التماسيح لحراسة الأسرى الفلسطينيين

دلال البزري

منذ تولّيه الرئاسة، يبدع دونالد ترامب الأفكار الخلّاقة. حملته على المهاجرين “غير الشرعيين” واحدة من حملاته. لم تقتصر على قتل عشوائي مارسه موظّفوه في وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) بحقّ مواطنين أميركيين “أصليين”، ولا على مطاردة المهاجرين، أو بالأحرى اصطيادهم وتسفيرهم وهم مكبّلو الأيدي والأرجل إلى بلدان غريبة، إنّما دشّن ترامب أيضاً سجن أليغاتور ألكاتراز (نوع من التماسيح الأميركية) في فلوريدا في احتفال إعلامي عبّر فيه عن بهجته بإنجازه. ولكنّ فرحته لم تدم، فحاكم فلوريدا، رون دي سانتس، أغلقه بعد أقلّ من سنة على افتتاحه.

لماذا أغلق دي سانتس هذا السجن؟ لأنّه بُني في جزيرة معزولة وسط مستنقعات محاطاً بالثعابين والتماسيح وبحيوانات أخرى مفترسة، لأنّ المركز مكتظّ بالنزلاء (لكلّ واحد متران مربَّعان على الأكثر) تأكلهم الحشرات، وبلا رعاية طبّية ولا قانونية، ولأنّ المنظّمات البيئية اشتكت من الأضرار التي يُلحقها بالطبيعة. في الأصل، مركز التماسيح الأميركية هذا سجن فيدرالي قديم “يتمتّع طبيعياً” بحراسة مشدّدة. بُني في تلك الجزيرة ليضمّ إليه أخطر المجرمين الذين يصعب على السلطات السيطرة عليهم في سجون “عادية”. لذلك عُرف باسم “التماسيح”.

والقانون الأميركي يميّز بين السجن الخاصّ بالمجرمين، المحكوم عليهم بعقوبة بأمر من المحكمة، ومراكز الاحتجاز الخاصة بالمهاجرين الذين دخلوا من دون تأشيرة دخول، أو أصحاب التأشيرات المنتهية مدّتها، أو أصحاب الهُويّة غير الواضحة، أو بانتظار حكم القاضي… وهذا القانون لا يعاقب المهاجر الذي لم يحقق الشروط، بل يُخضعه لإجراء إداري في مراكز احتجاز ليست من المفترض أن تكون سجناً. لذا، يخالف سجن التماسيح الأميركي “أليغاتور ألكاتراز” قوانين الرحمة والرأفة، ويخالف أيضاً القانون الأميركي نفسه. كما هو الحال في غالبية خطوات ترامب.

يخالف سجن التماسيح الأميركي “أليغاتور ألكاتراز” قوانين الرحمة والرأفة، ويخالف أيضاً القانون الأميركي نفسه. كما هو الحال في غالبية خطوات ترامب

وكما عهدناه، مزهوّاً بنفسه، لم يقصِّر ترامب في امتداح مشروع التماسيح هذا. قال بعد انتقادات كثيرة للمشروع: “الأمر يثير بعض الجدل، لكنّني لا أبالي بهذا إطلاقاً” أو قوله: “كما تعلمون، الثعابين سريعة، لكنّ التماسيح أسرع بكثير. سنعلّمهم كيف يفرّون من تمساح، حسناً، إذا هربوا من السجن. كيف؟ (نقول لهم) لا تركضوا في خطّ مستقيم، بل اركضوا في خطّ متعرِّج”.

هنا تنتهي قصّة ترامب وتبدأ قصّة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، المعروف باستعراضاته الشرسة الصاخبة، وكلّها لا تبطن، وإنما تفصح عن عنف منفلت العقال تجاه الفلسطينيين؛ أكثره مشهدية قيادته لاقتحامات منتظمة للمسجد الأقصى، وتصويره الدقيق لتنكيله بشابّات وشباب أسطول غزّة، وإرغامهم على الركوع وهم مكبّلو الأيدي خلف ظهورهم، وإهانتهم وإذلالهم والتشفّي منهم، فضلاً عن تدخّله الشخصي والمباشر ضدّ السجناء الفلسطينيين وإصداره تعليمات لفرض مزيد من الظروف القاسية بسجنهم شديدة الغلظة أصلاً.

وقبل وصوله إلى تماسيح ترامب، كانت أشهر مشاريعه إقرار عقوبة الإعدام للسجناء الفلسطينيين المتّهمين بأعمال “إرهابية”، وهو مشروع طرحته نائبةٌ عن حزبه، هي ليمور سون، عشية عملية طوفان الأقصى، وأقرّه الكنيست في ثلاث قراءات في الربيع المنصرم بغالبية 62 صوتاً مقابل 48، ولكنّه لم يعرف طريقه إلى التنفيذ بسبب عدم صدور أيّ حكم نهائي مطابق له، ومعارضة المحكمة الإسرائيلية العليا له، والضغوط الدولية الأممية ضدّه، فضلاً عن ضغوط مجلس الاتحاد الأوروبي، ومنظّمات دولية أخرى.

كان بن غفير يقترح مشروعه التوءم تماسيح لحراسة الأسرى الفلسطينيين ويقول: “ما يصلح للولايات المتحدة يصلح لإسرائيل

في هذه الأثناء، كانت فكرة أخرى تبصر النور في عقل بن غفير: تماسيح تشدّد الحراسة على السجون الإسرائيلية أفضل ممّا تفعله قوات الأمن المكلّفة بالمهمّة. في نهاية العام الماضي، أي عندما كانت التماسيح الأميركية تؤدّي مهمّتها في الجزيرة الفلوريدية، كان بن غفير يقترح مشروعه التوءم ويقول: “ما يصلح للولايات المتحدة يصلح لإسرائيل”. هكذا بدأ بن غفير تحرّكاته من أجل مشروعه، وبسجن “تجريبي”، هو سجن النقب في الجنوب، وبتماسيح تحتاج إلى تعديل قانوني، يحوّلها من صفة نزيلة مجمّع “حمّة غادر” إلى تماسيح ذات وظيفة، اسمها “تماسيح النيل” للتمييز بينها وبين تماسيح القارات الأخرى، ولا علاقة لمصر بها. و”حمّة غادر” موقع سياحي وأثري، فيه ينابيع حارّة، يقع في وادي اليرموك قرب الحدود مع الأردن وبالقرب من هضبة الجولان المحتلة في الشمال.

والقانون الإسرائيلي لا يسمح باستخدام تماسيح محمية “حمّة غادر” إلّا لأغراض تربوية وبحثية هادفة إلى حماية النوع. والاعتراضات جاءت على لسان نيتا دروري، وهي المستشارة القانونية لوزارة “حماية البيئة” التي كانت أهم حججها “القانونية” أنّه يجب “التحقّق ممّا إذا كانت السجون الإسرائيلية تملك الإمكانات اللازمة للعناية بالتماسيح هذه”. والوضعية “القانونية لحماية التماسيح وحراستها” تعود إلى نجاح العديد منها في الهروب من المزارع التي تؤويها، بعد “معاناتها من الإهمال”.

المهمّ أن بن غفير نجح في “إعادة تصنيف تمساح النيل قانونياً”، ليُسمح له بنقلها من “حمّة غادر” إلى مشارف سجن النقب، “بدايةً”. وهناك من يأمل أن تعمَّم التجربة على بقية السجون الإسرائيلية بفضل مساعي وزيرة البيئة الإسرائيلية عيديت سيلمان. ونحن الآن نشهد الخطوات الأولى لتنفيذ فكرة بن غفير. ماذا يمكن القول عنها؟

إسرائيل ما بعد “7 أكتوبر” (2023) أفصحت عن نفسها، ولم تعد تخفي توحّشها الصميمي

نكرّر أنفسنا إذا قلنا إنّ الوحي الترامبي المتوحّش يمتدّ أثره إلى خارج أميركا، والتماسيح ليست سوى الأكثر مشهدية من بين تعبيرات هذا الوحي، وإنّ أضرار ترامب قد تستمرّ إلى ما بعد نهاية عهده، إن حصلت هذه النهاية، وقد ترتفع أثمانها إذا لم يُحاسب ترامب عليها كما لا تُحاسب إسرائيل، والتماسيح هي النظير العصري للحيوانات المفترسة التي كانت الإمبراطوريات تفلتها على عبيدها، وإن “الحيْوَنة” الإسرائيلية لها جذور، عميقة وسطحية، أكثرها شيوعاً كلمة وزير الدفاع السابق يوآف غالانت: “نحن نحارب حيوانات بشرية”، وإنّ “الحيْوَنة”، والحقّ في إهلاك الحيوانات الفلسطينية، هي أفعال من الوحي النازي المباشر الذي كان يصف اليهود بالحشرات والفيروسات والجرذان والطفيليات، وقتلهم ودمّرهم وأفناهم، وإنّ إبادة أهل غزّة تمرّ حتى الآن مرور الكرام، وهي مستمرّة وإن بوتيرة “خفيفة”، رغم وقف إطلاق النار، بدوافع ترامبية، وإن إسرائيل ما بعد “7 أكتوبر” (2023) أفصحت عن نفسها، ولم تعد تخفي توحّشها الصميمي، فلا يمكن أن تختبئ بعد الآن خلف إصبع “ديمقراطية وحيدة في الشرق” أو “أكثر الجيوش أخلاقية” أو “دولة القانون وسط بحر من الغجر”.

نكرر أنفسنا إذا قلنا إنّ صاحب الحظّ الأكبر في الفوز في الانتخابات المقبلة في مواجهة نتنياهو وهو غادي آيزنكوت الذي لا يختلف عنه إلا في الأسلوب وفي الأولويات وفي طريقة إدارة المؤسّسات. عدا ذلك، فإنّه، مثل غالبية الإسرائيليين، مستمرّ في حربه على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.

نكرر أنفسنا إذا قلنا إنّنا نعير أهميةً لعدد قتلاهم، ونفعل العكس بعدد قتلانا. أنظر إلى هذه الأرقام تتكلّم عن نفسها: عملية طوفان الأقصى في “7 أكتوبر” قتلت 1200 إسرائيلي وجرحت 3400. الردّ الإسرائيلي عليها: 75000 قتيل فلسطيني و182000 جريح. والآن، في هذه اللحظة، تشتعل الضفّة ويسقط القتلى بأعداد إضافية. ولا نحسبها ولا تثير فينا… والحبل على الجرّار. كم عدد القتلى اللبنانيين ومن بعدهم السوريين؟ و”السلام” الآتي على يد رؤسائنا “الكاريزماتيين”: أحمد الشرع وجوزاف عون.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى