تحديث الإدارة العامة.. طريق سوريا إلى دولة الكفاءة والخدمة

  راغب العطيه

يعد تحديث الإدارة العامة في سوريا إحدى الركائز الأساسية لنجاح المرحلة الانتقالية، لأنه يمثل المدخل العملي لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، من خلال تقديم الخدمات بكفاءة، وإدارة الموارد بشفافية، ومنع تشكل بؤر فساد جديدة تعيد إنتاج ما خلّفه النظام المخلوع من ترهل ومحسوبية وبيروقراطية. فالدولة التي تسعى إلى النهوض بعد سنوات طويلة من الاستبداد والحرب تحتاج إلى جهاز إداري قادر على التخطيط والتنفيذ والرقابة، وإلى مؤسسات تعمل وفق مبادئ الكفاءة والجدارة والمساءلة.

وتكمن أهمية التحديث الإداري، بحسب مراقبين، في إصلاح الإدارة العامة بما يضمن تجاوز التضخم البيروقراطي والفساد الإداري، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتطوير البنى المؤسسية، وتوسيع مسارات التحول الرقمي. ومن هنا، فإن تحديث الإدارة لا يمثل ملفاً فنياً منفصلاً عن بناء الدولة، بل يشكل شرطاً لازماً لإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق العام.

وفي هذا السياق، جاء اللقاء الذي جمع وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف، وسفير جمهورية تركيا لدى سوريا نوح يلماز، السبت الماضي، في مقر الوزارة بدمشق، لبحث تعزيز آفاق التعاون والتشاور في تطوير الأداء الحكومي، والاستفادة من الخبرات المتبادلة في تحديث الإدارة العامة. وأوضحت وزارة التنمية الإدارية، في بيان نقلته وكالة “سانا”، أن اللقاء استعرض مسيرة الوزارة ومجالات عملها ودورها في تطوير منظومة الأداء المؤسسي، إلى جانب مناقشة الاستراتيجيات المعتمدة لرفع كفاءة العمل الحكومي وتحديث الهياكل الإدارية.

وأكد الجانبان ضرورة فتح قنوات تنسيق مع الجهات المختصة، تمهيداً لإطلاق صيغ تعاون مستدامة، تسهم في تعزيز التكامل المؤسسي بين البلدين، وتوسيع مجالات الاستفادة المتبادلة في تحديث الإدارة العامة. ويعكس هذا اللقاء اتجاهاً سورياً واضحاً نحو بناء شراكات مؤسسية مع الدول والمنظمات ذات الخبرة، بما يدعم مسار التحول الإداري وينقل النقاش من مستوى الرؤية إلى مستوى البرامج العملية.

وتسعى سوريا بصورة حثيثة إلى تحديث الإدارة العامة عبر تبادل الخبرات وبناء الشراكات المؤسسية مع دول ومنظمات دولية، بهدف رفع كفاءة العمل الحكومي وتطوير الأداء المؤسسي. وفي هذا الإطار، شاركت سوريا في منتدى الأمم المتحدة للخدمة العامة لعام 2026، الذي انعقد في العاصمة الجورجية تبليسي في 25 حزيران، بوفد ترأسه وزير العدل مظهر الويس.

وقال الوزير الويس، خلال مشاركته في المنتدى، إن سقوط النظام كشف واقع الإدارة العامة المزري في الدولة، لافتاً إلى وجود أكثر من مليون قتيل، وحالات إخفاء قسري تتجاوز ربع مليون إنسان في السجون. وأكد أن الحكومة ركزت على تعزيز مبدأ المواطنة المتساوية في مجتمع يضم عرقيات ومكونات متعددة، وعملت على ترسيخ سيادة القانون ليكون أداة لحماية الحقوق والمواطنين، لا وسيلة لتمكين السلطة، إلى جانب الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد وتشجيع الاستثمار.

وأوضح الويس أن سوريا استطاعت، خلال عام ونصف العام، رغم تعقيدات المشهد، أن تعزز مكانتها كدولة مهمة ومستقرة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستركز على ترسيخ الشفافية عبر إجراءات تشريعية وقانونية، وتوحيد عمل المنصات ضمن منصة وطنية واحدة تصل إلى جميع المواطنين. وهذا التوجه يربط بين تحديث الإدارة وتطوير الخدمة العامة، ويجعل التحول الرقمي جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

وكانت وزارة التنمية الإدارية فتحت مسار تعاون عملي مع منظمة القانون العام الأوروبية “EPLO”، من خلال سلسلة اجتماعات فنية مشتركة أطلقتها في 6 أيار الماضي مع وفد المنظمة، استكمالاً لجلسة العمل التمهيدية التي عقدت مطلع العام الحالي. وشكلت الجلسة الافتتاحية، بحضور وزير التنمية الإدارية والسفير الإيطالي بدمشق وخبراء من الجانبين، نقطة ارتكاز لتحديد الإطار العام للتعاون، ومراجعة الأولويات المشتركة، وتحديد المجالات التي يمكن أن تحدث أثراً مباشراً في تطوير الإدارة العامة السورية.

وركزت المناقشات على دعم مسارات الإصلاح التشريعي والتنظيمي، وتحديث إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة ويعزز كفاءة المؤسسات الحكومية. كما بحثت الاجتماعات آليات توجيه التعاون نحو تطبيقات عملية قابلة للقياس، تتيح نقل الخبرات الدولية إلى بيئة العمل الحكومي السورية، وتطوير أدوات الإدارة بما يرفع فعالية الأداء المؤسسي.

وقالت الوزارة إن التعاون مع منظمة القانون العام الأوروبية يمثل خطوة عملية نحو تعزيز قدرات الجهاز الإداري، وتطوير بيئة العمل الحكومي على أسس علمية وتنظيمية واضحة، بما يرسخ مسار التحول المؤسسي الشامل. وأكد الوزير السكاف، في تدوينة عبر منصة “X”، أن الانفتاح على الخبرات الدولية مع الحفاظ على خصوصية الاحتياجات الوطنية يشكل أحد المسارات المهمة لتسريع التحول المؤسسي وبناء إدارة عامة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على الاستجابة.

وفي مسار مواز، وقع وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني، في 4 أيار الماضي، مذكرة تفاهم مع وزير البلديات والإسكان في المملكة العربية السعودية ماجد بن عبد الله الحقيل، لتعزيز التعاون في مجالات القطاع البلدي والبيئي. وتهدف المذكرة إلى تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب السعودية في تطوير العمل البلدي والتحول الرقمي وتنظيم الخدمات المحلية، بما يدعم جهود تحديث الإدارة المحلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وتشمل المذكرة التعاون في التخطيط الحضري، والأراضي، والبنية التحتية، والتراخيص، والرقابة البلدية، وتنظيم مشغلي المدن، وإدارة الأصول الاستثمارية، وإثبات الملكيات، والتحول الرقمي، والمدن الذكية. ويتم تنفيذ التعاون من خلال تبادل المعلومات والخبرات والزيارات بين المختصين، وتنظيم المؤتمرات والندوات والدورات وجلسات العمل المشتركة.

وتتمحور خارطة التحول المؤسسي الشامل في سوريا حول تحديث القطاع العام والإدارات المركزية والمحلية، وتتابع تنفيذها وزارة التنمية الإدارية. وفي هذا السياق، أطلقت الوزارة في 29 تشرين الأول الماضي ورشة عمل بعنوان “استراتيجيات التغيير وأولويات التنفيذ في ضوء التحول المؤسسي الشامل”، مؤكدة أنها محطة جديدة في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ومن الرؤية إلى العمل الميداني.

وأكد الوزير السكاف، خلال افتتاح الورشة، أن الوزارة قطعت مرحلة التأسيس ووضعت الأسس التشريعية والتنظيمية لمسار التحديث الإداري، وبدأت مرحلة التطبيق العملي عبر خارطة واضحة توحد الجهود وتحول الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس، يلمسها الموظف والمواطن على حد سواء. وشدد على أن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة ليس على النصوص والهياكل فقط، بل على الإنسان، وعلى مديري التنمية الإدارية الذين يشكلون عصب التطوير المؤسسي في الميدان.

وتأتي هذه الورشة ضمن سلسلة ورشات متخصصة ولقاءات ميدانية تنفذها الوزارة في المحافظات، بهدف ترسيخ نهج المتابعة المباشرة، وتحويل مسارات التحول المؤسسي إلى خطوات تنفيذية قابلة للقياس، بما يعزز تطوير الإدارة العامة على أسس عملية ومستدامة.

وقالت رئيسة قسم الريادة والإبداع والاستراتيجيات في المعهد العالي للتنمية الإدارية بجامعة دمشق، الدكتورة ناريمان عدنان الشوكي، إن الورشة تناولت مفاهيم التنظيم والمنظمة وتوصيف الوظائف والأدلة التنظيمية وإعادة تصميم الهياكل التنظيمية، وشهدت مناقشات وجلسات حوارية تفاعلية. وبيّن مدير إدارة التنظيم المؤسساتي في وزارة التنمية الإدارية، خالد الشيخ أحمد، أن الورشة تهدف إلى تبادل المعارف والخبرات وربط العلوم النظرية بالتطبيق العملي، في ظل سعي الوزارة لإقرار قانون خاص بالتنظيم المؤسساتي وبناء وتحديث الهياكل التنظيمية للجهات العامة.

وفي قراءة لأهمية هذا المسار، قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو، في تصريح لـ”الثورة السورية”، إن تحديث الإدارة العامة ضروري جداً في هذه المرحلة من تاريخ البلاد، لأنه يشكل مدخلاً للتنمية الشاملة والارتقاء بسوريا إلى مصاف الدول الحديثة. وأكد أن إعادة بناء الدولة على أسس إدارية متطورة تسهم في تسهيل الإجراءات والمعاملات، وتقديم الخدمات للمواطن والقطاع الخاص بجودة عالية.

وشدد سعدو على ضرورة إنهاء حالات التعثر والخراب البنيوي التي كرّسها النظام المخلوع خلال العقود الماضية، معتبراً أن أنظمة الإدارة الحديثة هي الطريق الإجباري لعبور البلاد إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي، وهي أساس انطلاق إعادة الإعمار وعودة المهجرين إلى منازلهم ومدنهم وبلداتهم.

وفي إطار خططها الإصلاحية، عقدت وزارة التنمية الإدارية في 21 شباط الماضي ورشة عمل موسعة في محافظة إدلب، بحضور الوزير السكاف ومحافظ إدلب محمد عبد الرحمن ومديري الجهات العامة في المحافظة. وأشار السكاف إلى أن الورشة تندرج ضمن إطار التواصل المباشر مع الجهات العامة في المحافظات لمعالجة الصعوبات وفق أسس علمية ومنهجيات حديثة، مستعرضاً الخطط المستقبلية المتعلقة بآليات التوظيف القائمة على الجدارة والكفاءة، وتطوير الموارد البشرية، وبرامج التدريب والتأهيل المستمر.

وكانت وزارة التنمية الإدارية أعلنت في 24 أيلول 2025 إنجاز الصياغة النهائية لمشروع قانون الخدمة المدنية، ضمن منهجية شاملة لترتيب العلاقة بين المؤسسات والموظفين. ويهدف القانون إلى إرساء قواعد حديثة للتنظيم المؤسساتي، من خلال وضع أسس ناظمة لإعداد البنى التنظيمية للجهات الحكومية، واعتماد منهجية موحدة لإحداث ودمج وحل الجهات العامة، وتحديد البنية الإدارية المثلى للوحدات التنظيمية، وتعزيز التكامل المؤسسي بما يرسخ الحوكمة الإدارية ويرفع كفاءة الجهاز الحكومي.

ولا ينفصل تحديث الإدارة عن مسارات التعاون الدولي الأخرى، فقد بحث رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي مع وفد من صندوق النقد الدولي آليات استئناف التواصل الرسمي بين سوريا والصندوق، في خطوة تعكس التوجه نحو تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية ودعم الإصلاح الاقتصادي. كما ناقشت مباحثات سورية أممية في 31 آذار الماضي تحديات قطاع الإسكان، وآفاق التعاون في الدعم المؤسساتي، والتدريب المهني، والتخطيط العمراني، وحوكمة البيانات، والتحول الرقمي.

وفي ملف العدالة الانتقالية، بحث رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف مع نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني آليات الدعم الأممي الممكنة، بما يشمل الخبرات المعرفية والعلمية المتنوعة. كما عقد وفد من الهيئة اجتماعات في لاهاي للاطلاع على أفضل الممارسات الدولية في مجالات العدالة الانتقالية وآليات ملاحقة مرتكبي الجرائم من النظام المخلوع.

ويعد تطوير الإدارة العامة حجر الزاوية في نهضة سوريا الجديدة، لأنه ينقل الدولة من إرث المركزية والفساد والبيروقراطية إلى نموذج يقوم على الكفاءة والشفافية وخدمة المواطن. ومن دون إدارة حديثة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، لا يمكن لخطط التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وعودة المهجرين أن تتحول إلى نتائج ملموسة. لذلك، فإن تحديث الإدارة ليس خياراً تقنياً، بل شرطاً وطنياً لبناء دولة المواطنة الحديثة التي تلبي تطلعات السوريين.

 

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى