
تضع التحولات التي يشهدها المشرق برمته المكوّنات الوطنية والطائفية والمذهبية فيه، في حال من الترقّب لما ستؤول إليه إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ويحدث هذا بالتوازي مع إيقاظ العصبيات و”القضم التدريجي” للهويات الوطنية لصالح نزعات تستند إلى التمايز المذهبي والاختلاف الديني والخصوصية العرقية. وفي ظل توجّسٍ يعتري الجماعات الدينية على اختلاف أحجامها ومواقعها، سواء كانت ضمن أكثريات حاكمة أو جماعات تشعر بالتهميش أو أقليات تاريخية، مما تعتقد أنه يُحاك لها في ظل الشكوك المتبادلة.
وضاعف الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني بعد التمدد في الجنوب السوري الضغوط التي تواجه طائفة الموحدين الدروز في بلاد الشام. ويبدو أن أي اتفاق إطار لبناني- إسرائيلي أو سوري- إسرائيلي لن يكون المحطة الأخيرة في المشروع الإسرائيلي في المنطقة.
مع التحولات المتسارعة في سوريا في السنتين الأخيرتين، بدا الدروز أسرى تجاذب حاد بين رغبة في التجذّر الوطني، ومحاولات احتواء إسرائيلية دفعت جزءًا بعض القيادات الدرزية إلى إعادة النظر في علاقتها بالدولة السورية المركزية، فكان، ما عُدَّ عند أصحابه، تحالف ضرورة مع أعداء تاريخيين، حفاظًا على أبسط شروط البقاء والانتماء إلى المكان.
في المقابل تتشكل مساعٍ عربية وإقليمية، بدعم وتقاطعات دولية، لإخراج سوريا ولبنان من بين ضغوط متعارضة: الضغط الإسرائيلي- الأميركي من جهة، والضغط الإيراني الذي لا يزال ينظر إلى الجنوب اللبناني باعتباره مجالًا حيويًا لنفوذه من جهة أخرى، بالتوازي مع انفتاح بعض القوى على مسارات تفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية.
وفي حين لا تنسحب هذه المقاربة على الدروز في إسرائيل، الذين تتشكل خياراتهم السياسية والقانونية ضمن واقع مواطنتهم في الدولة الإسرائيلية، برز قبل أيام مؤشر على انتقال الاهتمام الإسرائيلي بالملف الدرزي من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي مع تكليف شخصيات درزية بمهام تتصل بلبنان وسوريا. فبعد ستة أشهر على تعيين الجنرال غسان عليان منسقًا خاصًا للشؤون الدرزية في لبنان وسوريا، جاء تكليف النائب الإسرائيلي الدرزي أكرم حسون برئاسة ما أُعلن عنه بوصفه “لوبي السلام بين إسرائيل ولبنان”. ويُمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها محاولة علنية لزج الدروز في مقدمة الفئات المنفتحة على التطبيع، ضمن الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وبصرف النظر عن مآلات هذه المبادرات، فإن مثل هذه القنوات من التواصل تضفي على البعد الدرزي حساسية خاصة في مقاربة العلاقة مع لبنان وسوريا.
ورفع ذلك منسوب الخشية من انزلاق مكونات داخل الطائفة في لبنان إلى مسارات قد تجد نفسها مدفوعة إليها بفعل تجاذب الخيارات والضغوط. ولا يقتصر هذا القلق على المجال السياسي وحده، بل يمكن رصد بعض انعكاساته داخل البنية الدينية نفسها، بما يجعل الحفاظ على انسجام الرؤية لدى المرجعيات الدينية وتماسك الخطاب الداخلي تحديًا إضافيًا في مرحلة تزداد فيها محاولات الاستقطاب وتتنوع مصادرها.
وتبرز هنا حساسية أي انفتاح من هذا النوع في نظر قوى محلية وإقليمية وازنة قد ترى فيه خروجًا على أولويات الصراع، أو مساسًا بتوازناته، بما قد يفضي إلى استعادة أنماط من الاحتقان الأهلي ذات الطابع الثأري التي عرفها الدروز في محطات مؤلمة من تاريخهم الحديث، وآخرها قبل عام في السويداء.
في ظل هذه المشهدية المركبة، تكتسب التجارب التاريخية دلالة خاصة، لا بوصفها نماذج قابلة للاستنساخ، بل باعتبارها أدوات لفهم أنماط السلوك السياسي في البيئات المشرقية.
من المفيد، في هذا السياق، استحضار تجربة إحدى أهم القوى المحلية التي ارتبط اسمها، وفق عدد من المصادر، بتاريخ تشكّل الوجود السياسي الدرزي في جبل لبنان خلال القرن الثالث عشر الميلادي، حين وجدت نفسها أمام تعدد مراكز الاستقطاب الخارجي: الأيوبيون بوصفهم السلطة القائمة في بلاد الشام، والمغول كقوّة توسّعية كاسحة، والمماليك دولة صاعدة في مصر بعد 1250م تتجه إلى بسط نفوذها في بلاد الشام، إضافة إلى الفرنجة في ممالك الساحل. من هنا تبرز أهمية التساؤل: كيف تصرف أمراء جبل لبنان عشية معركة عين جالوت 1260م؟
قد يُقال، بحق، إن السياق الذي وطئت فيه المماليك بلاد الشام ومنها بلاد الغرب (التلال المحيطة ببيروت) مختلف عن سياق ما تعيشه الجماعات الدينية راهنًا، وأننا اليوم أمام مفهوم حديث للدولة والسيادة والمواطنة، ومقاومة الاحتلال، وهو قول صحيح. غير أن أوجه التشابه البنيوية تبقى قائمة عند النظر إلى الطوائف باعتبارها جماعات تتحرك تحت ضغط تحولات كبرى وقوى متنافسة، إذ يصبح الرهان في لحظات الانكشاف، على إدارة العلاقات والولاءات بما يحفظ بقاء الجماعة ويقلل من كلفة التحولات.
وهذا النمط لا يقتصر على الحالة الدرزية، بل عرفته مكونات لبنانية وسورية أخرى حين وجدت نفسها أمام ضغوط إقليمية ودولية متعارضة. فما الذي تكشفه تجربة الأمراء التنوخيين عن أنماط التكيّف السياسي في المجتمعات الصغيرة، من توزيع الولاءات إلى إدارة الكيان؟
كان من أبرز أمراء الغرب التنوخيين في تلك المرحلة جمال الدين حجّي الكبير، وسعد الدين خضر، وزين الدين صالح. وقد توزّعت خياراتهم السياسية في لحظة مفصلية اتّسمت بتنازع مراكز القوة. فمع اقتراب المغول من دمشق عقب سقوط بغداد، وانشغال الفرنجة في السواحل، بادر حجّي إلى ممالأة المغول سنة 1259م، فالتقى القائد كتبغا، نائب هولاكو خان في الشام، وتشير بعض الروايات إلى أنه نال منه منشورًا يقرّ له بسلطة محليّة ضمن النفوذ المغولي.
في المقابل، انضمّ زين الدين صالح بفرسانه إلى المماليك، سعيًا إلى تثبيت موقعه ضمن القوّة الصاعدة، فنال إقطاعاً واسعاً امتد في جبل لبنان ووصل إلى وادي التيم جنوبًا. أمّا سعد الدين خضر، فاستمر في إدارة الإمارة في ظلّ الهدنة القائمة بين الأيوبيين والفرنجة على الساحل.
ويبدو أن هذا التوزع في الخيارات السياسية أسهم في تخفيف آثار التحول الكبير الذي أحدثه انتصار المماليك في عين جالوت سنة 1260، وتراجع النفوذ المغولي في بلاد الشام، وانتهاء الدولة الأيوبية. فقد أعادت النخب المحلية تموضعها وفق موازين القوى الجديدة، ولا تشير المصادر إلى أن اختلاف رهاناتها السابقة قاد إلى صراع داخلي واسع، بل جرى استيعاب معظمها ضمن النظام الحاكم المستجد، بما في ذلك من كانت لهم صلات سابقة بالقوى المنهزمة.
وهنا تتبدّى الفجوة سواء مع الواقع الدرزي، خصوصاً في السويداء، حيث تتزاحم الولاءات ما دون الدولتية، والإقليمية، والدولية. فالإشكالية لا تكمن دائمًا في تعدّد الخيارات السياسية بحد ذاته، بل في العجز عن تحويل هذا التعدد إلى إرادة سياسية مشتركة تحافظ على وحدة الجماعة.
وبعبارة أخرى، إذا كانت تجربة أمراء الغرب التنوخيين تشير إلى إمكانية احتواء اختلاف الخيارات بعد انتهاء الصراع، فإن الخطر الراهن يكمن في تحوّل هذا الاختلاف إلى انقسام بنيوي يهدد وحدة الدروز داخل كل كيان، ويهدد تبعًا لذلك تماسك تلك الكيانات نفسها.
ولعلّ الدرس الأبرز من تجربة جبل لبنان ليس أن جميع رهاناتهم كانت صائبة، بل إن اختلافها لم يتحول إلى اصطدام داخلي أو تفكيك للبنية الواحدة. فالتاريخ لا يقدّم وصفات جاهزة، لكنه يكشف أنّ الكيانات الصغيرة لا تسقط بفعل ضغط الخارج وحده، بل أيضًا عندما تعجز عن إدارة تناقضاتها الداخلية.
المصدر: المدن






