
ادّعى بنيامين نتنياهو، في الخامس من يوليو/ تموز الجاري، أن بلدات مسيحية في الجنوب اللبناني طلبت الالتحاق بإسرائيل خوفاً من وقوع الأذى عليها من حزب الله والجماعات “المتطرّفة” في الجنوب، ما استدعى ردّاً حازماً وصارماً من وجهاء البلدات المذكورة وأعيانها، فأنكروا أزعومة نتنياهو، وأعلنوا تمسكهم بهويتهم الوطنية اللبنانية التي لا يحيدون عنها ولا يبدّلونها تبديلا.
ينمّ الادعاء عن رغبة إسرائيلية باحتلال مناطق لبنانية، فيجري تنسيب الرغبة إلى جماعة أهلية لا ناقة لها فيها ولا جمل، ويعيد إلى الذاكرة رغبات ومشاريع احتلالية وتقسيمية، أطلقها المحتلون وبعض المستشرقين طوال القرن الماضي، ووصل بعضها إلى مستوى إعادة تدوير الهويات والجينات، كأن يقال مثلا إن الفلاحين الفلسطينيين من أسباط يهوذا، والموحدين الدروز “قومية” منفصلة عن العرب، والمسلمين العلويين في سورية من جذور يونانية.
الخرافة الأولى يقصّها أول رئيس لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، بن غوريون، فينسج نصّاً حكائياً يزعم فيه أن جذور أهل الأرياف الفلسطينية تعود إلى القرى الزراعية اليهودية التي سبقت الفتح العربي لبلاد الشام، ويقوده السطو التاريخي إلى أن يكتب في مقالة نشرها في 25/4/1917 في نيويورك، ونشر خلاصتها وئام بلعوم في “قضايا إسرائيلية” (العدد 73)، أن سكان فلسطين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، مدينيين وفلاحين وبدو، ويبلغ تعداد الفلاحين مليون نسمة، ويسميهم السياح الأوروبيون عرباً.
أنكر المسيحيون أزعومة نتنياهو، وأعلنوا تمسكهم بهويتهم الوطنية اللبنانية التي لا يحيدون عنها ولا يبدّلونها تبديلا
وعلى ما يكتب بن غوريون “إذا جئنا نبحث في أصولهم (الفلاحين) وأسلوب حياتهم الداخلي، ونُنقب في التقاليد القديمة التي جرى الحفاظ عليها، فسيظهر أن لا شيء تقريباً بينهم وبين العرب الحقيقيين”. وحيال هذا يطرح السؤال: ما “أصول” الفلاحين الفلسطينيين، والإجابة عند بن غوريون على هذا الوجه “…. عندما تغلّب جيش الخليفة عمر بن الخطاب على حُكم البيزنطيين، استولى المنتصرون على معظم الأرض المزروعة، لم ينهبوا بشكل كامل عمًال الأرض الذين وجدوهم في أرضهم، بل تركوا أصحاب الأرض السابقين ليزرعوا أراضيهم، وفرضوا عليهم الضرائب المعروفة، واستبدلوا أصحاب الأرض لا العمّال، واستقرّ الرابحون العرب في المدن، وسكان القرى الذين تحوّلوا إلى دافعي ضرائب كانوا أبناء البلاد الذين سبقوا الاحتلال العربي، وقبلوا لغة المنتصرين ودينهم في ما بعد”.
وإذ لا تتوقف مخيلة بن غوريون عند هذا الحد، بل تخترق حدود التاريخ والمنطق معاً، وبعد أن يستعرض تصنيع تاريخه يستطرد ويسأل “معظم الفلاحين ـ الفلسطينيين ـ في عصرنا هم أحفاد الفلاحين الذين وجدهم العرب في البلاد في القرن السابع، من هم هؤلاء الفلاحون؟”.. بقطع بن غوريون ويجيب “بالطبع لم يكونوا يونانيين أو روماناً، ففي لغة الفلاحين المعاصرين وعاداتهم وتقاليدهم وآدابهم، نجد علاماتٍ عديدة بشأن أصلهم اليهودي، إن معظم أحفاد الفلاحين المسلمين وأبنائهم في غرب فلسطين يبدون أبناء عرق واحد وإثنية واحدة، وليس هناك شك في أن في عروقهم يجري كثير من الدم اليهودي، دم الفلاحين اليهود الذين اختاروا في الأوقات العصيبة إنكار دينهم كي لا يتم اقتلاعهم من أرضهم”.
وتلك البدعة نفسها ستعيد الإنارة عليه مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 162، ربيع 2024 ) مع مقدّمة في غاية الأهمية، وفيها “لم تكن فكرة الأصول اليهودية للفلاحين الفلسطينيين فكرة بن غوريون، بل كثيرا ما انتشرت بين العديد من الناشطين والمفكرين اليهود منذ سنة 1882، والمنظًر الإشتراكي الصهيوني، دوف بير بوروخوف، توصل إلى نتيجة فحواها أن فلاحي فلسطين هم أحفاد يهود فلسطين القدماء الذين انصهروا في عصر الفتح العربي الإسلامي مع الشرائح الجديدة. وأشار المربي يتسحاق إبشتاين في إحدى محاضراته سنة 1905 إلى الأصل الإثني الواحد لسكان فلسطين واليهود”.
حين ارتفعت أصوات الدروز الرافضين للتجنيد الإجباري في جيش الإحتلال تكثفت الحملة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية لإعادة صياغة الوعي الدرزي بعيداً عن السياق العربي
وترتبط الخرافة الثانية بـ”القومية الدرزية” الخاصة والمستقلة عن الهوية العربية، وفي كتاب قيس فرو “دروز في زمن الغفلة” (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2019) ما يفيض سرداً وشرحاً للمشاريع الإسرائيلية التي لا تكفّ ولا تملّ عن زرع بذور الشقاق والفراق بين الموحّدين الدروز وتاريخهم العربي عبر اصطناع أدب خاص له، وتراث ذاتي، وعادات وتقاليد منفصلة عن الجماعة العربية. ومن ضمن ما يقوله إن الحكومة الإسرائيلية شكلت عام 1949 لجنة من مختلف الوزارات للبحث في السياسة التي يجب إنتهاجها حيال الأقليات غير اليهودية، وترأسها المستشرق حاييم هيرشبيرغ (1903ـ 1976). وفي إحدى الجلسات، قدًم مقترحا قضى بمنع الأقليات العربية من الاندماج في مجموعة واحدة، ودعا إلى إيجاد منظومة تعليمية تحول دون إنشاء مدارس عربية موحدة المناهج. ولذلك يجب تقسيم العرب الفلسطينيين “إلى ذرّات- ذرّات”.
ومن هذه الفكرة، نبتت وليدتها القائلة بـ “الشعب الدرزي”، فأصدرت وزارة الداخلية الإسرائيلية تعميماً إلى موظفي الوزارة “بإستبدال كلمة عربي بكلمة درزي في خانة بطاقات هويات الدروز”. وحين ارتفعت أصوات الدروز الرافضين للتجنيد الإجباري في جيش الإحتلال (خصوصاً بعد رفض الشاعر سميح القاسم عملية التجنيد عام 1960) تكثفت الحملة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية لإعادة صياغة الوعي الدرزي بعيداً عن السياق العربي، وقاد الحملة الصحافي الإسرائيلي نسيم رجوان (1924ـ 2017)، فجعل صحيفة اليوم منبراً للحديث عن الخصوصية الدرزية في التراث الأدبي الشعبي والشعري والغنائي والقصصي.
وبحلول عام 1976 تقرّر أن تضع وزارة المعارف الإسرائيلية دراسة تحدّد أهداف تعليم التراث والتاريخ الدرزيين، وفي مقترح مقدًم إلى مدير رئاسة الحكومة الإسرائيلية عاموس عيران “لا يختلف الدروز عن العرب في مظهرهم الخارجي، ولباسهم التقليدي فحسب، بل في مميزاتهم وقيمهم الخاصة، وهم مضيافون وشجعان وقادرون على التحمّل، وهم أيضاً مميزون ببشرتهم الفاتحة وشعرهم غير الداكن”. وفي سياق سياسة الاختلاق القومي للدروز، أصدرت الجامعة العبرية عام 1978 مجموعة قصصية بعنوان “قصص شعبية درزية… ثلاثون اسطورة وحكاية”. ويمكن رصد مجموعة كتب عن “الاستقلالية الدرزية”، صدرت بين عقدي السبعينيات والثمانينيات الماضيين، أوردها قيس فرّو في كتابه، منها “دروس في الآداب الدرزية – من التراث الشعبي ـ نصوص أدبية للمدارس الثانوية الدرزيةـ حكايات من قراناـ من آدابنا وعاداتناـ من عيون تراث بني معروف”.
جاء في بيان صادر عن إحدى البلدات اللبنانية المسيحية ردّا على نتنياهو “نحن لسنا أطرافاً… نحن قلب لبنان النابض بالهوية الوطنية“
الخرافة الثالثة تسبق نظيرتيها زمناً ووقتاً، وتتعلق بالأصول اليونانية للعلويين في سورية. وحين التمحيص في اسم الكاتب والتدقيق في أصوله، يتبين أنه المستشرق اليهودي الفرنسي ليون كاهون الذي كان زار جبال العلويين عام 1878 ووضع كتابه “رحلة إلى جبال العلويين”، نقلته إلى العربية مها أحمد وقدًم له سهيل زكار وصدر عن دار التكوين في دمشق عام 2004. وأكثر ما يستوقف الكاتب ويشد ناظريه كما يروي، تلك القبور التاريخية التي شاهدها في الجبال التي زارها وفي ضواحي مدينة اللاذقية “فهي لا تشبه قبور الفينيقيين التي رآها في مدن أرواد وصيدا وصور”. وكما قيل له “إن هناك قبوراً على شاكلتها في مناطق البحر الأسود”.
وزيادة في الشرح و”التنبيه”، يقول ليون كاهون إن الشكل المقوّس والمقبب للقبور التي رآها “يشبه بشكل خاص تلك المقابر التي تخص المقدونيين، وقد لاحظتُ أن جماجم العلويين التي جلبتها معي تتقارب، إلى حد بعيد، مع الجماجم الألبانية، وإني أعتقد جازماً أن هذه المدافن هي إنجاز جنس ساد وعمً منطقة كبيرة من سورية وآسيا الوسطى ومقدونيا واليونان، وإني لمتأكّد أن العلويين هم اليوم أحفاد ذاك الجنس”.
بالعودة إلى مسيحيي الجنوب اللبناني وختاماً، جاء في بيان صادر عن إحدى البلدات المعنيّة “نحن لسنا أطرافا… نحن قلب لبنان النابض بالهوية الوطنية”.
المصدر: العربي الجديد






