
نتيجة لغياب الانضباط المؤسسي داخل الحكومات الانتقالية تبرز خطورة التصريحات من هنا وهناك، ففي غالب الأحيان لا تكون هناك سياسة إعلامية موحدة، ولا متحدث رسمي يحتكر إعلان المواقف، فيدلي كل مسؤول بتصريحات تعكس رؤيته الشخصية، فتظهر الحكومة وكأنها تتحدث بعدة أصوات، ويؤدي هذا التناقض إلى إضعاف صورة الدولة وإرباك المواطنين والشركاء الدوليين على حد سواء. ومن الأخطاء الشائعة في هذه المراحل التصريحات التي تُطلق بدافع الحماس الثوري أو الرغبة في كسب الشعبية، من دون مراعاة الحسابات السياسية والدبلوماسية. ولا يقتصر هذا الخلل على الحكومات الانتقالية، بل يبرز في جميع الدول عندما يغيب الانضباط المؤسسي في الاتصال السياسي.
اللغة والسياسة
للوهلة الأولى تبدو اللغة كشيء بسيط؛ فهي نظام تعبير يستخدم الرموز، وهي في هذه الحالة كلمات لتمثيل أشياء؛ قد تكون مادية، وقد تكون مشاعرا وأفكارا. يقتضي ذلك أن اللغة في الأساس قوة سلبية، فدورها هو أن تعكس الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة. غير أن اللغة قوة إيجابية وفاعلة أيضا، وهي قادرة على إشعال الخيال وإثارة المشاعر، فالكلمات لا تعكس الحقائق حولنا فقط، إنها تساعدنا على تشكيل ما نراه وبناء مواقفنا تجاهه. إن اللغة في الحقيقة تساعد على خلق وتشكيل العالم نفسه. وهذه القضية خطيرة، وبشكل خاص عندما يكون الحديث عن السياسة.
يستخدم السياسيون – عادة – اللغة ببراعة، وبما أن اهتمامهم الأول هو الدفاع السياسي؛ فإنهم يركزون بالدرجة الأولى على القيمة الدعائية لما يستخدمونه من مفردات وعبارات. وبالتالي، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة اتصال، وإنما هي سلاح سياسي أيضا؛ إذ يتم صياغتها وشحذها لنقل القصد والمعنى السياسي، فعن طريق اللغة يمكن وصف غزو بلد أجنبي بأنه انتهاك لسيادته أو تحرير لشعبه. وبالمثل يمكن صرف النظر عن الضحايا المدنيين لحرب على أنهم خسائر جانبية، أو وصف ما يحصل بأنه تطهير عرقي أو إبادة جماعية.
الناطق الرسمي
لا يقتصر استخدام اللغة في السياسة على انتقاء التعابير الملائمة، بل يتعداه إلى التوقيت والتناقض والكذب البواح. قد لا يختلف اثنان على أن الحديث المتناقض، أو التعابير غير اللائقة، أو إطلاق الأكاذيب، أو طرح أفكار في غير موضعها تسيء لصاحبها على مستوى الأفراد، إلا أن مثل هذه الأخطاء على مستوى السياسة قد تخلق أزمة، سواء كانت داخلية أو خارجية، وقد تخلق أزمة ثقة بين الحكومة والشعب، أو بين الدولة ومحيطها الإقليمي والدولي.
في وقتنا الراهن؛ لم يعد الناطق الرسمي مجرد قارئ بيانات، بل أصبح في كثير من الدول مستشاراً إعلامياً، ومديراً للاتصال الحكومي، ومسؤولاً عن إدارة الرسائل السياسية، وجزءاً من فريق إدارة الأزمات
من أجل ذلك كله، ولاحتياجات أخرى ظهرت وظيفة الناطق الرسمي، وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع ظهور الإذاعة ثم التلفزيون، أصبح منصب الناطق الرسمي جزءاً أساسياً من الحكومات والمؤسسات الدولية والجيوش، فمن خلال تعيين الناطق الرسمي يمكن التقليل من تضارب تصريحات الوزراء والمسؤولين، وضمان أن تتحدث الحكومة بصوت واحد. ومن المهام الأخرى والمزايا التي يوفرها الناطق الرسمي: التعامل مع وسائل الإعلام، وتوفير مصدر رسمي للمعلومات، وتقليل الشائعات والتسريبات، وشرح السياسات الحكومية، وتبرير القرارات المثيرة للجدل.
مهارات الناطق الرسمي
في وقتنا الراهن؛ لم يعد الناطق الرسمي مجرد قارئ بيانات، بل أصبح في كثير من الدول مستشاراً إعلامياً، ومديراً للاتصال الحكومي، ومسؤولاً عن إدارة الرسائل السياسية، وجزءاً من فريق إدارة الأزمات. ولهذا يُنظر إليه اليوم بوصفه حلقة الوصل بين السلطة ووسائل الإعلام والرأي العام. بمعنى آخر؛ أصبحت وظيفة الناطق الرسمي وظيفة شديدة الحساسية وشديدة الأهمية؛ بحيث لا يمكن أن يتولاها شخص عادي، وإنما شخص لديه كثير من المهارات والمعرفة، كالإلمام الكامل بالسياسات الحكومية، والقدرة على التعبير بدقة، وسرعة البديهة، والتحكم في الانفعالات، وإدارة المؤتمرات الصحفية الصعبة… إلخ.
إن امتلاك اللغة في السياسة لا يعني امتلاك المفردات فحسب، وإنما امتلاك القدرة على تشكيل الوعي العام، ويشير بعض المختصين إلى بعض المهارات عند استخدام اللغة في السياسة؛ كالدقة في اختيار المفردات؛ فقد يغير اختلاف كلمة واحدة طبيعة الموقف السياسي بالكامل. فعلى سبيل المثال: هناك فرق كبير بين وصف جماعة بأنها معارضة، أو وصفها بالإرهابية. وقد تكون الدقة في اختيار التوقيت على نفس المستوى من الأهمية، فالجملة الصحيحة في الوقت الخطأ قد تتحول إلى كارثة، لأن اللغة السياسية ترتبط بالزمن بقدر ارتباطها بالمضمون، وقد يؤجل مسؤول تصريحا صحيحا لأن الظرف السياسي لا يسمح به.
الكلمة بين الهدم والبناء
تروي لنا صفحات التاريخ أن كثيرا من الأزمات الدبلوماسية لم تبدأ بإطلاق رصاصة، وإنما بدأت بجملة واحدة أو تصريح. ومن ذلك على سبيل المثال ما حصل مع وزير الإعلام اللبناني “جورج قرداحي”، فقبل توليه الوزارة وصف الحرب في اليمن بأنها “حرب عبثية” وأن الحوثيين “يدافعون عن أنفسهم”، وبعد تعيينه وزيرا للإعلام قام أحد الإعلاميين اللبنانيين بإعادة نشر المقابلة التي أدلى بها تلك التصريحات، فانقسم الداخل اللبناني بين مؤيد ومعارض، واندلعت أزمة سياسية داخلية حول بقائه في الحكومة، إضافة إلى أزمة دبلوماسية مع دول الخليج انتهت باستقالته.
ومن الأمثلة التاريخية تصريح “ماري أنطوانيت”: “فليأكلوا الكعك”، فرغم أن المؤرخين يشككون في صحة نسبة العبارة إليها، إلا أنها أصبحت رمزا لانفصال النخبة الحاكمة عن معاناة الشعب الفرنسي، وقد أسهم تداولها في تأجيج الغضب الشعبي قبيل الثورة الفرنسية، حتى أصبحت مثالا كلاسيكيا عن كيف يمكن لعبارة واحدة أن تدمر الصورة السياسية للحاكم.
وعلى المقلب الآخر؛ كما قد تهدم الكلمات العلاقات، فإنها قد تعيد بناءها، أو تبني جسورا للتواصل. من ذلك مثلا خطابات “نيلسون مانديلا” الشهيرة، أو خطاب المستشار الألماني “ويلي برانت” الذي اعتمد لغة الانفتاح والحوار مع أوروبا الشرقية، والذي أسهم في تهيئة المناخ لتحسين العلاقات خلال الحرب الباردة.
تكشف الخبرة السياسية أن اللغة ليست مجرد زينة للسياسة، بل هي إحدى أدواتها الأساسية، فالكلمة قد تمنح الشرعية أو تنزعها، وقد تخفف أزمة أو تشعل نزاعا، وقد تبني الثقة أو تهدمها. ومن هنا أصبحت البلاغة السياسية، وإدارة الخطاب العام، والدبلوماسية اللفظية عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي.
المصدر: تلفزيون سوريا






