
لم يعد التحدّي أمام الشعب السوداني الخروج من تحت ركام الحرب، بل في استرداد دولةٍ ذات شرعية بمنظوماتها المؤسّسية. فمغادرة مستنقع الحرب لا تعني ولوجَ فضاء الاستقرار. إنهاء الحرب يُنجز عبر صفقةٍ عسكرية، لكن صانعي هذه التسوية ليسوا حتماً رجال الدولة المرتقبة. تلك دولةٌ تنأى بذاتها عن اقتسام الغنائم والنفوذ. وبغضّ النظر عن مصدر الطلقة الثانية، فقد المتورّطون في الحرائق والدمار سابقاً أو لاحقاً الشرعية. سقف شعاراتهم جميعهم إعادة بناء ما دمّرت أيديهم. أدنى أماني الشعب بناء دولة جديدة. اتهاماتٌ عديدة تدمغ أطراف الحرب، لكنّ أشدّها رسوخاً هو الخيانةُ بمضمونها الواسع: خيانة الأمانة والشعب والمستقبل. هم صنعة الفساد وضحاياه. من دون تفويض، انتزعوا لأنفسهم حقّ إرسال الشعب إلى محارق البؤس، والذلّ في الشتات والمهانة. رفعوا، من غير مسوّغ وطني أو منطقي، فوق بنادقهم شعار الكرامة، فضيّقوا واسعاً حتى صارت الحرّيةُ خيارَ الاصطفاف وراء القتلة أو مع السفاحين، خيار الضحايا بين الموت كمداً بين الأنقاض أو في النزوح واللجوء.
***
ستكون حكومة الوحدة الوطنية نتيجة للمعادلة الصفرية للحرب الخاسرة، معادلة ارتكزت إمّا على غالب ومغلوب بلغة السياسة، وإمّا على منتصر ومهزوم بلسان حال موازين القوّة
إذن، كان لهذه الحرب الملعونة فوائد، فقد تعلّم الشعب أنّ معيار القيادة هو البذل في سبيل الصالح العام، وأنّ الشعب مصدر الشرعية يمنحها لمَن هو بها جدير. كما آمن الشعب بأنّه هو من يكتب حاضره ومستقبله، وأنّ المكاسب الوطنية تُرصد بالإنجازات لا بالرغائب والوعود المؤجَّلة. كما تعلّم الشعب أنّ الديمقراطية أفضل من غيرها نظاماً لإدارة الدولة على ألّا تهبط التجربة السياسية فيها إلى بورصة المضاربات، وأن يمارس الناخب حقّ الاقتراع بمسؤولية وطنية خالصة. فالتاريخ أكّد أنّ التناحر السياسي السلمي أفضل من جميع تجارب الاحتكار والإقصاء، فهما البيئة الملوّثة المنتجة لصنوف الفساد وأسوأ أشكال العنف، بما في ذلك الحرب على الدولة والشعب. كما أنّ الحرب أثبتت تآكل الثقة في النُّخب السياسية بفعل عجزها عن احتواء لهيب الحرب، ممّا أفضى إلى اجتياح جنود الخراب والدمار مؤسّسات الدولة ومظاهرها وممتلكات الشعب الخاصّة.
***
بالتزامن مع انتشار مناخ تآكل الثقة، تتصاعد حرب الاتهامات بالخيانة الوطنية داخل جميع القوى السياسية ومنها القيادات العسكرية. هذا الوضع المأزوم لن يترك بارقة أمل للرهان على النُّخب السياسية إزاء إمكانية بلوغها مخرجاً آمناً من مستنقع الحرب إلى ميدان بناء الدولة المأمولة. ما من أحد راشد بالطبع يعوّل على العسكر. هذه الاصطفافات غير الرشيدة تبيّن تربّص القوى المتناحرة بغية تصفية الحسابات الخاسرة بينها بعد إخماد الحرب. ذلك توجّه يحبط مسبقاً فرص تغليب الأمل على الفشل في ارتياد فضاء سوداني مجيد على دروب البناء والازدهار. فهذه النُّخب لا تملك القدرة على توحيد هياكلها الداخلية. وهذه هي اللبنة الأولى في طريق الوحدة الوطنية أو على الأقلّ تحقيق الغالبية الراشدة. كما أنّ هذه هي الخطوة الأولى في طريق بناء الدولة القادرة وبسط سيادة القانون، وهذا فرضُ عينٍ لا يستقيم البناء الوطني الجديد أو إعادة القديم من دون الوفاء به.
***
محور الأزمة الوطنية الراهنة يتجسّد في غياب إدراك هذه الأطراف المتصارعة أنّ الشعب كفر بهم إلى حدٍّ يجعل الانفجار في وجوههم قدراً حتمياً حين يأتي زمان السلام. المسألة فقط مسـألة توقيت تؤجّلها حرائق الحرب القذرة، لكنّها تأتي حتماً. لذلك، يكون الكلام عن حكومة ما يسمّى زوراً “حكومة الوحدة الوطنية” ضرباً من الهذيان السياسي، ومحاولةً خرقاء للالتفاف على طموحات الشعب من قبل الفرقاء. فمثل هذه الحكومة وهمٌ زائف، لأنّها تُبنى على المحاصصة. وهذه هي بذرة فناء الدولة برمّتها وفق منطق التاريخ والمعايشة. إذ إنّها سلطة تُؤسّس على مقايضة المصالح بين أطرافها. وهي مصالح تتجاهل عمداً (مع الإصرار المتعمّد) المصالح العليا للشعب والوطن. فحكومة الوحدة الوطنية لن تكون سوى نتيجة للمعادلة الصفرية للحرب الخاسرة. وهي معادلة ارتكزت إمّا على غالب ومغلوب بلغة السياسة، وإمّا على منتصر ومهزوم بلسان حال موازين القوّة.
***
تشكيل “حكومة دستورية” قد يكون الفرضية الأولى وصولاً إلى إجابة منطقية وطنية متكاملة
إذن، ما العمل؟ هذا هو سؤال سودان الغد المجيد. أمّا الإجابة عنه فهي واجب ساعة السودانيين الراهنة. النجاح في الإجابة يشترط وضع ضمانات ضدّ كلّ الاحتمالات الممكنة لإعادة إنتاج الأزمات المتراكمة قبل الحرب وإبّانها. ربّما يكون تشكيل “حكومة دستورية” الفرضية الأولى وصولاً إلى إجابة منطقية وطنية متكاملة. نعم، سمعنا عن ملكية دستورية، بينما لم نسمع عن “حكومة دستورية”. لكنّ المستهدف هو التزام السلطة التنفيذية بالعمل تحت مظلّة الدستور. وقتئذٍ تصبح المحكمة الدستورية (خارج المنظومة القضائية) المرجعية العليا لأداء الحكومة، ولا يُشترط لتدخّلها تقديم مظلمة أو طعن .الإعلان الدستوري هو مرجعية المرحلة وللمحكمة حقّ إلغاء ما يلائم مستجدّات ما بعد الحرب أو تعديلها. تتولى منظّمات الشباب؛ صانعي ثورة ديسمبر (2018)، دون غيرهم، تسمية أعضاء المحكمة وتشكيل السلطة التنفيذية. كما تحدّد سقف المرحلة الانتقالية. وتنجز الانتخابات التالية تدريجاً من مجالس الأحياء. وتنشغل القوى السياسية التقليدية، طوال هذه المرحلة، في إعادة تحديث هياكلها وأدبياتها وكوادرها.
المصدر: العربي الجديد






