مدن اللؤلؤ والريح

سمر يزبك

لم يكن الخليج العربي يوماً مجرّد مساحة مائية ومضائق تتقاطع فوقها المصالح الدولية، كما يحاول المتحاربون اليوم جعله. إنّه إرث طويل من الاعتياد على الضيافة والقرى، ومرافئ رأت البحر جاراً من الأزل ونشأت على صيد اللؤلؤ وصنعت تاريخها باستقبال الغرباء أكثر مما صنعته بصدّهم، ومن ثمّ تطوّرت حتّى غدت مدناً تضجّ بالمعرفة والتعايش الهادئ بين مئاتٍ من البشر، إن لم نقل كلّ جنسيات المعمورة التي يعيش مواطنوها في هذه الضفة وفي هذه المدن. تلك الحياة الهادئة نادراً ما تظهر في خرائط الاستراتيجيات الكُبرى، إذ تبقى تلك الصورة خارج الخرائط التي يرسمها العسكريون. كتبت سيمون فاي: “إنّ القوّة تجعل من الإنسان شيئاً”، يحدث للأمكنة ما يحدث للبشر. تتحوّل إلى أدوات ومواقع، ويتحوّل الخليج إلى إحداثيات في خرائط الحرب مع أنّه عاش قروناً بوصفه عالماً متكاملاً.
إيران أيضاً أكبر من نظامها السياسي. هذه حقيقة يعرفها التاريخ قبل أن يعرفها علم السياسة. فردوسي، حافظ، سعدي، عمر الخيام، بهزاد، أصفهان، شيراز، طرق الحرير، مدارس الفلسفة، حدائق الماء. طبقات متراكمة من الزمن. حضارة لا تختصرها دولة ولا نظام، مثلما لا تُختصر أثينا وإسبرطة في حكومتَيهما ومقاتليهما. الحرب تنزع هذا العمق من الذاكرة ولا تترك إلّا صورة واحدة. الإنسان يحتاج إلى صورة واحدة حين يستعدّ للقتال، بينما تحتاج الحضارات إلى قرون حتّى تستعيد ما تفقده في صورة واحدة.
الشرق العربي امتلأ طويلاً بالمناطق التي يصعب فصلها عن تنوّعها، والخليج واحد منها. لم تنشأ مدنه من العزلة ولم تزدهر داخل الحصار. اللغة العربية نفسها تحتفظ بآثار هذا الاختلاط. تحتفظ العربية الخليجية بآثار هذا الاختلاط: كلمات فارسية وهندية وشرق أفريقية استقرت فيها منذ قرون. رأى فرناند بروديل أنّ البحار تصنع الحضارات بقدر ما تصنعها اليابسة. الحرب تفعل العكس، تجعل البحر حدوداً وتجعل العبور خطراً بعد أن كان عادة يومية. للحروب خاصية نادراً ما تُلاحظ. إنّها تنتقل من الجبهات إلى العقول، واللغة أوّل المصابين بها وأوّل الضحايا، فتبدأ الكلمات نفسها بالتخلي عن معانيها القديمة. كانت سيمون فاي ترى أنّ القوّة تغيّر من يحملها بقدر ما تغيّر من تقع عليه. لهذا لا تكتفي الحروب بإنتاج الخراب. إنّها تترك وراءها طريقةً جديدةً للنظر إلى العالم، طريقةٌ تتوقّع الانفجار قبل أن تتوقّع الاتفاق.
لذلك تصبح معرفة هذه المنطقة فعلاً من أفعال مقاومة الاختزال. الخليج لا يُقرأ من أسعار النفط وحدها، بل من المعرفة والحياة التي راكمهما. قرونٌ من الجوار يجب لا تختصرها بيانات عسكرية. الذاكرة لا تقبل هذا الاختزال، لكنّ التاريخ أقلّ استعجالاً من السياسة. المصالح تتبدل بسرعة، فيما الجغرافيا تحتفظ بصبرها كما كتب روبرت كابلان.
الحضارات لا تقيس الزمن بالطريقة نفسها، ربّما يكفي أن تُقرأ صفحات من الشاهنامة أو قصيدة لحافظ الشيرازي. وربّما تكفي قراءة في وصف ابن بطوطة موانئ الخليج كي نفهم أنّ غوته لم يكتب “الديوان الغربي الشرقي” مصادفةً. كان يبحث عن لغة تستطيع أن تعبر المسافات التي تعجز السياسة عن عبورها. الأدب ما يزال يحتفظ بهذا الامتياز لأنّ الأدب يرى الإنسان قبل أن يرى الجيوش.
في نهاية الأمر، ماذا سيبقى بعد أن ينتهي ضجيج السلاح؟ لا أحد يعرف. التاريخ لا يقدّم وعوداً، وإنّما يقدّم تجارب. فالإمبراطوريات تمرّ وتندثر، وبعدها طرق التجارة ستعود والمدن ستنهض ببطء من جديد.
ربّما يكون أكثر ما يستحقّ النجاة في هذه المنطقة ليس حقول النفط ولا الممرات البحرية، وإنّما تلك الخبرة الإنسانية التي راكمتها قرون من العيش المشترك، قليل من بقاع العالم استطاع أن يجعل اختلاف اللغات والأصول جزءاً من إيقاع حياته اليومية، وأن يمنح ملايين البشر الذين ضاقت بهم أوطانهم أو أرهقتهم الحروب فرصةً لأن يبدأوا حياة أقلَّ قسوةً. يمكن رؤية هذا المعنى في أكثر من مدينة خليجية، إذ يغدو الاختلاف نفسه جزءاً من الاعتياد. هذه التجربة، بكلّ ما فيها من نقص وما ينتظرها من تطوير، أغلى من أن تُختزل في منطق الصواريخ.
مثل ذلك الرجاء يليق بإيران أيضاً. لا رجاء لنظام سياسي، وإنّما لذاكرة حضارية عبرت من فردوسي إلى حافظ، ومن أصفهان إلى شيراز، ومن الحدائق إلى المدارس والأسواق التي ظلّت قروناً تعلّم أنّ الثقافة أطول عمراً من السلطة. فالحروب تنتهي، أمّا الحضارات فتظلّ تنتظر أبناءها تحت الركام.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى