
اجتمعت الرباعية العربية الإسلامية التي تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان في القاهرة أواخر يونيو/ حزيران الماضي، وللمرة الرابعة، بعد ثلاثة اجتماعات سابقة في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا، علماً أن الحراك التمهيدي لها كان قد بدأ قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، ثم أبصرت النور رسمياً بعد الحرب من أجل إيقافها والتعاطي مع تداعياتها، وفق ما يعرف بسيناريو “صباح” اليوم التالي.
ومع الوقت، خاصة في الأسابيع الأخيرة، تحولت القمة الرباعية إلى خماسية بحضور قطري قوي لتحقيق أهدافها، مع الانتباه إلى أن اجتماع القاهرة الأخير جاء مصحوباً بمعطيين مهمين؛ أولهما انخراط جدي لقطر وباكستان، وعلى مستوى رفيع جداً، في لقاءات جنيف لمواصلة الوساطة وتنفيذ مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب ضد إيران، أما الثاني فتمثل بلقاء بقية أعضاء الخماسية، “السعودية وتركيا ومصر”، مع المبعوث الأميركي إلى إفريقيا مسعد بولس للنظر في ملفي السودان وليبيا تحديداً، مع نقاش عام حول تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، حيث تحضر الخماسية ضمن إطار ثماني عربي إسلامي واسع انخرط بقوة في جهود وقف الحرب بالقطاع والعمل على اليوم التالي لها، مع الانتباه إلى حضور ثلاثة أطراف عربية منها وبقوة في مظلة حماية سوريا الجديدة، بدعم باكستاني واضح وتأثير على مصر لتخفيف حدة موقفه المتشنج وغير المنطقي والواقعي من السيرورة الجديدة في دمشق.
بدايةً، تجب الإشارة إلى أن الفكرة والسيرورة لهذا الإطار كانتا قد انطلقتا قبل الحرب بفترة طويلة، مع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان -أيلول/ سبتمبر 2025- ثم انخراط تركيا في حوارات مع الطرفين للانضمام إلى الاتفاقية، قبل القناعة بتفضيل العلاقات والتفاهمات الثنائية بين الأطراف الثلاثة، مع فتح الباب أمام انضمام مصر ودول الخليج العربي إليها، ثم فتح الباب أمام انضمام دول عربية إسلامية أخرى للدفاع عن مصالح وأمن واستقرار المنطقة وشعوبها، دون الالتزام الحرفي بالدفاع المشترك أو بتحالف رسمي بين الأطراف، مع عدم إغلاق الباب أو استبعاد هذا الاحتمال في المستقبل.
وعليه، ومن الناحية النظرية، فقد انطلقت فكرة الإطار الرباعي ثم الخماسي لملء الفراغ والدفاع عن أمن ومصالح واستقرار المنطقة، بما في ذلك بذل الجهود لمنع الحرب ضد إيران قبل وقوعها، وكان هناك تنسيق بين أعضائه، وإن بدرجات مختلفة، حيث تسلمت تركيا راية الوساطة من عُمان التي غادرتها نهائياً مع اندلاع الحرب أواخر شباط/ فبراير، ثم انتظم العمل الجماعي المنسق بقيادة باكستانية ودعم تركي وسعودي ومصري، قبل أن تتحول الوساطة والقيادة إلى ثنائية باكستانية-قطرية بدعم بقية الأعضاء.
يمكن تفسير تسارع ثم تخفيف وتيرة الاجتماعات، مع إبقاء العربة على السكة دائماً، بتمتين قواعد الانطلاق، ثم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب ضد إيران أوائل نيسان/ أبريل
نظرياً كذلك، كانت السيرورة قد انطلقت مع انخراط الأعضاء الخمسة في الإطار الثماني العربي الإسلامي -ضم إليهم الأردن والإمارات وإندونيسيا- مع إدارة دونالد ترمب “أيلول/ سبتمبر 2025″، لإيقاف إطلاق النار في غزة والعمل على اليوم التالي للحرب، بما في ذلك التعافي المبكر وإعادة الإعمار وخلق الأفق والمسار السياسي نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية.
في السياق، كان لافتاً عقد ثلاثة اجتماعات للإطار الرباعي خلال شهر واحد، في الفترة ما بين منتصف آذار/ مارس إلى منتصف أبريل/ نيسان، بينما جاء الاجتماع الأخير في القاهرة بعد مرور شهرين تقريباً على نظيره في منتجع أنطاليا.
يمكن تفسير تسارع ثم تخفيف وتيرة الاجتماعات، مع إبقاء العربة على السكة دائماً، بتمتين قواعد الانطلاق، ثم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب ضد إيران أوائل نيسان/ أبريل، والعمل على إنهاء الحرب بشكل تام والعودة إلى الخيار الدبلوماسي وطاولة التفاوض، وهو ما جرى فعلاً في جنيف مع تصدر باكستان وقطر جهود الوساطة.
أفسح الإطار الرباعي-الخماسي المجال أمام باكستان وقطر مع انخراطهما الرسمي في الوساطة لإيقاف إطلاق النار، والتوصل إلى مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب نهائياً بدعم من الشركاء الآخرين، وإن بدرجات متفاوتة، وهم على الترتيب: تركيا ثم السعودية ومصر، التي خرجت من صورة الوساطة تقريباً مع بقائها في الإطار لاستحالة الاستغناء عنها لاعتبارات التاريخ والجغرافيا، حتى مع أزمات النظام المتفاقمة داخلياً وخارجياً.
في اجتماع القاهرة الأخير، وبعد التركيز على إنجاح مذكرة التفاهم وتسريع تنفيذها، شهدنا عودة للعمل على اليوم التالي للحرب والتحديات التي تواجهها المنطقة، حيث جاء لافتاً تصريح وزير الخارجية هاكان فيدان عن تحمل الإطار مسؤولية الأمن والاستقرار ضمن ما يسميها عادة ملكية إقليمية.
أظهر اجتماع القاهرة كذلك أن الإطار بات خماسياً، وبالحد الأدنى أقرب إلى أربعة زائد واحد، حيث أصبحت قطر مع الوقت عضواً فاعلاً به حتى دون الإعلان رسمياً عن ذلك.
سوريا الجديدة، فهي ليست بعيدة عن عمل الإطار وأهدافه أصلاً، كون ثلاثة من أعضائه حاضرين بشكل مركزي وقوي في مظلة الحماية العربية والإسلامية والدولية لسيرورة الأمن والاستقرار وإعادة البناء فيها
تأكيداً للمعطيات السابقة، أو ربما تعبيراً عنها، وفيما يشبه تقاسم الأدوار، تزامن الاجتماع الأخير مع لقاءين لافتين ومهمين، حيث التقى وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر مع المبعوث الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، وتركز النقاش تحديداً على ملفي ليبيا والسودان وكيفية تنسيق المواقف للتوصل إلى حلول سياسية توافقية وطنية لأزمات ومشكلات البلدين، مع التذكير بانخراط قطر وباكستان في الملفين بدرجات ومستويات متعددة، سياسية واقتصادية وعسكرية، ولكن متكاملة مع جهود الأعضاء الآخرين.
بالتزامن، انطلقت مفاوضات جنيف لتنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران بحضور فاعل لقطر وباكستان، حيث جرى تشكيل لجان متابعة من الوسطاء للإشراف على تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، بدعم كامل بالطبع ممن اجتمعوا في القاهرة كما اتضح من البيان الختامي.
فيما يخص سوريا الجديدة، فهي ليست بعيدة عن عمل الإطار وأهدافه أصلاً، كون ثلاثة من أعضائه حاضرين بشكل مركزي وقوي في مظلة الحماية العربية والإسلامية والدولية لسيرورة الأمن والاستقرار وإعادة البناء فيها، مع دعم باكستاني لافت وإعادة تأسيس العلاقات مع دمشق، وتأثير واضح للإطار على النظام المصري لتخفيف حدة مواقفه المتشنجة والعدائية وغير المنطقية تجاه سوريا الجديدة.
في الاتجاه نفسه، وفيما يتعلق بالعمل على اليوم التالي للحرب، فسوريا الجديدة حاضرة بالتأكيد، سواء في الترتيبات والتفاهمات السياسية ذات الصلة، مع دعوتها إلى اجتماع 12 دولة عربية وإسلامية في الرياض -آذار/ مارس الماضي- الذي انبثق الإطار الرباعي عنه، كما نشهد حضوراً محورياً لدمشق في خطط ومشاريع إيجاد بدائل عن مضيق هرمز، وربط الخليج العربي بالمتوسط وتركيا وأوروبا وآسيا الوسطى عبر سوريا الحاضرة بقوة في خطة إحياء سكة حديد الحجاز بصفته مشروعاً استراتيجياً بالمعنى الدقيق والكامل للمصطلح.
المصدر: تلفزيون سوريا






