
حين يواجه اليوم منتخب الأرجنتين نظيره الإنكليزي في مونديال 2026 بقيادة ليونيل ميسي يكون قد مرّ نحو 40 عاماً على لقائهما التاريخي الذي لا يُنسى في مونديال المكسيك 1986، وبزغ فيه نجم ساحر في كل العصور هو دييغو أرماندو مارادونا. وما بين ظروف المباراتَين نقرأ سطوراً من الإثارة والتناقضات ضمن صفحات مارادونا وميسي والمونديال. … في تلك البطولة، سطع نجم مارادونا ليس بسبب أدائه المذهل وتميّزه في مهارات كرة القدم فحسب، وليس أيضاً بسبب عوامل ووقائع وأحداث كثيرة لا يمكن فصلها عن تلك البطولة. … في تلك الفترة، بلغت غطرسة القوة الغربية واحدة من ذرواتها الكثيرة عبر التاريخ وصبغ تلك السنوات تحالف التاتشرية البريطانية مع الريغانية الأميركية (نسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان آنذاك)، والتي تجلت في استباحة الدول بالقوة العسكرية الغاشمة، مثل غزو الولايات المتحدة جزيرة غرينادا في 1983 وقصف ليبيا في إبريل/ نيسان 1986 قبل أسابيع من انطلاق كأس العالم.
الأسلوب نفسه استخدمته تاتشر، فلجأت إلى القوة العسكرية عام 1982 ضد الأرجنتين، فيما عرف بحرب فوكلاند القريبة جغرافيّاً من الأرجنتين، لكنّها كانت تحت حكم التاج البريطاني، وبعد 73 يوماً من الحرب استسلمت الأرجنتين، وأعادت لندن فرضَ سيطرتها على الجزر. وظلت الأرجنتين في تلك الفترة تمثل نموذجاً للشعوب التي تحاول الفكاك من قبضة شباك الحقبة التاتشرية الريغانية، وقادت الظروف مارادونا ليكون رأس الحربة، موظِّفاً مهارته الكروية الفذة في تجسيد قيم المقاومة والصمود وتثبيت روح التحدّي والإباء حتى تحقيق النجاح والانتصار.
لا يمكن أبداً النظر إلى هدفَي مارادونا في تلك المباراة في مرمى إنكلترا بمعزل عن كل تلك الظروف، ولم يكن هدفه الثاني مجرّد هدف، بل كان مقطوعة موسيقية رائعة تلاعب فيها بلاعبي منتخب إنكلترا وأسقطهم واحداً تلو الآخر قبل أن يسكن الكرة الشباك. قبلها نجح مارادونا في إحراز الهدف الأول التاريخي الذي لا يُنسى، وكان بلمسة يد لم يلحظها حكم المباراة التونسي علي بن ناصر، والذي قال عنه مارادونا لاحقاً إنّ “يد الله” هي التي أحرزت الهدف.
سامحت الملايين مارادونا على لمسة اليد، وأقنعوا أنفسهم أنها “سرقة حلال“
لم تقتصر الفرحة على الأرجنتين فحسب، بل كانت فرحة عارمة داخل كل إنسان حرّ، خصوصاً في العالم العربي، شعر أن مارادونا ردّ الصاع صاعَين، لمنطق الغطرسة والقوة الغاشمة والطغيان. سامحته الملايين على لمسة اليد، وأقنعوا أنفسهم أنها “سرقة حلال”. احتفل العالم بمارادونا لموهبته الكروية التي مكّنته من قيادة الأرجنتين لتجاوز بلجيكا ثم ألمانيا في المباراة النهائية ليتوّج باللقب الذهبي ويتحوّل إلى أيقونةٍ لا تُنسى في تاريخ اللعبة.
وفي مسيرة مارادونا الدراماتيكية، من المهم الإشارة إلى محطّتَين بارزتَين: الأولى حين فضّل الانضمام لنادي نابولي الإيطالي المغمور آنذاك، ليرسخ صورة اللاعب المتمرّد المتحدّي لهيمنة تحالف السطوة السياسية والثروة المالية الذي كان يمثله يوفنتوس المنتمي لمدينة تورينو الشمالية، مقابل التهميش والفقر الذي كان يمثله نابولي، المنتمي للجنوب الإيطالي ليقوده مارادونا إلى تحقيق مجدٍ لا يُنسى، بعد أن توّج بلقب الدوري المحلي مرّتين والسوبر الإيطالي مرّة وحقق لقبه القارّي الوحيد بعد التتويج بكأس الاتحاد الأوروبي موسم 1988/ 1989.
كانت المحطة الثانية حين هتف مارادونا في عام 2011 تحيا فلسطين. بعدها بعام قال بكلمات واضحة “أنا الداعم الأول لهم (للفلسطينيين) في قضيتهم العادلة، لأنني تربّيت على الكفاح والتصدّي للظلم، وفلسطين بلد مكافح”، كما وافق على دعوة فلسطينية لزيارة غزّة، وقال “ليغضب من يغضب، وليتضايق من يتضايق”. لم يتراجع مارادونا، بل كرّر مواقفه، وقال “قلبي فلسطيني”، حين التقى الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس على هامش بطولة كأس العالم في روسيا 2018. اتّخذ مارادونا هذه المواقف، وهو يعلم أنها لن تمرّ بسهولة، وأنها سيدفع ثمناً غالياً مقابلها.
على النقيض تماماً من تلك الشخصية الصاخبة المتمرّدة الثورية، يظهر ميسي بقدراته الكروية التي لا تُضاهى وأرقامه القياسية التي تخطّت إنجازات مارادونا في الملاعب، مرتدياً شخصية اللاعب الذي لا تعنيه كل تلك القضايا من أي زاوية. لاعب لا يعنيه أن يلبي دعوة طفل معجبٍ من أجل التقاط صورة لن تستغرقه سوى ثوانٍ معدودات، كما تظهر صور ومقاطع فيديو عديدة… لاعب لا يمكن أن يتدخّل بأي شكل لينقذ مشجّعاً شاباً متهوّراً اجتاز سياج الملعب من قبضة رجال الأمن. لاعب لن يتحدّى أو يقاوم المنظومة، وإن طاولها الفساد، بل يحاول أن يكون جزءاً منها أو على الأقل أن يحقّق أكبر قدر من الاستفادة من وجودها.
قدر كبير من التعاطف ناله منتخب مصر أمام الأرجنتين في نسخة مونديال 2026 تعيد إلى الأذهان القدر نفسه من التعاطف الذي حظيت به الأرجنتين، حين واجهت إنكلترا في مونديال 1986
ضمن ماكينة الأرقام الصمّاء، حقّق ميسي لقب أفضل لاعب في العالم، ونال الحذاء الذهبي ثماني مرّات، منها أربع متتالية بدءاً من 2009 آخرها في 2023، وهو رقم قياسي، من الصعب تكراره، لكن هذا اللقب طاولته اتهامات بالمحاباة، خصوصاً في مواسم 2010 التي توّج فيها باللقب على حساب نجم المنتخب الإسباني الفائز بكأس العالم حينها، أندريس إنيستا.
وتكرّر الأمر مجدّداً في موسم 2021، حين اقتنص ميسي اللقب من مهاجم بايرن ميونخ البولندي روبرت ليفاندوفسكي الذي كان يبدو الأوفر حظّاً للتتويج باللقب، وأيضاً في موسم 2023 أمام منافسةٍ شرسةٍ من مهاجم مانشستر سيتي النرويجي إيرلينج هالاند، ونجم باريس سان جيرمان الفرنسي كيليان مبابي. ووفق هذه المعطيات، لا يمكن أن يختار أن يرتدي قميص فريق مغمور مثلما كان حال نابولي وقت انضمام مارادونا لصفوفه عام 1984، بل الأقرب للمنطق وطبيعة شخصيته أن يختار الانضمام إلى إنتر ميامي الأميركي براتب سنوي بين 60 و70 مليون يورو حزمة استثمارية، تشمل راتبه وحصّته المستقبلية في ملكية النادي. ولكن هذا لا ينفي وجود مساحات قصيرة من التمرّد في حياة ميسي منها تصريحاته بشأن فساد
اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول) منتقداً “الفساد والحكام” في بطولة كوبا أميركا عام 2019، ما تسبّب في وقفه ثلاثة أشهر وتغريمه 50 ألف دولار.
من العجيب أن ميسي قاد الأرجنتين بعد هذه التصريحات النارية للتتويج بلقب البطولة التي اتهمها بالفساد في المرتَين التاليتَين مباشرة في نسختَي 2021 و2024، وكانت الأخيرة تقام على ملاعب الولايات المتحدة التي شاركت أيضاً في استضافة كأس العالم هذا العام 2026، وهي النسخة التي أثيرت فيها علامات استفهام إزاء تدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لصالح ميسي والأرجنتين لأسباب تسويقية وتجارية بحتة. وربما هناك مبالغات كثيرة في رسم ملامح نظرية مؤامرة بشأن مشوار ميسي والأرجنتين في مونديال 2026، لكن هذه المبالغات في رسم خطوط مؤامرة مزعومة اتسع صداها بقوة بعد مباراة مصر والأرجنتين، لأسباب عديدة، منها الأخطاء التحكيمية القاتلة في المباراة التي فتحت الباب للحديث عن ارتباط ميسي، بصورة أو بأخرى، بمنظومة إدارة “فيفا” الذي يمهد الطريق لتواصل الأرجنتين طريقها في البطولة من أجل الحفاظ على المكاسب المالية بسبب مداخيل الإعلانات، وتذاكر الدخول المرنة وخوارزميات المراهنات.
فوز الأرجنتين في مونديال 1986 على إنكلترا أشعر العرب أنّ مارادونا ردّ الصاع صاعَين، لمنطق الغطرسة والقوة الغاشمة
كما دار حديث لا يمكن إغفاله عن ارتباط تلك المباراة بموقف مدرّب منتخب مصر حسام حسن عن فلسطين وظهور علم إسرائيل بين جمهور الأرجنتين، واستعادة مشاهد زيارة ميسي حائط المبكى، ما عزّز من حظوظ نظرية وجود مؤامرة تحكيمية مع تلميحات سياسية قوية لإقصاء منتخب مصر والسماح للأرجنتين بقيادة ميسي لمواصلة الطريق في كأس العالم. أما ما ثبت أركان تلك النظرية في وجدان المقتنعين بها سلفاً، فكان التدخل الفج من الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً لإلغاء إيقاف لاعب منتخب بلاده، فولارين بالوغون، بعد طرده في مباراة البوسنة والهرسك، ليتحقق له ما أراد، بعد مكالمة هاتفيه مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، ويشارك اللاعب بالفعل في المواجهة أمام بلجيكا التي انتهت بتلقّي المنتخب الأميركي خسارة ثقيلة.
قدر كبير من التعاطف ناله منتخب مصر أمام الأرجنتين في نسخة مونديال 2026 تعيد إلى الأذهان القدر نفسه من التعاطف الذي حظيت به الأرجنتين، حين واجهت إنكلترا في مونديال 1986، ففي حين كانت الصورة الذهنية لتلك المباراة مرتبطة بقدرة الأرجنتين على مواجهة رمزية الغطرسة السياسية والعسكرية التي مثلتها إنكلترا في ذلك الوقت، تكرّست صورة ذهنية مرادفة في مباراة 2026 مرتبطة بقدرة مصر على فضح ظلم تحكيمي فجّ بنكهة سياسية لا يمكن تجاهلها في مونديال بات وكأنّه يحمل سمات الحقبة الترامبية المرتبطة بخطف رئيس دولة (فنزويلا) والتهديد بمحو آثار وحضارة دولة أخرى (إيران).
واليوم تكرّر المواجهة بين منتخبي إنكلترا والأرجنتين، ولكن هذه المرّة بقيادة ميسي وليس مارادونا، فهل ظلّ كل من البلدَين في موقعه الذي كان عليه قبل 40 عاماً، ليس في عالم الملاعب وحسب، بل أيضاً في عالم السياسة؟
المصدر: العربي الجديد






