معيبٌ هذا بشأن الاعتداءات الإيرانية

معن البياري

شائنٌ ومعيبٌ اغتباط يساريين وقوميين عرب بالاعتداءات الإيرانية المتتالية على دول الخليج والأردن. كما هو أيضاً أي صمتٍ منهم (ومن غيرهم) عن إدانتها، عندما يسوّغونها بأنها على قواعد ومواقع أميركية. لم ننس بعد أن كثيرين من هؤلاء شبّحوا مع بشّار الأسد، ونشطوا في الدفاع عن “دفاع” هذا الركيك عن “الدولة” السورية التي فرّ منها بعد أن تركها خراباً. ولا نغفل عن أن المتحدّث عنهم، في ضفّة إيران في غضون انتهاكاتها سيادة دول عربية، وضربها مصالح ومنشآت اقتصادية، ومطاراتٍ ومجمّعات سكنية ومبانيَ حكومية، في غير بلد خليجي، أفرحتهم سيطرة الحوثيين على كثيرٍ من اليمن، بعد أن تشكّلت في هذا البلد حكومةٌ ضمّت أفضل ائتلاف عريض، كان للذين يحتلون صنعاء اليوم حصّة فيها. واعتبروا رمي هؤلاء بعض صواريخ على مواقع إسرائيلية كيفما اتفق من عناوين مقاومة الأمة المشروع الصهيوني في المنطقة. وها هم مثقفون وإعلاميون عرب، وبينهم من يقيمون في دول الخليج، يخبروننا عن وجوب الوقوف ضد صلف الولايات المتحدة والوحشية الإسرائيلية، وكأن بديهيّةً كهذه في حاجةٍ إلى أن يسترسل أحدٌ فيها. وقد كتبنا، منذ اليوم الأول، بلا لعثمة، أن الحرب على إيران عدوانية أميركية، إسرائيلية الأغراض، ولذلك مرفوضةٌ. ولسنا في هذا نصطفّ مع فوقية حكّام طهران على بلادنا، ولا نماشي استباحات الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية لبنان والعراق واليمن وسورية (وغيرها إن استطاعوا) بإنشاء مليشياتٍ أو بإسناد أخرى أو بامتناع سفير في بيروت عن الاستجابة لطلب الخارجية اللبنانية خروجه من البلاد، أو بأشكالٍ أخرى، معلومةٍ وغير معلومة. إنما نقف الموقف الصحّ، فالشعب الإيراني هو من يقرّر بقاء النظام في بلاده أو رحيله، وليس نتنياهو وترامب. بل نزيد هنا أن شيئاً من الأسف اجتاح حشايانا لمّا أمكن لدولة العدوان الصهيونية قتل كبار المسؤولين في الجيش والأركان والاستخبارات والبحرية ونوابٍ لهم، مع المرشد علي خامنئي، فضلاً عن لاريجاني وخرّازي. وأمكن لها أن تقتل علماء كباراً في الذرّة، في غير مدينةٍ في بلاد فارس. كان هذا مهولاً، ذلك أننا نفترض في دولة إسلامية قوية وجارة، يمكن أن تشكل، في يومٍ، رصيداً لنا، نحن العرب، في غير أمر، أنها أقوى من أن يتيسّر اختراقها الاستخباري الإسرائيلي بهذا المدى الفادح من السهولة. وكان جرحنا عميقاً لمّا أمكن للدولة الصهيونية أن تقترف جريمة اغتيال إسماعيل هنيّة في غرفة نومه في ضيافة الرئاسة الإيرانية في طهران.

إيران التي تمرجلت على الشعب السوري، ولا ترى بلاداً عربية سوى ملاعب وساحات نفوذ لها، والعراق ولبنان، المعطوبان باستضعاف إيراني وإسرائيلي وأميركي الدولة فيها، نموذجان ساطعان على ما نقول، إيران هذه لا تستطيع حماية رؤوسها، وجنرالاتها، وعلمائها، وضيوفها، لا نقف معها عندما يُعتدى عليها، وإنما نقف مع الحقّ، وننتصر ضد الطغيان. بالمنطق نفسه، لا نتناقض مع أنفسنا عندما نراها اعتداءاتٍ إيرانيةً مرذولة كل هذه الضربات اليومية على الأردن ودول الخليج، حتى لو قصد منها إيذاء جنود أميركيين فيها. ومع تحسّسنا من وجود هؤلاء في أي بلد عربي، ومع عدم سعادتنا بقواعد أو منشآت عسكرية أجنبية في بلادنا، إلا أن هذا أمرٌ سيادي داخلي. ومع حق أي دولةٍ عربيةٍ في احتكار القرار في هذا الشأن، مشروعةٌ مطالبات فاعلياتٍ وشخصياتٍ وبرلمانيين في الأردن (وغيرها) بالشفافية في هذا، وبإيضاح تفاصيل التعاقدات مع الولايات المتحدة. وهذا كله لا علاقة لإيران به. ولسنا مطالبين بالتسليم بأن الاعتداءات الأميركية على إيران تنطلق من هذه الأمكنة، حتى يسوّغ الحرس الثوري، وهو يزاول رهاناته الانتحارية، الاعتداءات المماثلة على مواقع عسكرية أردنية (فيها عسكريون أميركيون بموجب اتفاقاتٍ معلومة) وعلى مطار الكويت ومنشآت غازية في قطر، وعلى مؤسّسات مدنية في الإمارات والبحرين.

أما العناد الذي تزاوله إيران بشأن مضيق هرمز، واستهدافاتها سفناً خليجية فيه، فهو من وجوه العدوان على الإمكانات والثروات العربية في دول الخليج، وخروجٌ صريحٌ على مواضعات القانون الدولي، يعدّ تعبيراً عن يأس مرتبكين في طهران التي صار سرّاً معلوماً أن صناعة القرار فيها أشبه بممارسة كهنوتية، لا يملك فيها المستوى السياسي من أمره فيها شيئاً

للمرّة الألف على الأقل، معيبٌ وشائنٌ أن يبتهج عرب بيننا، لبعضهم حيثياتٌ وتسميات، بالاعتداءات الإيرانية، أياً كانت مسوّغاتها، على أي أرض عربية. ونقطة آخر السطر.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى