عودة أبو حمدان إلى وطنه

عساف سلامة السلمان 

كان أبو حمدان يقول دائماً إنَّ الإنسان يستطيع أن يعتاد على الغربة، لكنه لا يستطيع أن يعتاد على الحنين.

لذلك، حين سقط النظام الذي كان يمطر المدن براميلً متفجرةً، وحين امتلأت الشاشات بأغاني العودة، جلس أمام حقيبته القديمة، وطوى آخر قميصٍ وقال:

“يبدو أنَّ الوطن اشتاق إلينا أخيراً.”

باع سيارته المستعملة، وأثاثاً جمعه بعد سنواتٍ من العمل في ألمانيا، وأخذ زوجته وأولاده، وعاد يبحث عن بيتٍ كان يظنه ما زال ينتظره.

كان يتخيل الباب القديم، وشجرة الياسمين عند النافذة، وصوت الجيران في الحارة.

كان يظن أنَّ الوطن مثل أمٍّ غاضبةٍ؛ قد تبتعد قليلاً، لكنها تفتح ذراعيها عندما يعود أبناؤها.

لكنه لم يكن يعرف أنَّ بعض الأوطان لا تبقى كما تركناها.

وصل إلى الحي. ظلَّ يدور ساعتين.

قال لزوجته: “إما أنني نسيت الطريق، أو أنَّ البيت انتقل إلى حيٍّ آخر.”

أشار أحد الجيران إلى كومةٍ من الحجارة وقال”: هذا هو بيتك.”

اقترب أبو حمدان، وتأمل الركام طويلاً، ثم قال: “الحمد لله… وجدته.”

نظرت إليه زوجته باستغراب: “ماذا وجدت؟”

قال: “وجدت عنواناً بلا بيت.”

ظلَّ يقلب الحجر بعد الحجر، كأنَّه يبحث عن طفولةٍ ضاعت بين الإسمنت والغبار.

سأل عن أقاربٍ.

قالوا: “بعضهم تحت التراب.”

“والبقية؟””تحت أعلامٍ أخرى.” واحدٌ في السويد. واحدٌ في كندا. واحدٌ في تركيا. وواحدٌ لا يعرف أحدٌ أين انتهى.

هزَّ أبو حمدان رأسه وقال: “كنا نجتمع حول مائدةٍ واحدةٍ… واليوم نحتاج إلى خريطةٍ للعالم كي نعدَّ أفراد العائلة.”

قال لزوجته: “المهم أن يعيش الأولاد في وطناً.”

وفي الصباح ذهب ليسجلهم في مدرسةٍ.

قال المدير: “أي مدرسةٍ تقصد؟”

قال: “أي مدرسةٍ فيها معلمون يعلمون باللغة الألمانية أو الانكليزية.”

ابتسم المدير وقال: “إذا وجدت واحدةً، أخبرني لأُسجل أولادي فيها أيضاً.”

ضحك أبو حمدان، لكنه شعر أنَّ ضحكته كانت أثقل من الدموع.

قال: “إذن أصبحت المدارس مثل الكنوز؛ الجميع يسمع بها، ولا أحد يراها.”

خرج من المدرسة ومشى في الشارع بلا هدفٍ. كانت المدينة تشبه رجلاً نجا من الحرب، لكنه لم يستعد للحياة بعد.

بيوتٌ بلا نوافذ، وجدرانٌ تحمل صور أصحابها الذين رحلوا، وأطفالٌ يركضون قرب الركام كأنَّ الخراب أصبح جزءاً من ألعابهم اليومية.

عند حاوية قمامةٍ كبيرةٍ رأى طفلاً صغيراً ينحني بين الأكياس. كان يفصل القناني البلاستيكية عن علب الكرتون، ويضعها في كيسٍ كبيرٍ يكاد يكون أكبر من جسده.

توقف أبو حمدان وسأله: “ماذا تفعل يا بني؟”

رفع الطفل رأسه وقال: “أجمع القناني والكرتون… أبيعها آخر النهار.”

سأله: “ولماذا لا تكون في المدرسة؟”

نظر الطفل إلى الكيس وقال: “المدرسة تحتاج إلى دفترٍ وقلمٍ… وأنا أحتاج إلى خبزٍ.”

بقي أبو حمدان صامتاً.

كان لديه دائماً جوابٌ ساخرٌ لكل شيء، لكن هذا الطفل أخذ منه الكلمات.

أخرج بعض النقود ومدَّها إليه.

هزَّ الطفل رأسه وقال: “لا أريد صدقةً… اشترِ مني ما جمعته.”

نظر إليه أبو حمدان طويلاً، ثم اشترى الكيس كله.

ابتعد الطفل وهو يحمل ماله، وبقي أبو حمدان ينظر إلى الحاوية الفارغة.

قال في نفسه: “حين يصبح الطفل خبيراً في فرز القمامة قبل أن يتعلم قراءة الحروف، فالمشكلة ليست في المدرسة فقط… المشكلة في الوطن.”

أما أولاده، فكانوا يتحدثون الألمانية أكثر مما يتحدثون العربية.

قال ابنه: “بابا… Wasser.”

ابتسم أبو حمدان وقال: “يا بني، لا تقل ماءً ولا Wasser… فالاثنان مفقودان.”

مرضت ابنته.

ذهب يبحث عن طبيبٍ. وجد طبيباً. لكن الطبيب يبحث عن دواءٍ. والصيدلية تبحث عن كهرباءٍ. والكهرباء تبحث عن حكومةٍ.

قال أبو حمدان: “لو اجتمع الطبيب والدواء والكهرباء في يومٍ واحدٍ، لأعلنت الدولة عطلةً رسميةً احتفالاً بالمناسبة.”

خرج بسيارته. لاحظ أنَّ إشارات المرور اختفت. وأنَّ كل سيارةٍ تعتبر نفسها سيارة إسعاف، أنَّ كل سائقٍ يظن أنَّ القانون وُضع للآخرين.

قال: “في ألمانيا كانوا يعلموننا كيف نقود السيارة… أما هنا، فيعلمونك كيف تنجو منها.”

وفي كل يومٍ كان هناك خبرٌ جديدٌ. انفجارٌ هنا. اشتباكٌ هناك. وخوفٌ ينتظر الناس عند كل زاويةٍ.

سأل جاراً:”أما زلتم تعدون الحوادث؟”

قال الرجل: “كنا نعدها في البداية… ثم صارت هي التي تعدنا.”

قال أبو حمدان: “إذن الأمن عندنا مثل الكهرباء؛ نسمع عنه أكثر مما نراه.”

أرسل ابنه إلى الفرن.

عاد بعد ساعةٍ بلا خبزٍ.

قال: “أبي، لماذا لا يوجد طابورٌ؟”

قال أبو حمدان: “يا بني، الطابور يحتاج إلى ثقةٍ. وهنا لا أحد يثق أنَّ دوره سيأتي، لذلك يبدأ الجميع من البداية.”

ثم ابتسم وقال: “حتى الفوضى عندنا منظمةٌ.” فتح صنبور الماء. خرج هواءٌ. ضغط مفتاح الكهرباء. اشتغل الظلام.

نظر إلى السقف وقال: “الكهرباء في هذا البلد مثل الضيف الثقيل؛ ننتظره طويلاً، فإذا جاء رحل سريعاً.”

ذهب أبو حمدان إلى دائرةٍ حكومية.

قال الموظف: “المعاملة تحتاج أسبوعاً.”

ثم اقترب وهمس: “لكنها قد تنتهي اليوم إذا شربت فنجاناً من القهوة.”

ابتسم أبو حمدان وقال: “غريب… حتى الأوراق الرسمية أصبحت تشرب القهوة أكثر من الموظفين.”

خرج إلى السوق. وجد الخضار واللحم والخبز. لكن الأسعار كانت كأنها مكتوبةٌ للأغنياء فقط.

سأل البائع: “هل هذه الأسعار للبيع أم للفرجة؟”

قال البائع: “للبيع.”

قال أبو حمدان: “إذن أعطني كيلوً من الفرجة، فهي أرخص.”

أما السلاح، فكان أكثر من الأشجار. رجلٌ يحمل بندقيةً ليشتري البندورة. وشابٌّ يحمل مسدساً وهو ذاهبٌ إلى الحلاق. وشيخٌ يحمل رشاشاً ليقنع الناس أنَّه رجل سلامٍ.

نظر أبو حمدان حوله وقال: “لو حمل الناس الكتب كما يحملون البنادق، لأصبحت هذه البلاد جامعةً لا ساحةً.”

مرت الشهور. كان أبو حمدان يحاول أن يقنع نفسه أنَّ الأمور ستتحسن. كان يقول لأولاده: “اصبروا قليلاً… الوطن مثل البيت القديم، يحتاج إلى إصلاح.”

لكن الأولاد لم يكونوا يرون البيت القديم الذي يتحدث عنه. كانوا يرون الحاضر فقط. لا مدرسةً تشبه مدارسهم. ولا أصدقاء يفهمون لغتهم. ولا شارعاً يشعرون فيه بالأمان.

في إحدى الليالي، جلست أم حمدان أمامه طويلاً. كان الصمت بينهما أثقل من الكلام.

قالت: „أبو حمدان…”

رفع رأسه إليها.

قالت: “لنعد إلى ألمانيا.”

لم يجب. فقد كان يعرف أنَّ هذه الجملة كانت تنتظرها منذ اليوم الأول.

قالت بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالحزن: “ألم أقل لك؟ قلت لك: خلينا في ألمانيا. قلت لك إنَّ العودة للوطن مو وقتها. قلت لك إنَّ الأولاد بدأوا حياتهم هناك، وإنَّ مستقبلهم هناك.”

سكت أبو حمدان.

تابعت: “لكنَّك لم تسمعني. أنت عنيد، وسويت اللي براسك.”

ثم نظرت إلى أولادها وقالت: “لقد ضيعت مستقبل أولادنا… الله يخرب بيتك يا أبو حمدان.”

نزلت كلماتها عليه أثقل من الحجارة التي وجدها مكان بيته. لكنه لم يغضب. كان يعرف أنَّها لا تتحدث من كراهية، بل من خوف أمٍّ على أبنائها.

قال بصوتٍ منخفض: “كنت أظن أنني أعيدهم إلى وطنهم… ولم أعرف أنني ربما أخذتهم من مستقبلهم.”

جمع الأوراق. طرق الأبواب. كتب الطلبات. انتظر الردود. ثم اكتشف أنَّ العودة مستحيلة، فالطريق الذي جاء منه أُغلق. والوطن الذي عاد إليه لا يستطيع أن يعيش فيه. جلس فوق ركام بيته، ونظر إلى أولاده. تذكر الطفل الذي كان يجمع القناني من القمامة. وتذكر ابنه وهو يقول: „Wasser”

وتذكر كلمات زوجته. وشعر أنَّ الوطن ليس فقط المكان الذي تولد فيه، بل المكان الذي يسمح لأطفالك أن يحلموا.

أشعل سيجارةً، ونظر إلى السماء طويلاً.

ثم قال كعادته: “يا أولاد… كنت أظن أنَّ الوطن مكاناً نعود إليه. لكن يبدو أنَّ الوطن هو المكان الذي إذا عدت إليه، لا تتمنى في اليوم التالي إلا أن تهاجر منه من جديد.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى