القبيلة وسؤال السياسة في اليمن

  نبيل البكيري

السياسة والقبيلة في اليمن مترادفتان، يحضران دائماً معًا في المشهد السياسي. يزداد حضورهما عكسيّاً مع قوة الدولة وتراجعهما مع غيابها أو ضعفها. فالقبيلة ليست مجرّد مكون اجتماعي ثانوي، بل هي عماد أساسي في قلب المجتمع اليمني الكبير، شأن معظم المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً في أفريقيا حيث تطغى البنى القبلية على نسيج الدولة والمجتمع.

في السردية التاريخية العربية، يُعتبر اليمن أصل العرب وموطن قبائلهم الأول. انطلقت منه الهجرات الكبرى بعد انهيار سد مأرب، فانتشر اليمنيون شمال الجزيرة العربية وتخوم الشام والعراق، ثم شاركوا في الفتوحات الإسلامية شرقاً وغرباً حتى شمال أفريقيا والأندلس. باتت هذه السردية التاريخية النمط السائد في كل نقاش يتعلق بالقبيلة والسياسة في اليمن، وتعود اليوم بقوة أكبر في ظل انهيار الدولة اليمنية وتصاعد السعار الطائفي.

يرى الحوثيون في القبيلة اليمنية مجرّد جنود يخدمون “السيد” والسلالة المقدسة، ولا يحقّ لها أي دور سياسي أو اجتماعي مستقل سوى التبعية المطلقة. خلال السنوات العشر الماضية، انقسمت القبائل، وانحصر دور معظمها في هامش المشهد مقاتلين تحت إمرة الجماعة. من رفض “العبودية المختارة” هذه غادر مرابعه أو انضم إلى صفوف المعارضين.

تستخدم الجماعة الحوثية القبائل كما تستخدم الدين وكل شيء آخر: أداة رخيصة في معركتها “المقدّسة” لحكم اليمن

تستخدم الجماعة الحوثية القبائل كما تستخدم الدين وكل شيء آخر: أداة رخيصة في معركتها “المقدّسة” لحكم اليمن مركز انطلاق لمشروع إقليمي يتجاوز الحدود اليمنية. تاريخيّاً، حافظت القبيلة اليمنية على مكانتها المتميزة، رغم كل التحولات السياسية. تقف عند حدود أراضيها ومصالحها، وتنسج علاقات براغماتية ذكية ونفعية مع كل حاكم صاعد، مع الحفاظ الصارم على أعرافها وتقاليدها وأسلافها.

ظن عبد الملك الحوثي أنه نجح في السنوات العشر الماضية في هضم القبيلة وتذويب عاداتها وإذابتها داخل سلطته الثيوقراطية، لكنه فوجئ أخيراً بموقف قبلي حاسم كشف عن وهم هذا الاعتقاد. بدأت القصة بامرأة تدّعي أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، استجارت بالزعيم القبلي حمد بن فدغم الحزمي الدهمي من قبائل دهم (بكيل) في محافظة الجوف.

أجارها الشيخ وفق العرف القبلي، فاعتقله الحوثيون. اضطرّ إلى مسايرتهم مؤقتًاً حتى تمكّن من الإفلات، ثم عاد إلى قبيلته طالباً النصرة والنكف. تداعت قبائل يمنية واسعة من مختلف المناطق إلى “مطارح الريان” حيث خيّم الشيخ ومن معه، مطالبين بإطلاق سراح “الربيعة” (المستجيرة) وإنصافها من الظلم الذي لحق بها، وفقاً لأعراف النكف القبلي. أعاد هذا التداعي القبلي غير المسبوق تسليط الضوء مجدّداً على مكانة القبيلة اليمنية وتاريخها وأدوارها السياسية.

لا يمكن للقبيلة أن تحل محل الدولة اليمنية، وأن تخوض حروب استعادة الدولة بنفسها

يرفع المتجمعون شعار النصرة والكرامة، لكن المراقب يدرك أن الكرامة لا تنفصل اليوم عن مواجهة مشروع الحوثي الذي يمثل نقيضها تماماً، فقد سحق الحوثيون خلال السنوات الماضية كل معنى للكرامة لدى القبائل، وحوّلوها إلى مجاميع من المقاتلين الجوعى الذين يُضحّى بهم قرباناً في سبيل مشروع سلالي طائفي.

بلغت القبائل اليوم قناعة واضحة بأن تورّطها السابق في المشروع الحوثي كان خطأً استراتيجيّاً، حتى قبائل بكيل التي حاولت الانخراط فيه نكاية بحاشد (كانت ترى في دولة صالح دولة حاشد). اكتشفت أن الحوثي لا يرى في أي قبيلة إلا أداة، لذا فإن الحشود الحالية في مطارح الريان ليست تضامناً عابراً، بل إعلان صريح عن رفض الإذلال الممنهج الذي مارسته الجماعة.

نجاح هذا النكف أو حتى استمراره ضغطاً مستمراً، قد يفتح الباب أمام موجة تمرّد قبلي أوسع ضد المشروع الأقلوي الطائفي. أثبت التاريخ مراراً أن القبيلة اليمنية لا تقبل الاستعباد الدائم، وأنها قادرة على إعادة رسم خريطة التحالفات حين تشعر أن كرامتها مهدورة.

ما يحدث اليوم ليس نزاعاً محليّاً بسيطاً، بل إشارة قوية إلى أن عشر سنوات من الهيمنة الحوثية لم تتمكّن من كسر إرادة القبيلة أو إذابة هويتها. يبقى السؤال الملح: أين الحكومة اليمنية الشرعية من هذا الغضب القبلي الكبير واللحمة الوطنية النادرة؟ عليها أن تلتقط هذه الفرصة التاريخية بسرعة، وتقف على أهبة الاستعداد لدعم هذا الرفض حتى لا ينكسر كما يعوّل الحوثيون على طول الانتظار وانكسار الهبة بمرور الوقت، والقبائل عادة لا تحارب حروباً طويلة الأمد، بل حروباً خاطفة تحقق أهدافها بأقل كلفة ممكنة.

لا يمكن الحديث عن السياسية بمعزلٍ عن الحديث عن القبيلة ودورها وحضورها ووجودها في قلب الفعل السياسي اليمني

يتمثل السيناريو الأسوأ في عدم استجابة الحوثي أو نجاحه في اختراق المجاميع بعمل عسكري مباغت. عندها قد تكون مطارح الريان آخر تجمع قبلي موحّد، ما يستدعي حسم أهداف النكف بسرعة وتوظيفه في إطار المعركة الوطنية الكبرى: استعادة الدولة المختطفة، فبدون استعادة الدولة، ستظل كل المعارك الجانبية تستنزف الطاقات وتطيل أمد الأزمة وتعمق معاناة اليمنيين في كل مكان. اليمن بدون قبائله، بمصالحها وأعرافها وكرامتها، يبقى يمناً ناقصاً. والقبيلة اليوم تذكر الجميع بأنها حاضرة وقوية وقادرة على إعادة التوازن إلى المعادلة السياسية، في طريق استعادة الشرعية المنقلب عليها واستعادة الدولة اليمنية المختطفة. لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن القبيلة لا يمكن أن تحل محل الدولة اليمنية، وأن تخوض حروب استعادة الدولة بنفسها فالقبيلة شديدة البراغماتية وحدود دورها أن تبقى رديف للفعل الرسمي العام لمؤسّسات الدولة الشرعية، ولا يمكن أن تقود القبيلة بمفردها حروباً وطنية منظمة، فحروب القبائل حروب خاطفة ومحدودة تتمحور حول مصالح القبيلة وحقوقها، ولا حروب لها خارج هذه المصالح، ولكن يمكن توظيف عصبية القبيلة في إطار مشروع وطني عام.

باختصار شديد، لا يمكن الحديث عن السياسية بمعزلٍ عن الحديث عن القبيلة ودورها وحضورها ووجودها في قلب الفعل السياسي اليمني، ولا يمكن تجاوز القبيلة، والقبيلة اليوم تدرك أنها ضحية سقوط الدولة، وأنها أكبر الخاسرين من هذا الوضع كونها هي من تخسر أفرادها في معارك لا تعود عليها بأي مصلحة مرجوّة، ومن ثم أعتقد اليوم جازماً أن درس العشر السنوات الماضية جعل القبيلة أكثر إدراكاً لأهمية استعادة الدولة اليمنية، وأن الدولة هي الضامن الوحيد لمصالح كل اليمنيين، وفي مقدمتهم القبيلة التي لا مكانة لها في أي معادلة سياسية لا تكون الدولة في قلبها وهدفها المنشود.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى