبتسم أحياناً، ثم ينهض في اليوم التالي ليواصل حياته.

وهذه النزعة الإنسانية تمنح النص صدقه الأدبي، لأن الكاتب لا يسعى إلى صناعة أسطورة، وإنما إلى حماية الحقيقة من التجميل. لذلك لا يتعاطف القارئ مع شخصية خارقة، سيجد نفسه أمام إنسان يشبه ملايين البشر حين تُسلب منهم شروط الحياة الطبيعية، فيصبح استمرارهم في العيش هو البطولة الحقيقية، وهذا ما خبرناه جيداً كسوريين.

من هنا تكتسب هذه المذكرات قيمتها؛ فهي لا تزاحم التاريخ، إنها تشكِّلُ رافداً له، وفي ذات الوقت لا تدعي أنها الرواية الوحيدة، فنراها بوضوح تعلن نفسها صوتاً من بين أصوات كثيرة، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة على البقاء، وأكثر استحقاقاً لأن تُقرأ بوصفها نصاً أدبياً ووثيقة إنسانية في آن واحد.

بين فضاء الحدث والتجربة

لا تكمن قيمة الكتاب الكبرى في أنه يروي وقائع حرب الإبادة التي مورست على قطاع غزة، فهذه الوقائع أصبحت متداولة في الأخبار والتقارير والوثائق، ومع مرور الأشهر، صارت جزءاً من أرشيف عالمي ضخم يتوزع بين التقارير الحقوقية، وصور الأقمار الصناعية، وإحصاءات الضحايا، وشهادات المنظمات الدولية.

لقد وثّقت المؤسسات أعداد القتلى، ورصدت وسائل الإعلام خرائط الدمار، وأحصت التقارير حجم الخسائر، غير أن كل ذلك، على أهميته، ظل في معظمه يدور في مدار الحدث، أما هذا الكتاب، فإنه ينتقل بالقارئ إلى مستوى تماماً، إنه ينقل الحرب من فضاء الحدث إلى فضاء التجربة. وهنا لا يقرأ القارئ تاريخ القصف بقدر ما يقرأ تاريخ الإنسان تحت القصف.

هذا التحول هو ما يمنح العمل فرادته؛ إذ يبتعد المؤلف عن إغراء البطولة الخطابية، ويقترب من الإنسان العادي الذي يحاول أن يحافظ على إيقاع حياته وسط انهيار العالم من حوله، ومنذ المقدمة يحدد المؤلف وظيفة كتابه بوصفها محاولة لتوثيق ما عاشه وما تحقق منه بنفسه، لا ادعاءً لامتلاك الحقيقة الكاملة، وهو موقف يمنح النص مصداقية أخلاقية قبل أن يمنحه قيمة أدبية.

هذه المسافة من الحديث تقودني للتوقف عند الفرق بين من يكتب عن الحرب ومن يكتب من داخلها، الإشارات هنا ليس فروقاً في زاوية الرؤية وحدها، وإنما في طبيعة المعرفة ذاتها، فالكتابة عن الحرب غالباً ما تنشغل بما يمكن رؤيته من الخارج: خرائط العمليات، وتبدل خطوط السيطرة، وحركة الجيوش، والقرارات السياسية، والإحصاءات، والنتائج العسكرية.

إنها معرفة تُنتجها المسافة؛ إذ تسمح للكاتب بأن يرى الصورة الكبرى، وأن يربط الأسباب بالنتائج، وأن يقرأ الحدث ضمن سياقه التاريخي والسياسي، أما الكتابة من داخل الحرب، فهي معرفة من نوع آخر؛ معرفة لا تُبنى على المسافة، ولكن على المعايشة، لا تُستمد من الوثائق، وإنما من الجسد الذي يختبر الخوف، ومن الذاكرة التي تحمل آثار المكان، ومن التفاصيل التي لا تراها الكاميرات ولا تحفظها التقارير. إنها معرفة لا تفسر الحرب بقدر ما تكشف أثرها العميق في الإنسان.

ولهذا السبب، فإن النصوص التي يكتبها شهود التجربة لا تضيف إلى التاريخ وقائع جديدة بالضرورة، وإنما تضيف إليه طبقة من الفهم يستحيل الوصول إليها عبر الوثائق الرسمية وحدها، فالتاريخ يستطيع أن يخبرنا متى بدأ القصف وأين انتهى، وأن يحصي أعداد الضحايا وحجم الدمار، لكنه يعجز عن أن يصف ماذا يعني أن يصبح النوم فعلاً مشروطاً بالخوف، أو أن تتحول الخيمة إلى بيت، والطابور إلى نظام للحياة، والبحث عن الماء إلى مهمة يومية، والقلق على أفراد الأسرة إلى حالة وجودية لا تنقطع.

هنا ينتقل النص من تسجيل الحدث إلى تسجيل أثر الحدث، ومن أرشفة الوقائع إلى أرشفة التحولات التي تصيب الإنسان وهو يحاول أن يبقى إنساناً، وهذا ما أفصِّلُه أكثر في كتاب أعمل عليه منذ أعوام حول “أدب الحرب”.

وقيمة هذا النوع من الكتابة تكمن في أنه يعيد الاعتبار إلى ما يمكن تسميته بالتاريخ الداخلي للحروب. فلكل حرب تاريخان متوازيان؛ الأول تكتبه الجيوش، والدول، والمفاوضات، والخرائط، والثاني يكتبه الناس الذين عاشوا الحرب يوماً بعد يوم، وتعلموا كيف يعيدون تنظيم حياتهم في ظل اختلال كل ما كان مألوفاً. الأول يهتم بما تغيّر على سطح السياسة، أما الثاني فيسجل ما تغيّر في أعماق الإنسان. ولذلك كثيراً ما تبقى المذكرات واليوميات والشهادات الشخصية أكثر قدرة على تفسير التجربة الإنسانية للحرب من آلاف الصفحات التي تؤرخ لمسارها العسكري.

وفي عمل “الخيمة” يتجلى ذلك بوضوح حيث لا تظهر الحرب بوصفها سلسلة من العمليات العسكرية أو التواريخ المفصلية، وإنما باعتبارها واقعاً يومياً يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فلا يقرأ القارئ تاريخ القصف بقدر ما يقرأ تاريخ الإنسان تحت القصف؛ ولا يتابع حركة الجبهات بقدر ما يتابع حركة النفس وهي تحاول أن تحافظ على شيء من توازنها وسط الانهيار؛ ولا ينشغل بحساب المسافات التي قطعتها الصواريخ، بقدر ما يتأمل المسافة الوجودية التي قطعها الإنسان بين حياته السابقة وحياته الجديدة التي فرضتها الخيمة، والنزوح، والمجاعة، والانتظار، والخوف.

وهنا تتجلى إحدى أهم وظائف الأدب؛ فهو لا ينافس التاريخ في تسجيل الوقائع، بل يكمله بالكشف عن أثرها الإنساني، لأن ما يبقى في الذاكرة الجمعية ليس فقط ما حدث، وإنما أيضاً كيف عاشه الناس، وكيف غيّرهم، وكيف أعاد تعريف علاقتهم بالمكان، والزمن،  والعقد الاجتماعي، والحياة نفسها.

النص العابر للأجناس

في الصنعة الأدبية ينتمي كتاب “الخيمة” إلى ذلك اللون من الكتابة الذي يصعب حبسه داخل جنس أدبي واحد، فهو ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، لأن السيرة الشخصية لا تشكل غايته النهائية، وليس رواية لأنه لا يبني عالماً متخيلاً، وليس تقريراً توثيقياً لأنه يفسح مساحة واسعة للتأمل والانفعال والأسئلة.

إنه نص هجين، يستعير من كل جنس أدبي ما يخدم شهادته وقالب الكتابة الإبداعية فيه، ولذلك تبدو عناوين الفصول القصيرة أشبه بمحطات وجدانية تتجاور فيها الخيمة مع البحر، والطابور مع الصداقة، والمجاعة مع الأمل، لتشكل جميعها فسيفساء تجربة إنسانية في غزة أكثر منها سرداً زمنياً للأحداث.

وهنا يمكن التوقف عند العنوان فالخيمة لا تبقى مكاناً للإيواء، إنها تتحول إلى مفهوم. فهي الوطن المؤقت، والبيت البديل، وغرفة التأمل، ومسرح العلاقات الإنسانية الجديدة، ومن خلال وصف تفاصيلها اليومية، ينجح الكاتب في تحويل مساحة ضيقة من القماش والخشب إلى عالم كامل يعيد الإنسان فيه ترتيب علاقاته بالأشياء وبالناس وبالزمن.

وهذه براعة تُحسَب للنص، إذ يجعل القارئ يشعر بأن الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ، وإنما بعدد المعاني التي تغيرت داخل أبسط تفاصيل الحياة، حتى أن الإنسان بكينونته يغدو منافساً دائماً لفكرة الحرب، فهو مشغول ومنشغل في ذات الوقت في رصد ما يبقى من الحياة بعد كل ضربة إسرائيلية.

لذلك نجد أن الخبز، والتعليم، والزيارات، والضحكات، وأحاديث الخيمة، والعمل الإغاثي، كلها تحضر بوصفها أفعال مقاومة بقدر ما هي تفاصيل معيشية، ومن هنا تتولد فلسفة الكتاب الضمنية: ليست المقاومة فعلاً عسكرياً فقط، قد تكون في أعقد وأبسط صورها في قدرة الإنسان على الاستمرار بإنتاج الحياة رغم كل ما يحيط به من أسباب الفناء.

ورغم هذا الهدف غير المعلن بين صفحات الكتاب ينجح الكاتب في تجنّب الوقوع بفخ المبالغة البلاغية، وهي ميزة ليست يسيرة في الكتابة عن المآسي الكبرى. فالنص لا يحتاج إلى زخارف لغوية كي يقنع القارئ، لأن الواقع نفسه يؤدي هذه المهمة. ولهذا تأتي اللغة هادئة في أكثر المواضع قسوة، وكأن الكاتب يدرك أن الحقيقة كلما كانت أكثر مأساوية احتاجت إلى لغة أكثر اقتصاداً.

غزة الحاضرة الغائبة

المفارقة السابقة تمنح الكتاب قوة تأثير عالية؛ فالصمت بين الجمل يصبح أحياناً أبلغ من الجمل نفسها، ويغدو الوصف البسيط أشد وقعاً من الخطابة العالية. لهذا لا تظهر غزة بوصفها جغرافيا، وإنما بوصفها كائناً حياً.

فالمدينة لا تظهر في النص باعتبارها شوارع وأحياء وفضاءات مختلفة ومتنوعة، يستحضرها الكاتب باعتبارها ذاكرة تتنقل مع أصحابها أينما ذهبوا، وحتى عندما ينتقل الكاتب إلى أماكن مختلفة في القطاع، تبقى غزة المدينة حاضرة في وجدانه، وكأن النزوح لم يكن انتقالاً مكانياً بقدر ما كان انقساماً داخلياً بين مكان يقيم فيه الجسد، وآخر تستقر فيه الروح.

وأستحضر هنا هذا المقطع من فصل حمل اسم “حوار” يقول الكاتب: “غبية، متهورة، خاصة في توقيتها.. لم تراعِ الواقع العربي والدولي.. ضربة معلم.. بهذه الكلمات تتلخص الأوصاف، التي أطلقها الناس على عملية السابع من أكتوبر، وكل فريق من هؤلاء يسوق أدلته“..

وهذه الثنائية تمنح المكان بعداً أدبياً يتجاوز حدوده المادية الملموسة والمعروفة. وبين المسافتين تحضر وقائع يعمل الكاتب على منح معنى لها بعملية تقوم على استخراج الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان من التفاصيل الصغيرة، أسئلة عن القدر، والعمل، والتعليم، والكرامة، والمستقبل.

كل تلك الأسئلة تنطلق من الخيمة، وأستحضر هنا هذا المقطع من فصل حمل اسم “حوار” يقول الكاتب: “غبية، متهورة، خاصة في توقيتها.. لم تراعِ الواقع العربي والدولي.. ضربة معلم.. بهذه الكلمات تتلخص الأوصاف، التي أطلقها الناس على عملية السابع من أكتوبر، وكل فريق من هؤلاء يسوق أدلته”، ليعقب هذا المقطع مقاطع أخرى من حوارات متخيلة وواقعية تجري في كل خيمة منطلقها الأسئلة ذات الإجابات التي تحمل أكثر من وجه.

وهذه النزعة التأملية تجعل الكتاب أقرب إلى نص يفكر بالحرب من غلاف أكثر تعقيداً من الوصف، بحيث يضيف إلى أرشيف الإبادة بعداً فكرياً وأخلاقياً، يجعل القارئ لا يخرج وهو يعرف ما حدث فحسب، يغلق الكتاب وهو يتساءل أيضاً: كيف استطاع الإنسان أن يبقى إنساناً في قلب كل هذا الخراب؟

وفقاً للمنظور السابق، يغدو عمل “الخيمة” أكثر من شهادة شخصية؛ إنه محاولة لاستعادة البعد الإنساني الذي كثيراً ما يضيع وسط كثافة الأرقام والصور والأخبار اليومية، فحين تتحول المأساة إلى خبر متكرر، تتعرض، مع مرور الوقت، لخطر الاعتياد وفقدان قدرتها على إحداث الأثر.

أما السرد القادم من الداخل، فإنه يعيد إلى الوقائع وجوهها البشرية، ويمنح الضحايا أسماءً، ويمنح التفاصيل صوتاً، ويعيد بناء العلاقة بين القارئ والحدث على أساس التعاطف والفهم، لا على أساس الاستهلاك العابر للمعلومات.

ولهذا تبقى مثل هذه النصوص، في الذاكرة الثقافية للشعوب، أكثر من مجرد وثائق؛ إنها الوسيط الذي تنجو عبره التجربة الإنسانية من الاختزال، ومن التحول إلى رقم في سجل التاريخ.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى