أين يوسوكي فوروساوا العربي؟

جورج كعدي

بلغت مأساة غزّة، بحساب الأيام، يومها الألف، والموت والقهر مستمرّان بلا انقطاع. في الأثناء، ثمّة نجّار ياباني ذو نبل إنساني فائق يدعى يوسوكي فوروساوا (47 عاماً)، دأب منذ اليوم الأوّل للإبادة الصهيونية المتواصلة ضدّ فلسطينيي غزّة على الخروج يومياً، بلا انقطاع أيضاً، إلى شوارع طوكيو في وقفة احتجاجية، منفرداً، رافعاً في أكثر المواقع حيويةً في المدينة، مثل محطّات القطار المكتظّة وأمام السفارة الإسرائيلية، لافتاتٍ كتب عليها بأكثر من لغة “فلسطين حرّة”، “أوقفوا الإبادة الجماعية في غزّة”، و”لوقف إطلاق النار الآن”. وفي ردّه على سائليه يؤكّد أنّ دافعه الأساس هو الدفاع عن الإنسانية وكرامة الإنسان ورفض العنصرية، ويؤكّد أيضاً أنّه سيستمرّ في وقفاته الاحتجاجية حتّى تحرير فلسطين. وقد أكسبه هذا الموقف الثابت تعاطفاً كبيراً ظهر في حرص المارّة والسيّاح على التقاط الصور معه والتضامن مع قضيته.

إذا استحال ظهور بوشنيل عربي، فليظهر على الأقلّ فوروساوا عربي يقتدي بوقفته الاحتجاجية اليومية

تلحّ هذه الظاهرة علينا بالسؤال: أين يوسوكي فوروساوا العربي؟ أمامنا مواطن ياباني بسيط، تحفر في وجدانه مأساة غزّة، فيما مئات الملايين من العرب لا يفرزون ظاهرةً واحدةً مماثلةً. أليس في هذا ما يولّد عاراً وخجلاً؟ قبل فوروساوا كان هنالك أيضاً الجندي الأميركي الشاب رون بوشنيل (25 عاماً) الذي أحرق نفسه حتّى الموت، في عام 2024 أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن، احتجاجاً على مجازر غزّة، مطلقاً صرخة “فلسطين حرّة” في أثناء احتراقه قبل أن يفارق الحياة. لا أوصاف تتّسع لفعل كهذا، فلا تفيه حقّه صفات الشجاعة أو النبل أو الشهادة أو عظمة المبادرة. فعل بوشنيل الاحتجاجي استثنائي وفريد في تاريخ البشرية، يفوق فعل الياباني فوروساوا الذي لا سابقة له في العالم أيضاً لناحية استمراريته. ولكن، إذا استحال ظهور بوشنيل عربي، فليظهر على الأقلّ فوروساوا عربي يقتدي بوقفته الاحتجاجية اليومية التي من المهمّ جداً أنّها لا تني تُذكّر بأنّ الإبادة مستمرّة، وبأنّ على العالم أن يوقفها، وبأنّها مأساة لا تنطفئ بفعل التعوّد والنسيان، وبأنّ القتل اليومي على دفعات إبادة بطيئة غير مختلفة عن القتل الجماعيّ الكبير عدداً. القضية ليست أرقاماً تزيد أو تنقص. وفي هذا الصدد، بليغةٌ الآية 32 من سورة المائدة في القرآن الكريم: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه مَنْ قَتَل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً ومَنْ أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً”. ومن هذه الآية القرآنية العميقة، التي تساوي بين الفرد والناس أجمعين، يمكن الإحالة بيسر على الفكر الشرقي، الكونفوشيوسي والبوذي والتاوي، إذ فيه تسمو أيضاً قيمة الإنسان الفرد لتضاهي الإنسانية جمعاء، ففي هذه المعتقدات، وفلسفات العيش، يتأثّر الإنسان بمعاناة الآخرين انطلاقاً من الجوانب العاطفية والمعرفية للإيثار والتعاطف، وهي ذات تسمية جذّابة: “الرنين العاطفي”. والجهل في هذه الفلسفات يجعلنا نخال الآخر كائناً مستقلّاً عنّا، بينما “الآخر هو أنت” أو “أنت هو الآخر” في عمق دوغمائيّاتها، وبذلك يصبح الإنسان الفلسطيني الغزّي قرين الإنسان في العالم، وفي وجدان فوروساوا الحي والإيثاري، إنسان غزّة الذي يُذبح ويُنكّل به هو مثيله وقرينه في الإنسانية، ولا فرق، لذا يستحقّ تلك الوقفة الاحتجاجية الدؤوبة والمستمرّة يومياً بلا كَلَال.

تستحق غزّة المكلومة المظلومة المذبوحة منّا ألّا ننساها، وأن نتذكّرها في كلّ ساعة

تردّنا ظاهرة الياباني فوروساوا إلى إنساننا العربيّ المتلهّي بقشور الحياة وسطحياتها، أو الغارق في همومه وشجونه الخاصّة حتّى الجهر: “ما لي ولأهل غزّة. تكفيني هموم عيشي وتحصيل اللقمة لعائلتي”، وفي ذلك بعض الصحّة والمبرّر، لكنّ غزّة المكلومة المظلومة المذبوحة حتّى الساعة تستحقّ منّا ألّا ننساها، وأن نتذكّرها في كلّ ساعة، وأن نقاسمها بعض ألمها وعطشها وجوعها وتشرّدها وعيش صغارها وكبارها في خيام الذلّ والقيظ الحارق صيفاً والبرد القارس شتاءً. تستحقّ غزّة فوروساوا عربياً واحداً في وقفة احتجاجية يومية. فوروساوا الياباني يجب أن يشعرنا جميعاً بالخجل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى