
تضمن جدول أعمال زيارة الفريق أشرف زاهر تركيا، وهي أوّل زيارة لوزير دفاع مصري منذ 13 عاماً، مناقشة التعاون في ملفّات عسكرية متعدّدة، كما وُقّعت مذكّرة تفاهم بهذا الصدد. والمفارقة أنّ الرئيس عبد الفتاح السيسي كان آخر من زار، بصفته وزيراً للدفاع في حينه، أنقرة في 8 مايو/ أيار 2013. وكان لافتاً وصول زاهر بالتزامن مع إعلان انتهاء المناورات الجوّية التدريبية “نسر الأناضول”، ضمن حزمة مناورات برّية وبحرية غير مسبوقة بين البلدَين، بعد زيارة لافتة كذلك لرئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار القاهرة، لحضور اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة.
في السياق العام، تندرج الزيارة ضمن رؤية أوسع للعلاقات، تتضمّن جوانب سياسية واقتصادية وعسكرية متعدّدة، تهدف إلى إضفاء الطابع الاستراتيجي عليها عبر الزمن، خصوصاً مع انضواء البلدَين ضمن الإطار الرباعي الذي يضمّ السعودية وباكستان، ويراه وزير الخارجية هاكان فيدان تعبيراً عن المسؤولية الجماعية في حفظ أمن المنطقة واستقرارها، على قاعدة ما يصفها “الملكية الإقليمية”، مع سعي مستمرّ إلى مأسستها، رغم تهوين نظيره المصري بدر عبد العاطي من ذلك التقارب، واعتباره مجرّد منصّة إقليمية للتشاور، في محاولة ربّما لطمأنة المخاوف الإقليمية والدولية من الإطار الرباعي.
عملت تركيا على تلطيف حدّة الموقف المصري العدائي وغير المبرّر تجاه سورية الجديدة، مع تعاون غير ظاهر للعلن في الملفّ اللبناني
وكانت علاقة البلدَين قد تردّت بعد زيارة السيسي أنقرة (وزيراً للدفاع) وإطاحة الرئيس المنتخب محمّد مرسي وسيطرة الجيش على السلطة، في خطوة لامست أوتاراً حسّاسة في تركيا الموجوعة من الانقلابات وهيمنة العسكر على السياسة. تحسّنت العلاقات مع الوقت، خصوصاً في السنوات الخمس الماضية، لعدّة عوامل، منها إنهاء الحصار على قطر والعداء ضدّها، وجائحة كورونا التي أضرّت بسلاسل التوريد الخاصّة بالغذاء والطاقة والمواد الخام، والغزو الروسي أوكرانيا، والانكفاء الأميركي على المنطقة، سواء مع الديمقراطيين أو الجمهوريين، ما دفع الدول الإقليمية إلى التكاتف والتعاضد والتنسيق في مواجهة التحدّيات. وإضافة إلى ما سبق، أُزيحت ورقة المعارضة المصرية في تركيا من جدول الأعمال، بعدما تاهت هذه المعارضة في زواريب الاستبداد والفساد، وانشغلت بمعاركها الفئوية الصغيرة والهامشية، فلم تعد تمثّل مشكلة أو عبئاً على النظام في أي حال، بل باتت عبئاً على نفسها وجمهورها، وكذلك قضيتها العادلة.
تحسّنت العلاقات أكثر بين تركيا ومصر بعد حرب غزّة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في ظلّ قراءة متقاربة للحرب، والعمل على تحجيم تداعياتها وآثارها السلبية على فلسطين والمنطقة، والتنسيق لإنهائها والعودة إلى الخيار السياسي، عبر التعاطي مع جذر القضية التي لم تبدأ في “7 أكتوبر” وإنّما في 15 مايو 1948، مع تأسيس إسرائيل واحتلال فلسطين وتهجير قرابة مليون من أهلها. في السياق، جرى الانضواء ضمن الإطار الثماني العربي– الإسلامي، والتوقيع مع قطر ضامنين خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واتفاق وقف إطلاق النار في غزّة المنبثق عنها الذي شُرعن عبر قرار مجلس الأمن رقم 2803 في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
إثر ذلك، جاءت التطوّرات الإقليمية العاصفة، والاستشراس الإسرائيلي في المنطقة، مع الحكومة الأكثر تطرّفاً في تاريخ الدولة العبرية، وتبنّي العقلية الحربجية التوسّعية، والتحلّل من التفاهمات والاتفاقات وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، في سورية ولبنان، وبالطبع في غزّة والضفّة الغربية وفلسطين، وحتّى ضدّ إيران. كانت سيرورة التعاون والتنسيق التركي-المصري قد انطلقت أصلاً قبل الحرب ضدّ إيران، مع قراءات متطابقة للتطوّرات ولقاءات ثنائية متتالية، منها زيارة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان القاهرة، وردّ نظيره المصري عبد الفتاح السيسي الزيارة، ثمّ زار أردوغان مجدّداً، في فبراير/ شباط الماضي، القاهرة، ووقّعت في حينه حزمة اتفاقات وتفاهمات، منها مذكّرة للتعاون الدفاعي، ضمن نظرة عامّة إلى العلاقات بين البلدَين، ثمّ الانضواء ضمن الإطار الرباعي مع السعودية وباكستان، للدفاع عن أمن المنطقة واستقرارها ومصالح دولها وشعوبها. وفي العموم، يجري التنسيق والتعاون في ثلاثة سياقات متداخلة: سياسية، واقتصادية، وعسكرية، نحو تعزيز الطابع الاستراتيجي للعلاقات، من دون استعجال وتسرّع، ولكن بثقة وهدوء واطمئنان، وبما يمنع العودة إلى الخلف بأي حال.
في السياق السياسي، ثمّة نظرة مشتركة تجاه قضايا وساحات عدّة، عبر التنسيق والعمل المشترك فيها، وفي مقدّمها غزّة، وفلسطين عموماً، مع مقاربة تتضمّن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وضمان الحقوق والمصالح الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية، وعمليات التعافي المبكّر وإعادة الإعمار في غزّة، وتوحيد القيادة، وصولاً إلى الأفق السياسي من الدولة وتقرير المصير، كما جاء في المرحلة الثالثة شبه المنسية من الاتفاق التي وُضعت نتيجة ضغوط عربية وإسلامية ضمن مقاربة شاملة للصراع في المنطقة.
الشيء نفسه نراه في ليبيا، حيث التعاون والتنسيق على قاعدة دعم الحلّ السياسي بتوافق داخلي، وضمان عدم العودة إلى الخيار العسكري، ودعم دمج المؤسّسات الوطنية لإنهاء الانقسام، وتهيئة الظروف المناسبة أمام نجاح الحلّ الدبلوماسي المدعوم إقليمياً وأممياً. وثمّة تنسيق وعمل تركي – مصري مماثل تجاه السودان أيضاً، ضمن رؤية مشتركة تستند إلى دعم السلطة الشرعية والحلّ السياسي القائم على وحدة البلاد وسلامة أراضيها. وكان لافتاً إعلان وجود طائرات مسيّرة تركية في قاعدة عسكرية مصرية استُخدمت لضرب تحرّكات المتمردين، والمساهمة في كسر مشروعهم الاستراتيجي: الخطة (أ) بشأن حكم كامل البلاد، والتراجع إلى الخطة (ب)، أي إلى دويلة في إقليم دارفور، يجري العمل المشترك كذلك على إفشالها.
إلى ذلك، هناك عمل وتنسيق مشترك في الملفّ الصومالي والقرن الأفريقي قائم على القواعد نفسها المتضمّنة تقوية الحكومة المركزية الشرعية، ومحاصرة التوجّهات الانفصالية شمالي البلاد، وتحجيم الحضور الإسرائيلي هناك.
إضافة إلى ما سبق، عملت تركيا على تلطيف حدّة الموقف المصري العدائي وغير المبرّر تجاه سورية الجديدة، مع تعاون غير ظاهر للعلن في الملفّ اللبناني، وتنسيق مشترك وفق قواعد متّفق عليها عربياً مع السعودية وقطر، مع دخول لافت لباكستان على الخط، ضمن الإطار الرباعي، لضمان سيادة البلاد ووحدة أراضيها، وفرض الشرعية سلطتها على أراضيها كاملة.
تسير مصر وتركيا بإمكاناتهما الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية في تعاون ثنائي ممنهج في اتجاه التحالف الاستراتيجي
ثنائياً، ثمّة نقاش حول شرق المتوسّط والمصالح المشتركة في تلك المنطقة، في ظلّ حذر مصري، نظراً إلى العلاقات والمشاريع المشتركة مع اليونان وقبرص الجنوبية، مع الانتباه إلى حرص القاهرة، حتى قبل تحسّن العلاقات، على مراعاة المصالح التركية وعدم الإضرار بها، وهو ما فعلته أنقرة في اتفاقات ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس الغرب. ولتعميق العلاقات ووضعها في مكان لا يسمح لها بالتدهور أو العودة إلى الوراء وإلى “العشرية السوداء”، يجري تطوير الاقتصاد، ورفع هدف التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، ليلامس حالياً نحو عشرة مليارات، ويميل جزئياً لمصلحة مصر، مع استثمارات تركية ضخمة في أرض الكنانة، بينما يتولّى القطاع الخاص هذه المهمة بدعم كامل من القيادة السياسية.
المسار الثالث لتوطيد العلاقة يشمل الجانب العسكري، بوجود لجنة عليا مشتركة، ومناورات تغطّي أفرعاً للجيشَين القويَّين في المنطقة والعالم (تركيا في المرتبة التاسعة، ومصر في المرتبة الـ19 عالمياً). وتجب الإشارة كذلك إلى وضع أنقرة تقنياتها الدفاعية المتقدّمة تحت تصرّف القاهرة، فلا خطوط حمراء، بما في ذلك تزويدها بالطائرات المسيّرة ذائعة الصيت دولياً، مع الموافقة كذلك على إنتاجها في مصر، وانفتاح على إمكانية تزويدها كذلك بطائرة “KAAN” المقاتلة من الجيل الخامس.
أخيراً، يقوم التعاون الثنائي التركي-المصري، كما الإطار الرباعي، على المصالح الثنائية التاريخية والراسخة، وبما يصبّ في مصلحة أمن المنطقة واستقرار دولها. وفي كلّ الأحوال، ومع امتلاك البلدَين إمكانات جيوسياسية واقتصادية وعسكرية هائلة، يسير التعاون الثنائي الممنهج في اتجاه التحالف الاستراتيجي، حتّى إن تحقّق ذلك بعد حين.
المصدر: العربي الجديد






